السبت 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2011

عرض كتاب | صعود الصين والهند في إفريقيا

السبت 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2011

[**الفرص والتحديات والتدخلات المؤثرة*]

«إن الزعامات العالمية تنتقل من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ والهندي، ومما لا شك فيه، سيخلف صعود الهند والصين وهبوط الولايات المتحدة وتلاشي المركزية الأوروبية تأثيراً بعيد المدى في القارة الإفريقية» هذا ما قاله البروفيسور عيسى جي .شيفجي من جامعة دار السلام.

في الحقيقة، أصبحت الهند والصين في السنوات الأخيرة من أكثر الشركاء الاقتصاديين البارزين في إفريقيا، وبات حضورهما يزداد على نحو كبير، ومن دون شك ساهمتا في تغيير العلاقات الدولية لهذه القارة بطريقة دراماتيكية. وعلى الرغم من أن التأثير الشامل لارتباط الهند والصين في إفريقيا يحمل تأثيرات إيجابية على المدى القصير، وبشكل جزئي، كنتيجة ارتفاع العائدات من صادرات السلع التي دعمتها الطلبات المفرطة من البلدين، إلا أنه يوجد القليل من البحوث التي تبين تأثير العلاقة المتنامية الفعلي في التحول الاقتصادي لإفريقيا.

جاء هذا الكتاب (276 ص من القطع الكبير - دار النشر : «زيد بوكس» البريطانية - 2010) ليعاين بشكل مفصل الفرص والتحديات التي يطرحها حضور الهند والصين المتزايد في إفريقيا، ويقدم مداخلات حاسمة من حيث ضرورة وجوب الحكومات الإفريقية الالتزام بها، لكي تتفاوض مع الصين والهند من أرضية أقوى وأكثر اطلاعاً، وكي لا تتحول الفرص المتاحة لبناء آفاق من التعاون والتنمية إلى تهديد يثقل كاهل القارة الإفريقية.

في الواقع، أعادت التحولات المعقدة في العلاقات الدولية في القرن الواحد والعشرين تعريف التحديات والخيارات الاستراتيجية. وتقترح «اللحظة» الحالية في الشؤون الدولية فرصة أخرى لتغيير المكان الهامشي للقارة السمراء في القوة السياسية الاقتصادية والسياسية العالمية، وللتحول من النظام العالمي ذي القطب الواحد الذي تقوده الولايات المتحدة ما بعد الحرب الباردة إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب،حيث تغدو فيه قوى الجنوب العالمي الناشئة من اللاعبين الأساسيين. وفي هذا النظام الناشئ، تكون العديد من الدول (الصين، الهند، البرازيل، جنوب إفريقيا) على استعداد للعب دور أكبر، وبشكل خاص في وجه تراجع إجماع واشنطن، وبالأحرى سجلها المتواضع في إفريقيا، في تزويد بعض الدعم وتمكين البيئة الدولية للقارة في رسم النهج التنموي البديل.

ليس هناك من شك في دور الهند والصين الكبير في إفريقيا، ومساهمتهما في تغيير العلاقات الدولية على نحو دراماتيكي، فالغرب لم يعد يستمتع باحتكار التأثير في المستقبل التنموي الإفريقي. وتتودد هاتان القوتان الاقتصاديتان الناشئتان (الهند والصين) إلى الدول الإفريقية عبر المساعدة، والتجارة الموسعة، والاستثمار في القطاعات الاستراتيجية للاقتصادات الإفريقية لدعم السياسة الدولية، وكسب الالتحاق بالأسواق الصاعدة والحصول على المواد الخام المطلوبة بشدة من القارة. وفي الواقع، دور الصين الجديد كمستثمر رئيس وشريك تطوير في إفريقيا جذب الكثير من الانتباه بشكل خاص في المنطقة وفي أمكنة أخرى، ليس على الأقل بين الدول الغربية، التي كانت بارزة الحضور في إفريقيا منذ الأزمنة الكولونيالية. كما أن هناك العديد من الدول الصاعدة مثل : (البرازيل، كوريا الجنوبية، ماليزيا، فيتنام) إلى جانب (الهند والصين)، باتت نشيطة على نحو كبير في العديد من الدول الإفريقية، وذلك مؤشر واضح على أن علاقات الشمال - الجنوب ألغتها علاقة الجنوب - الشرق والعلاقة المثلثية آسيا - الخليج -إفريقيا، مع وجود نتائج واضحة للغاية تشير إلى تنمية إفريقيا. وعلى حد تعبير المحررين: «هذه هي الأخبار السارة الأولى لإفريقيا منذ نهاية النظام السياسي ثنائي القطب، والفناء الحديث لمفاهيم أصولية السوق اللاهوتية».

