الثلاثاء 24 نيسان (أبريل) 2012

عين الكاميرا وفاشية «إسرائيل» العارية

الثلاثاء 24 نيسان (أبريل) 2012 par مأمون الحسيني

ما بدا باهتا في المشهد الذي ضبطت فيه عدسة الكاميرا ضابطاً «إسرائيلياً» يدعى شالوم آيزنر، ويشغل منصب نائب قائد منطقة الغور في الجيش «الإسرائيلي»، يقوم بضرب مواطن دنماركي جاء من بلاده للتضامن مع الفلسطينيين، بكعب سلاحه في وجهه مباشرة، هو قيام الضابط نفسه، وفي خضم موجة غضبه العارمة، باللحاق بشاب فلسطيني آخر وضربه بالسلاح ذاته على ظهره، ومن ثم اللحاق بمتضامنة أخرى وضربها بالطريقة ذاتها. وسبب ذلك لا يعود فقط إلى المشهدية الاستثنائية لما خطفته الكاميرا، أو إلى غرابة تعرض الأجانب للضرب العنيف من قبل ضباط وجنود الاحتلال أمام وسائل الإعلام، وما يمكن أن يخلفه ذلك من تداعيات سياسية وإعلامية، بما في ذلك إزعاج الدولة الصهيونية في الاتحاد الأوروبي، وربما في المحكمة الجنائية الدولية. وإنما أيضاً، ووفق رزمة من الأحداث والمعطيات، إلى انتقال عدوى عدم الاهتمام بالضحية، في حال كان فلسطينياً أو عربياً، من «إسرائيل» ومؤسساتها المختلفة إلى وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي المختلفة، بما فيها الفلسطينية والعربية.

ومع أن تسجيل هذه الحقيقة التي يرفع من منسوب مصداقيتها رفض النائب العسكري العام «الإسرائيلي» الذي سارع إلى فتح تحقيق في اعتداء المقدم آيزنر على الناشط الدنماركي، فتح تحقيق آخر في قتل شابين فلسطينيين عند حاجزين للاحتلال في الضفة رغم وجود أمر قضائي بذلك، يستهدف، بالأساس، تسليط ضوء ساطع على العنصرية المركبة التي تستوطن الجسد «الإسرائيلي»، بمختلف مؤسساته وبناه، إلا أن ثمة دلالات أخرى لحادث الاعتداء على المتضامن الدنماركي، وكيفية التعاطي «الإسرائيلي» مع تظاهرة «أهلا وسهلا في فلسطين» التي تتواصل للعام الثالث على التوالي، لعل أبرزها حضور الدليل الساطع على فاشية الدولة والمجتمع «الإسرائيليين»، وعدم القدرة على إعادة إنتاج وسائل وأساليب الخداع والرياء المتعلقة بالممارسة الديمقراطية، رغم سيل الاعتذارات والوعود بإجراء تحقيقات في حوادث الاعتداءات المتكررة تكون نتيجتها، عادة، إما نقل المتهم إلى موقع آخر، أو تكليفه بدفع غرامات مالية رمزية، دون إجراء أي تغيير في السياسة المقرة والمعايير المعتمدة.

وعليه، لم يكن مفاجئاً أن ينصب النقد الذي وجهه السياسيون وقادة الجيش «الإسرائيلي» الذي اضطروا للظهور بمظهر المتفاجئ من هذا “الحدث الخطير” الذي ٤يتعارض وقيم الجيش «الإسرائيلي»»، وفق زعم رئيس الأركان الجنرال بني غانتس، على «الغباء» الذي دفع آيزنر إلى القيام بسلوكه العنيف أمام كاميرات التلفزة، وليس على الفعل الوحشي ذاته، وهو ما أشار إليه بوضوح مستشار سابق لرئيس الحكومة «الإسرائيلية» في مقالة في صحيفة «يديعوت احرونوت» عندما قال: «أعيدوه إلى بيته بسبب غبائه»، كما لم يكن غريبا أن تبدأ حملة تضامن وتأييد للضابط الفاشي بدأت بتوقيع أكثر من 15 ألف «إسرائيلي»، ويأمل أصحابها بالوصول إلى أكثر من مئة ألف توقيع، للحيلولة دون فصل آيزنر الذي يصرَ، وفق «معاريف»، على أن اعتداءه «لم يكن خللا أخلاقيا»، من صفوف الجيش «الإسرائيلي»، وذلك بموازاة توجيه العشرات من جنود الاحتلال رسالة إلى رئيس الأركان تطالب بأخذ «السيرة العسكرية» لآيزنر في الحسبان، وعدم إخراجه من الجيش.

