الاثنين 12 كانون الأول (ديسمبر) 2011

محنة سوريا : بشار الأسد ودرس عبد الناصر

الاثنين 12 كانون الأول (ديسمبر) 2011 par طلال سلمان

بعد عشرة شهور من الاضطراب الدموي سقط خلالها الآلاف من الضحايا، مدنيين وعسكريين، رجالاً ونساءً وأطفالاً، ولحق الدمار بأحياء في مدن وبمؤسسات عامة وخاصة هي ثمرة عرق السوريين والسوريات، لم تعد تكفي البيانات الرسمية المقتضبة عن «العصابات المسلحة» لتفسير ما يحصل في سوريا ولها، فكيف بتبرير هذا الأذى الفاحش الذي لحق ويلحق بقلب العروبة النابض.

بعيداً عن ادّعاءات المعارضات المؤتلفة أو المختلفة، سواء منها المكتوبة بالعربية أو بالتركية، بالفرنسية أو بالإنكليزية،

وبعيداً عن الحملات المنظمة والتهديدات المباشرة، عربياً ودولياً، والتي يشارك في شنها خصوم معروفون وأعداء مستجدون كانوا حتى الأمس القريب أصدقاء عائليين فانقلبوا إلى مقاتلين لإسقاط النظام «ولو كلف ذلك نصف عائدات الغاز».

بعيداً عن الروايات التي ينقلها «الهاربون من الجحيم»، كما يقولون، في حمص وريفها، وفي درعا وحوران عموماً، وفي إدلب وما جاورها، فضلاً عن الرستن وبعض ضواحي الفقراء من حول دمشق، والتي تؤلم القلب وتعذب الضمير،

وبعيداً عن الروايات الرسمية التي لا يقبلها عقل ولا تصدر عن منطق، خصوصاً متى اندفع في ترويجها وتسويقها من لا صدقية لهم ولا تاريخ في النضال يشهد لهم بصلابة العقيدة،

بعيداً عن ذلك كله، وفي محاولة لإنهاء البلبلة بتقديم حقيقة ما يجري في سوريا، بوقائعه الفعلية، أولاً، ثم بدلالاته السياسية، واستهدافاته لموقع سوريا ودورها وقيادتها،

.. لا بد أن يسمع المواطن في سوريا، بداية، وكل العرب خارجها، ومن الرئيس بشار الأسد شخصياً، ومباشرة، غير كل ما سمعوه منه أو نقلاً عنه، أو عن مصادر مسؤولة في جهاز الحكم.

لا بد أن يصارح الرئيس بشار الأسد، شخصياً، الشعب السوري، بداية، والعرب في مختلف ديارهم (ومغترباتهم)، وأن يقدّم توصيفاً دقيقاً وجدياً للأوضاع المضطربة في سوريا، مَن يحرّكها ولماذا؟ مَن يموّلها ولأي غرض؟! لعله يخفف من القلق المصيري الذي يعيشه العرب في مختلف ديارهم على سوريا، بوحدة شعبها التي ظلت صلبة ومتماسكة عبر المحن والهزات الانقلابية التي توالت على سدة الحكم فيها منذ فجر الاستقلال في أواخر الأربعينيات وحتى خريف 1970، عندما تولى السلطة الرئيس الراحل حافظ الأسد.

لا بد أن يسمع المواطن في سوريا، وهو من دفع كلفة الصمود وأعباء المشاركة في حرب تشرين، وتحمّل أعباء المواجهة القاسية خلال فترة الحصار الطويل الذي فرضه معظم العالم على سوريا في الثمانينيات والتسعينيات، ثم عاد فتحمّله بعد الاحتلال الأميركي للعراق ولم يتخفف منه، أو كاد، في السنوات القليلة الماضية وحتى مأساة أطفال درعا التي أسيء التصرف فيها بما حوّلها إلى فتيل لانتفاضة غضب عارمة.

ولا بد أن يسمع العرب خارج سوريا ما يشرح لهم حقيقة ما يجري، ولماذا طالت مدة العلاج واستطالت حتى كادت تبدو بلا نهاية.

لا بد أن يعرف العرب حقيقة الأسباب التي دفعت الأكثرية الساحقة من قادة أنظمتهم، «الرجعية» و«التقدمية»، «الإسلامية» والمتهمة في صدق إسلامها، إلى التكتل ومصادرة الجامعة العربية وتحويل منبرها إلى منصة هجوم على دولة مؤسسة لهذه الجامعة التي يستغني عنها أعضاؤها الأغنياء ويأتيها الأعضاء الفقراء بالطلب وبالثمن، ثم استصدار قرار غير مسبوق منها يعاقب شعب سوريا جميعاً بذريعة أن نظامها لم يلتزم بما فرض عليه من عقوبات لا يطبقها بعض من قادوا الحملة على العدو «الإسرائيلي» الذي صيّروه صديقاً حميماً!

فليس سراً أن العرب جميعاً تائهون ومرتبكون في قلب خوفهم المصيري على سوريا، لا يعرفون مَن وماذا يصدقون مما يسمعون (ويرون) وماذا يكذِّبون، وأين تقع الحقيقة وسط بحر «الإعلام المضلّل» و«الإعلام الأبكم»،

إنها عشرة أشهر بطول دهر من القلق والخوف لانعدام اليقين،

ثم أن زمن الأزمة الدموية مفتوح بعد، على المجهول.

ومن حق شعب سوريا، بداية، والعرب كلهم في المشرق والمغرب، أن يسمعوا ومن الرئيس السوري بشار الأسد شخصياً ما يتجاوز التوصيف إلى القرار بوقف المذبحة وولوج باب الحل بعد تحديد مراحله وأبعاده،

لا بد من إيقاف عمليات القتل والاعتقال التي باتت تهدد وحدة الوطن السوري وشعبه الذي اشترى وحدته بدمائه في مواجهة الانتداب الفرنسي، والذي شارك ـ مقاتلاً ـ في مختلف معارك التحرير، مشرقاً ومغرباً، والذي استعصى ـ طوال تاريخه ـ على سرطان الطائفية والمذهبية لاغية الأوطان.

لا بد من خطاب تاريخي يعترف فيه المسؤول الأول بالأخطاء التي تسبّبت في تفجير الوضع وسوء المعالجة والاستهانة بحجم الكارثة الوطنية التي ضربت سوريا وأسقطت هذا العدد المهول من الضحايا، مدنيين وعسكريين.. فضلاً عن الخسائر المخيفة في الموارد والعمران.

لعل الفرصة متوفرة بعد لمبادرة شجاعة وسريعة يقدم عليها هذا الرئيس الذي كان ـ وحده من بين الملوك والرؤساء ـ يخرج إلى الناس بغير حراسة،

إن الأوطان أهم من القادة، هي الباقية وهم يذهبون... وأعظمهم مَن يبقى في ضمير وطنه بما بناه وأسّس له من ركائز التقدم والمنعة.

فهل ينتصر بشار الأسد على نظامه ليبقى الوطن؟

هل يتخذ من مبادرة جمال عبد الناصر بعد هزيمة 5 حزيران 1967 دليلاً ومرشداً إلى الإنقاذ؟!

والجواب عند الرئيس بشار الأسد لوحده.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 14 / 566682

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010