يرى المحرران أن ظهور الصين والهند كشريكين محتملين - من وجهة نظر إفريقية - جاء في الوقت الذي كانت الدول الإفريقية تكتشف فيه الأخطاء التي تخللت التنمية الإفريقية في نصف القرن المنصرم، وقاد ذلك الدول الإفريقية إلى النظر عن قرب أكثر إلى تجربة العملاقين الآسيويين، خاصة أن لهذين العملاقين تجربة في الخضوع للاستعمار، ومنذ سنوات (1970)، دفعت تجربتهما بالآمال بين الدول الإفريقية، التي تطمح يوماً ما للتخلص من عوائق الفقر والبطالة والتبعية. يؤكد المحرران أن هناك اعتقاداً واسع الانتشار بين العلماء وصناع السياسة الإفريقيين بأن الصين والهند، يمكن لهما أن يزودا خيارات استراتيجية وفضاء للدول الإفريقية، مع المنفعة الاقتصادية المتزايدة في إفريقيا.

[**الصين والهند : شريكان مفضلان*]

في الحقيقة، تعتبر التجربة الصينية والهندية في تحقيق نجاح اقتصادي كبير خلال السنوات الخمس والعشرين، والتخلص من نسبة عالية من الفقر(خاصة في الصين)، تجربة رائدة ودليلاً قوياً للدول الإفريقية التي، على النقيض من ذلك، عاشت انكماشاً في قطاعات عديدة من اقتصادها، على الرغم من تطبيق برامج إصلاح التعديل الهيكلي منذ سنوات (1980) تحت عيون البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

وفي الوقت الحاضر، تقوم الشركات الهندية والصينية بالاستثمار في العديد من قطاعات البنية التحتية التي تعرضت للإهمال على نحو كبير، سواء من بناء السدود إلى مشروعات الاتصالات والنقل الرئيسة، التي تعتبر على درجة من الأهمية في رفع سوية الإنتاج وتخفيض مستوى الفقر، ذلك أن الهند والصين تملآن الفجوات الكبيرة في البنية التحتية وتقومان بذلك بأقل التكاليف وأقل بيروقراطية في إطار زمني أقصر، وهذا بدوره ساعد في تحقيق نسب من النمو في الدول الإفريقية للمرة الأولى منذ عقود، وكانت تدعم هذه النسب الإيجابية المصادر الإفريقية التي تلبي حاجات الاقتصادين الصاعدين.

ظهرت الصين في إفريقيا كثاني أكبر شريك تجاري (بعد الولايات المتحدة)، وهي حالياً جهة الإقراض الأكبر والمستثمر الأكبر في مشروعات تنمية البنية التحتية في القارة . يرى المحرران أن هناك الكثير مما يمكن تعلمه من برامج الإصلاح الاقتصادي في الصين والهند وفيتنام خلال السنوات الثلاثين الماضية من دون استيرادها بالكامل. ويؤكدان أن ما كان مفصلياً لنجاح الاقتصادات الآسيوية هو الدور الذي لعبته الدولة في توجيه السوق، ورغبة الدولة في التدخل وتجربة السياسات «البدعية» التي من شأنها أن تنعش الاقتصاد، وتنافس في الأسواق العالمية، وتقلل من نسب الفقر، في وقت التحرك إلى اتجاه السوق الحرة.

يشير المحرران إلى الإجراءات التي قامت بها الحكومة الهندية جراء التحدي الذي تواجهه من الصين، وذلك في محاولتها تعميق الارتباط الاقتصادي مع إفريقيا، وقد قامت وزارة الخارجية بالعديد من المبادرات لدعم القطاع الخاص الهندي في محاولة لتوسيع استثماراتهم في إفريقيا، مثل برنامج «التركيز على إفريقيا» و«مشروع الشراكة الإفريقية الهندية»، اللذين أطلقا تحت رعاية بنك الهند للاستيراد والتصدير واتحاد الصناعات الهندية. كما أن العديد من المبادرات التي أطلقتها الحكومة الهندية في (2008)، تعد أولى الخطوات في تأسيس علاقة سياسية واقتصادية دائمة مع القارة الإفريقية. رغم أن الصين تسيطر في الوقت الحالي على السوق الإفريقية، ولكن على المدى الطويل ستحقق الهند فوائد مقاربة لها، ويساعدها في ذلك جاليتها المنتشرة على طول إفريقيا، وقربها من القارة بالإضافة إلى نظامها التعليمي ذي المستوى العالي وديمقراطيتها الدائمة التي تضعها على طريق المنافسة مع الصين.

