الأربعاء 30 تشرين الثاني (نوفمبر) 2011

مفارقات! كيف نقرأها؟

الأربعاء 30 تشرين الثاني (نوفمبر) 2011 par د. نهلة الشهال

كثرة المفارقات المطروحة في المشهد العربي اليوم قد تثير الارتباك وتعزز الشعور العام بالقلق الذي تسلل بقوة الى النفوس، بعد النشوة الكبيرة بالثورات. وتلك أولى المفارقات. إذ تترافق معاً تمردات عامة عنيدة، عميقة، مستعدة لدفع الثمن، غير آبهة بالتهديدات، مع ما يشبه الريبة بهذا الذي يجري. وهو استعداد للنكوص له أسبابه الحقيقية والقوية، منها أننا كنا فقدنا الثقة بالنفس واستبطنَّا العجز وعدم الجدوى، وأننا فقدنا في سياق ذلك الخيال السياسي، أي ما يسمح بتجاوز القائم، وبتصور الوسائل والأدوات اللازمة لذلك. ومنها أنه غاب عن عقولنا مفهوم التغيير كقانون حتمي للتاريخ من شدة رسوخ السلطات القابعة فوق رقابنا حتى وصلت الى التوريث في الجمهوريات، فبدا ما يحدث مفاجئاً، وبشكل ما وأحياناً، «مشبوهاً». ومنها أننا اعتدنا أن نكون محط فعل الآخرين، وبخاصة القوى العظمى منذ «سايكس - بيكو» (وأيضاً «إسرائيل») تملي هندسات بعينها، وأحياناً معاهدات، وتتسلل بهذا القدر أو ذاك من العلنية والفظاظة الى قلب ماكينات السلطة في بلداننا. ثمة نكتة شائعة في «إسرائيل» تقول إن مراسلاً لـ «يديعوت أحرونوت» غطى يومياً ميدان التحرير الأول حتى رحيل مبارك، وحين عاد سُئل بإلحاح من القيادة السياسية هناك عما رآه وسمعه متعلقاً بـ «إسرائيل»، مما لم يرد ذكره أبداً في تقاريره، فأجاب إن موضوع «إسرائيل» كان غائباً أو عرضياً، فأصيبت القيادة بالهلع، لأنها كانت تفضل الشتائم القاسية والتهديد والوعيد على هذا التجاهل، فهي لا تتحمل فكرة أن «إسرائيل» ليست محور الحدث! هذا علاوة على شدة الاستعصاءات والصعاب التي تواجه الثورات من داخل قواها نفسها، ومساعي الإجهاض والانقلاب عليها من قبل قوى الثورة المضادة، وبكل الأحوال التعقيد المهول للأشياء بمقابل الصورة البليدة التي كانت قد استقرت على مدى عقود، وإن تخللتها انتفاضات و«هوجات»، ولكن هذه لم تكن تطرح أبداً مهمة إعادة النظر الإجمالية بالأوضاع كما هي قائمة.

ومن المفارقات أن تتحكم بقرارات الجامعة العربية بعض مشيخات الخليج في ظل اضطراب فعلي في مواقف الآخرين من أصحاب الأوزان : السعودية التي تؤيد مواقف تلك المشيخات ولكنها لا تقودها، ربما بسبب قلق فعلي تجاه احتمالات تطور الأمور، وربما بسبب انشغالات داخلية قاسية، ومصر المنشغلة بنفسها والجزائر المتجاذَبة بين عدة هواجس...وهو وضع لا يمكنه بالتأكيد أن يستمر طويلاً من دون أن يتسبب بانفجار الجامعة العربية نفسها، ولكنه اليوم يمارَس وتُبنى عليه نتائج، أولها كان إجازة التدخل الدولي/ الأطلسي في ليبيا وثانيها ما يعتمل بخصوص سوريا.