الدلالة الثانية لها علاقة بارتفاع منسوب الخشية «الإسرائيلية» من نجاح التظاهرة في اجتذاب المزيد من المتضامنين الدوليين السلميين، ولا سيما من الدول التي كانت دائما على علاقة جيدة، بل منحازة لـ «إسرائيل»، وهو ما بدا جليا في الاستنفار السياسي والدبلوماسي والأمني الواسع في المعابر والموانئ «الإسرائيلية» المختلفة وفي مقدمتها مطار بن غوريون، الذي تحوّل إلى ثكنة عسكرية بقيادة وزير الأمن الداخلي، ووزير الداخلية، وما يزيد على ستمائة وخمسين من أجهزة الأمن والشرطة للحيلولة دون وصول هؤلاء المتضامنين الذين رحل المئات منهم بالقوة إلى بلدانهم، وأُودع معظم الآخرين السجن، كما ظهر بوضوح من خلال تلك الصفقة الوضيعة التي جرت في الخفاء ما بين السلطات «الإسرائيلية» والعديد من شركات الطيران الأوروبية، والتي نصت على منع نشطاء السلام الغربيين من السفر إلى الأراضي الفلسطينية، من خلال استخدام كافة الوسائل بما في ذلك خرق التشريعات السائدة، وتصنيف المسافرين على أسس عرقية ودينية. وكانت صحيفة «هآرتس» قد كشفت عن أن منع النشطاء الغربيين جاء على أساس «قوائم سوداء» أعدها جهاز «شين بيت»، وسلمت إلى شركات الطيران «إير فرانس» و«لوفتهانزا» و«إيزي جات» وغيرها من الشركات التي قامت بإلغاء حجوزات حوالي 500 مسافر، لا بل جرى تلفيق الأكاذيب عن قوائم المتضامنين الأجانب، والزج بأسماء المئات من المواطنين الأوروبيين، الذين لا صلة لهم بالحملة الأممية، فيما كشف الإعلامي الفرنسي آلان غريش أن الأمر لم يقتصر فقط على هذه «القوائم السوداء»، وإنما تعداه إلى طلب السلطات «الإسرائيلية» من موظفي شركة الطيران الفرنسية أن يطرحوا سؤالين مكتوبين على العديد من المسافرين الذين لم يكونوا مدرجين على «قوائم شين بيت»: الإفصاح إن كان لديهم أقارب «إسرائيليون»؛ وهل يدينون باليهودية، وذلك بهدف فرز الموالين لـ «إسرائيل» عمن يحتمل أن يكونوا من مؤيدي القضية الفلسطينية.

الدلالة الثالثة تتصل بتلمس الصهاينة تنامي الوعي في الشارع الأوروبي حيال الفاشية «الإسرائيلية»، وتالياً انحسار تأييد الرأي العام في مختلف دول العالم للدولة الصهيونية التي تتصرف كما كان النازيون الألمان يتصرفون تحت زعامة هتلر، وهو ما بدا في محطات عدة، لعل آخرها وقوف معظم الألمان إلى جانب الأديب غونتر غراس الذي ندّد بالسياسة «الإسرائيلية»، ومحاباة الدول الغربية لها، ومن ثم الاستعداد المتنامي للمشاركة في تظاهرة «أهلا وسهلا في فلسطين». أما المفارقة، فهي أن القيادة والفصائل الفلسطينية، وبدلاً من المسارعة إلى استثمار هذا التضامن الشعبي الأممي الذي أسقط، وبالضربة القاضية، ما تبقَى من مزاعم «إسرائيلية» حول وجود ديمقراطية وحرية وحقوق إنسان في الدولة العبرية، وفضح الوجه العنصري القبيح لهذه الدولة التي تمارس أبشع الانتهاكات الإجرامية ضد أبناء الشعب الفلسطيني، وتتنفس خارج قواعد القانون الدولي والقانون الإنساني، وتزدري كل قرارات الشرعية الدولية، وتعمل على احتكار رواية الصراع. هذه القيادة والفصائل ما زالت تتمسك بالانقسام السياسي والجغرافي المتواصل منذ سنوات خمس، وتُلوح ببعض الخيارات البديلة، في مواجهة الاستيطان «الإسرائيلي» المنفلت من عقاله، من نمط حل السلطة الفلسطينية، وسحب الاعتراف بالدولة الصهيونية، ووقف التنسيق الأمني، دون تقديم أية مؤشرات على إمكانية اللجوء إلى أحدها، ما يعني أن هذا التضامن الأممي المتنامي مع الشعب الفلسطيني مرشح لفقدان الزخم والانحسار في حال بقاء الأمور على حالها.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 21 / 582403

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010