ويشير المحرران إلى أن الهند والصين تلقيان ترحيباً كبيراً للغاية في إفريقيا، لأسباب لا تتعلق فقط بمسائل التمويل والاقتصاد، فقد شهدت الدول الإفريقية اختلافاً كبيراً بينهما وبين الدول الغربية، التي كانت تقدم المساعدة بيد وتستردها بيد أخرى، فضلاً عن سجل الفقر المتزايد الذي شهدته خلال فترة التعاون مع الغرب على مدى نصف قرن، بالإضافة إلى الممارسات التجارية غير المنصفة، التي ولدت الكثير من الجدل بين الإفريقيين خلال العقد الفائت، وسعت الوصول إلى أجندة تنموية إفريقية بديلة ومستقلة. أما الصين والهند فقد عاملتا إفريقيا كشريك يكسب من الفائدة ما تكسباه في مجال الاستثمار والتجارة، والأهم من ذلك تتجنب الهند والصين التعامل بلغة تقديم المساعدة، بل تتحدث بلغة التكاتف والتعاون الاقتصادي المتبادل والازدهار العام، وتعتبر هذه اللغة كموسيقا عذبة على آذان النخبة والقادة الإفريقيين، الذي شعروا بالإرهاق من الأبوة الغربية. ورغم ذلك تظهر هناك مخاوف من أن ازدياد نفوذ العملاقين الآسيويين في إفريقيا، خاصة في مجال الطاقة والمعادن، الذي من شأنه أن يشكل خطراً حقيقياً في المستقبل، من المحتمل أن يتطور إلى استعمار جديد في النصف القادم من القرن الحالي.

[**العملاقان الآسيويان*]

في القسم الأول من الكتاب بعنوان «الصورة الكبيرة : الهند والصين كعملاقين صاعدين» يقسمه المحرران إلى ثلاثة فصول: 1- الصين والهند و(الجنوب) إفريقيا : ما شكل العلاقات الدولية في العقد الثاني من القرن العشرين بقلم (تيموثي إم .شاو) 2- القواعد الاستراتيجية الجنوبية - الجنوبية لإفريقيا في الارتباط مع الصين بقلم (دوت كيت). 3- العلاقة الهندية - الإفريقية : في ظل الصين بقلم (سانوشا نيدو).

يذهب الفصل الأول إلى ما وراء الاقتصادات سريعة النمو، وإلى نقاش نوعي حول الصين والهند بعض الشيء، بالإضافة إلى تعريف دول وقطاعات وشركات محددة ومجتمعات مدنية ممن تلعب دوراً مركزياً في العلاقات عبر القارات. يحاول أن يعرف المحفزات والدوافع الموجودة في العلاقات الناشئة عبر القارات، ويقيم نتائجها لتحقيق التنمية في إفريقيا. ويقول المحرران: «ربما أخيراً يعلن العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين النهضة الإفريقية المتأخرة».

نجد أن الفصل يشير إلى أن هناك أربعة مواضيع متداخلة ومتشابكة :

[**الأول :*] يذهب إلى ما وراء التوصيفات غير النقدية للتبادل الاقتصادي الصيني - الهندي التي تشرف على اختلافات لا تعد ولا تحصى، وتتجاهل الأبعاد الأمنية والتنموية وحقوق الإنسان.

[**الثاني :*] ربما تشكل «الصين» تحدياً للجدل المتصاعد حول ما إذا كانت العلاقات الدولية -الإفريقية مختلفة، لأنها أقل رسمية من أي مكان آخر، ذلك أن العلاقات عبر الحدود على القارة كانت على نحو كبير غير حكومية وغير رسمية، وبعض الأحيان غير قانونية.

[**الثالث :*] من ناحية الاختلافات بين وداخل (البرازيل، روسيا، الهند، الصين)، يسعى هذا الفصل بشكل جزئي إلى تصفيف الأدبيات والمحادثات على العلاقة الدولية الإفريقية مع (البرازيل، روسيا، الهند، الصين)، وخاصة الصين، بالنظر إلى مركزيتها الوجودية ونقدها الرسمي، الذي يتضمن إقصاء المنظمات غير الحكومية.