وأما هذه الأخيرة، فهي عقدة الوضع الاستراتيجي للمنطقة. وهذه أيضاً مفارقة، حيث كان الإدراك العائد لأهمية سوريا شديد النسبية بالمقارنة مع ما هو مطروح اليوم. وفي قلب هذه المفارقة مفارقة أخرى تتعلق بالخفة (المصطنعة؟) التي تواجه بها المعارضة السورية، الأعلى صوتاً، تلك الخطورة، فتصدر بيانات وإعلانات نوايا منمقة، ولا غبار عليها، وكأن التغيير المطروح يحدث في السويد، مما يمر قرب المسائل الفعلية المطروحة، وعلى رأسها المؤدى الفعلي لتتابع التطورات. وكمثال، فلا يبدو واضحاً أبداً كيف «يُصرف» بيان المبادئ العرمرمي الذي أدلى به الدكتور برهان غليون باسم «المجلس الوطني السوري» عشية عيد الأضحى، ولا التأكيد غير المنقطع من قبل هذا المجلس على «سلمية» الثورة، بينما الوضع الميداني ينزلق كل يوم نحو مزيد من العنف الطائفي والاحتراب بالسلاح، مما ينذر استتباعاً بتفجير الأوضاع أيضاً في لبنان والعراق والأردن... على الأقل. ولا يمكن إلا على ضوء مرض الفصام تفسير البيان الأخير الصادر منذ يومين عن «الجيش السوري الحر» الذي يؤكد أنه لا يرتكب عمليات عسكرية ويكتفي بحماية المظاهرات، بينما هو نفسه أعلن عن «مسؤوليته» عن الهجومين بالصواريخ على مقري المخابرات الجوية وحزب البعث، وعمليات عسكرية أخرى! هذا ناهيك عن الأخبار التي تبدو كاريكاتورية ـ ولكن سطوة المفارقات تجعلها مطروحة بجد ـ عن اتفاق بين الحكومة الليبية والثوار السوريين (مَن؟) على التدخل العسكري الليبي في سوريا بالمقاتلين والسلاح. نشرت ذلك «الديلي تلغراف» البريطانية، ونقلته عنها صحف مصرية، مصحوباً بتحديدات من نوع أن الاجتماع جرى منذ بضعة أيام في اسطنبول. هذا بينما يزداد منسوب الكلام التهديدي (والانتحاري في آن) للقيادة السورية التي تعامل الموقف كقدر يستوجب التأكيد على الاستعداد للقتال إن لم يكن منه بدٌ كما قال الأسد، أو اعتبار باب الحلول مغلق كما أردف الوزير المعلم. ومعهما انفلات القمع بوحشية مضاعفة.

وبخصوص سوريا، تبدو الحاجة لمصر ملحة، فلعلها الوحيدة القادرة على تهدئة الجنوح نحو الكارثة إذا ما استعادت قليلاً زمام الأمور بما يتجاوز انشغالاتها الداخلية واضطرابات خياراتها. وهو أمل يكاد يكون نظرياً حتى الآن. بينما يتملك الجميع، وفي الوقت نفسه، شعور بفداحة الخطر المتربص بالمنطقة بأكملها انطلاقاً من عملية الانفجار السوري، وبالمقابل شعور بأن أوان تعطيل هذا الانفجار لعله قد فات. فكما هو معروف جيداً في الفلسفة السياسية، تمتلك الأفكار والأفعال على السواء قانون حركتها الذاتية، أي أنها تسير وفق حياتها الخاصة منذ لحظة انطلاقها،عند خروجها من يد أصحابها والتقائها بالواقع.

هل تبرر تلك المفارقات الشك في طبيعة هذا الذي يجري؟ هل لأنه يسود هرج ومرج في ميدان التحرير في مصر يمكن تناسي الخطوة العملاقة المتحققة، والمتمثلة بدخول مئات الألوف الى السياسة بوصفها المبادرة الى قرار التحكم بالمصائر. هل لا ينحني أي كان إعجاباً وثقة بمئات الأطباء والطبيبات الذين يديرون ليل نهار وبكفاءة المستشفيات الميدانية العديدة في التحرير، بشبكات جمع التبرعات من كل نوع يندفع لإعطائها بسطاء المصريين، لمعرفتهم بضرورتها من أجل تسيير عجلة الحياة في الميدان، ولأنهم معنيون بالمساهمة بما يجري. هل يمكن تجاهل النظام الذي نشأ بين شبكات التنظيم والإعلام لأناس الميدان، وللصلة بالمناطق، والذي يسير ويؤدي غرضه؟ بالانقسام بين شباب الإخوان الأكثر مبدئية، وقيادتهم الأكثر برغمائية. هل لا يعني شيئاً دخول الحركات الصوفية ـ أو عودتها ـ الى السياسة، وهم ملايين، في تغيير المشهد الإسلامي برمته؟ وكيف سيتفاعل كل ذلك؟ غيض من فيض!!

لا بد إذاً من قبول قاعدة أن المفارقات نفسها هي من خصائص السيرورات الثورية، بل من علاماتها. ولكن والأهم، فلا بد من النظر الى كيفية الانخراط في تلك السيرورة صراعياً، لتغليب ما يخدم مجتمعاتنا، عوضاً عن الارتجاف كلما انكشف مقدار الصعوبة، والارتداد للتقوقع في الحضن المريح ـ والبائس ـ للإحباط!


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 21 / 582148

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010