[**الرابع :*] ربما يسهم هذا الفصل بتقديم رؤى غير متوقعة في العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي الدولي والدراسات التنموية والاقليميات والدراسات التجارية التي تذهب إلى ما وراء النقاشات في القرن الجديد.

ويشير المحرران إلى أن الأرض المتحركة للقوة الاقتصادية العالمية من أوربا وأمريكا إلى آسيا مع ارتفاع أسي للهند والصين وتشكيلات متعددة الأضلاع مثل (البرازيل، روسيا، الهند، الصين) و(الهند، البرازيل، جنوب إفريقيا) تقدم التحديات والفرص للقارة الإفريقية في الوقت ذاته.

[**الهند : وافد قديم على إفريقيا*]

يكشف الفصل الثالث من القسم الأول الأثر الإفريقي المتنامي عند الهند والأسباب الكامنة وراء ذلك، بشكل خاص المدى الذي تشكله إفريقيا في طموحات الهند العالمية. وعما إذا كان أثر الهند في القارة يماثل أثر الصين ودورها في إفريقيا. وبالقدر الذي تدحض فيه المفاهيم السياسية الرسمية في نيودلهي وبكين مثل هذه الادعاءات، فإنها تناقش أن ارتباطاتهم الخاصة في إفريقيا تقودها عوامل مستقلة منحازة إلى المصالح العامة، ومن الصعب تجاهل التشابه الذي يدعم استراتيجيات إفريقيا. وهذا يمكن إيجاده في طلبهم المتزايد لفرص الاستثمار والتجارة والمصادر الأمنية، وتشكيل مصادر الشراكات الاستراتيجية، ومؤتمر باندونغ (1955) والتناسق الجنوبي - الجنوبي والتكاتف الإفريقي - الآسيوي.

ويبين المحرران أنه لا بد من التوضيح أن الهند ليست وافداً جديداً على القارة الإفريقية. بل على النقيض من ذلك، تتمتع الهند وإفريقيا بعلاقة تاريخية طويلة المدى. حيث أظهرت الاتصالات والتجارة بين الجانبين أنها تمتد إلى ما قبل الاستعمار البريطاني. وما بعد الاستقلال، رأت الهند دورها في النظام العالمي في الدفاع عن الصراعات المناهضة للاستعمار والعنصرية. حيث لعبت دوراً حاسماً في مؤتمر باندونغ (1955)، الذي قاد إلى ظهور حركة عدم الانحياز واستخدمت المناسبة لتعزيز وتقوية التكاتف الإفريقي - الآسيوي، فقد عقد المؤتمر في مدينة باندونغ الإندونيسية عام (1955) وشارك فيه الرئيس عبد الناصر بالإضافة إلى رئيس وزراء الهند جواهر لال نهرو، تبنى المؤتمر مجموعة من القرارات جاءت في دعم القضايا العربية والإفريقية. كما أنه خلال فترة الحرب الباردة شملت العلاقات التكاتف السياسي المتعمق، وكان على إفريقيا حينها - بحسب رؤية رئيس الوزراء نهرو - الاضطلاع بدور في تشكيل نظام عالمي عادل. ومع دفع الهند الدول الإفريقية نحو الاستقلال من الهيمنة الاستعمارية، أصبحت في تحالف استراتيجي في الحرب الباردة، وكان دعمها في ذلك هو فرضية أن الهنود الشتات في إفريقيا سيشكلون عاملاً مهماً، ورغم ذلك بقي دور الهند في القارة الإفريقية هامشياً. أما ارتباط الهند مع إفريقيا فقد حفز في المجادلات العنيفة في الحرب الباردة والصراعات الحدودية مع الصين في عام (1962). وكانت الاستجابات الإفريقية نحو الصراع في حالة تردد، وأدركت نيودلهي أنها لا تملك حليفاً قوياً في إفريقيا، ولذلك عملت على نحو نشيط على مناهضة الاختراق الصيني في إفريقيا . وهذا أدى بدوره إلى انطلاق «التعاون الاقتصادي والتقني الهندي» نتيجة اللقاءات في عام (1963)، وذلك لتحسين التعاون التقني والاقتصادي مع إفريقيا، ولا يزال حتى اليوم مكوناً متماسكاً في مبادرة الهند التنموية لإفريقيا.

وفي الوقت الذي كانت الصين تعاني من مجادلات الحرب الباردة مع موسكو، ظهر موقف الهند على أنه أكثر صمتاً، وقاد إلى ارتباطات انتقائية مع القارة خلال سنوات (1970) (1980). ومع نهاية الحرب الباردة، كان يجب على السياسة الهندية الخارجية ضرورة إعادة تسليط الضوء عليها وتشكيلها للأخذ في الحسبان الاندفاع الجديد في الساحة العالمية.

ويشير المحرران بالمقابل إلى أن هناك عوامل معينة تحفز علاقات الصين المعاصرة مع إفريقيا وهي : المصادر الأمنية، والحاجة إلى فرص استثمار وأسواق جديدة، والدبلوماسية الرمزية، والمساعدة التنموية، وصياغة الشراكات الاستراتيجية.

[**وجهة نظر تاريخية*]

في القسم الثاني من الكتاب بعنوان «علاقات الصين والهند مع إفريقيا : وجهة نظر تاريخية» وهو مقسم إلى ثلاثة أقسام تكمل ما قبلها : 4- تعاون الصين مع إفريقيا في مشروعات التنمية : وجهات نظر ثقافية وتاريخية، بقلم (ليو هيفانغ). 5- الارتباط مع إفريقيا : مصالح الهند في القارة الإفريقية، الماضي والحاضر، بقلم (سانجوكتا بانيرجي بهاتاجاريا). 6- تعاون الهند مع إفريقيا في مجالات التنمية، بقلم (براناي كومار سينها).

يسعى الفصل الرابع إلى تحفيز البحث على أهداف ومواضيع تعاون الصين مع إفريقيا في مشروعات التنمية، وذلك باستخدام وجهات النظر الثقافية والتاريخية، ليبين أكثر كيف أن الفرضيات الأساسية وممارسات السياسة الخارجية الصينية نحو إفريقيا تغيرت على مر السنين. في الحقيقة، كانت الصين تحاول تأسيس علاقاتها السياسية وتقديم دعمها لإفريقيا وبقية العالم النامي. وكان هدفها على صعيد التعاون التنموي هو تقديم الدعم التقني والدبلوماسي للمضطهدين في الجنوب، ممن يكافحون ضد الإمبريالية، وتحقيق المنافع العامة في تجاوز الفقر والبطالة. بالإضافة إلى أن توجه الصين إلى توسيع علاقاتها مع إفريقيا في سنوات الستينات من القرن المنصرم كان من أجل الحصول على الاعتراف والدعم السياسي من قبل الدول الإفريقية لمصلحتها في الأمم المتحدة فيما يتعلق بنزاعها مع تايوان، التي كانت بكين تعتبرها إحدى مقاطعات الصين. وفي الوقت الذي احتضنت فيه الصين إيديولوجية العولمة والإصلاح الاقتصادي من سنوات الثمانينات في القرن المنصرم، أصبحت سياستها الخارجية موجهة بالعوامل الاقتصادية أكثر من الإيديولوجية، بالإضافة إلى خطاب التكاتف وعدم التدخل والمنفعة المتبادلة التي لا تزال سائدة. ويشير المحرران إلى أنه في الحقيقة بدأت الصين بتقديم مساعدتها إلى إفريقيا مع بداية برامج المساعدة الغربية في سنوات الخمسينات من القرن المنصرم، وبالتحديد بعد انعقاد مؤتمر باندونغ وكانت للصين خمسة مبادئ توجيهية أطلقها رئيس وزراء الصين الأول زهو إينلاي خلال المفاوضات الهندية-الصينية، فقد كانت تلك المبادئ بمثابة كلمة سحرية أو تعويذة توجه العلاقات الصينية-الإفريقية وتضمنت تلك المبادئ : 1- الاحترام المتبادل للسيادة والتلاحم الإقليمي. 2- اتباع سياسة عدم الاعتداء من الطرفين. 3- عدم التدخل في الشؤون الداخلية لبعضهما بعضاً. 4-المنفعة المتبادلة وتحقيق المساواة. 5- التعايش السلمي. وفيما بعد، في عام (1964)، أطلق زهو إينلاي ثمانية مبادئ توجيهية أخرى بعد زيارته لأربع عشرة دولة إفريقية، وكانت «المبادئ الثمانية للمساعدة التقنية والاقتصادية» وكانت تؤكد : لا بد للمساعدة الصينية التقنية أن تبني القدرات المحلية، ولابد أن يكون للخبراء الصينيين نفس مستوى معيشة الخبراء المحليين، ولابد للتعاون الاقتصادي أن يعزز الاعتماد على الذات وليس التبعية، ولا بد أن يكون هناك احترام لسيادة الدول المستقبلة، وألا يكون هناك فرض أي شروط اقتصادية أو سياسية على حكوماتهم المستقبلة. وقد مرت هذه السياسات بصعوبات في الفترات اللاحقة خاصة في فترة الثورة الثقافية في (1964)، التي استغلتها تايوان بنجاح، لكن قيامها بالإصلاحات الاقتصادية تحت إشراف صندوق النقد الدولي مهد أمامها الطريق أكثر.

[**الدبلوماسية الثقافية الصينية*]

كانت السياسة الثقافية الخارجية للحكومة الصينية هي اتخاذ أصدقاء أولاً، ثم تعزيز الفهم، وأخيراً إنشاء العلاقات الرسمية على نحو طبيعي. حتى إنه في مؤتمر باندونغ (1955)، ظهرت الحاجة إلى التعاون والتنسيق على الصعيد التنموي والثقافي بين الدول الآسيوية والإفريقية، وذلك للتخلص من إرث الإمبريالية والكولونيالية. وفي الحقيقة، مهدت هذه المبادرات الثقافية الأرضية لتأسيس العلاقات الرسمية بين الصين وعدد متزايد من الدول الإفريقية الحاصلة على استقلالها. وأتت هذه العلاقات الثقافية أكلها في السنوات اللاحقة على الصعيد الاقتصادي، وذلك من خلال برامج معينة مثل : «تدريب الموارد البشرية» حيث دربت الصين عشرات الآلاف من الإفريقيين في مختلف القطاعات، وبرنامج : «تأسيس معاهد كونفوشيوس الإفريقية» وكانت الغاية ترويج الصينية كلغة أجنبية وتحقيق التبادل الثقافي والتعاون في التعليم والثقافة والاقتصاد، «تنظيم الندوات والمنتديات» : حيث كان يحضرها كبار العلماء والفنانون والمثقفون من الجانب الصيني والإفريقي، و«مشروع التطوع الوطني» : وذلك لتفعيل دور الشباب الصيني للمشاركة في العديد من القطاعات مثل: التعليم والزراعة والطب والعمران، و«برنامج السياسة الخارجية البلدية والمدن الشقيقة»، وكان لتشكيل أرضية مناسبة في دعم الدور الاقتصادي الصيني في البلدان الإفريقية، و«برنامج الزائر الثقافي الإفريقي» كان بمبادرة من وزارة الثقافة الصينية أطلق في (2006)، لتعزيز التفاهم والتبادل والتنسيق بين الثقافات الإفريقية والصينية.

يشير المحرران إلى أن هناك بعض العلماء الغربيين وصفوا الدبلوماسية الثقافية الصينية بأنها «هجوم سحري»، في حين فضل العلماء الصينيون تعريفها بـ «القوة الناعمة» مع خلفية ثقافية تقليدية قوية. كما يجدان أن الدبلوماسية الثقافية التقليدية قد تطورت وفتحت العديد من قنوات التعاون والتواصل المختلفة، التي من شأنها أن دعمت الروابط السياسية والاقتصادية مع القارة الإفريقية، ونتيجة هذا الشيء، كانت الاستفادة المتبادلة على الصعيد الصيني والإفريقي سياسياً واقتصادياً، ومن الواضح أن التعاون الثقافي قد تجاوز كل الأشكال الأخرى من التعاون الدولي . يؤكد المحرران أن نقطة الارتكاز الأساسية ليست المساعدة بل التنمية، ذلك أن حصان التنمية لا بد أن يوضع قبل عربة المساعدة، وفي الحقيقة، نجح الصينيون في تقييم هذا وتطبيقه، وهذا ما يجعل الدور الصيني متنامياً وفعالاً على جميع الصُعُد يوماً تلو الآخر.

ولد موهنداس كرمشاند غاندي (1869-1948) في بوربند في ولاية غوجارت الهندية، كان سليل عائلة عريقة في السياسة، درس القانون في بريطانيا في بدايات سنوات (1882)، وظهر بعيداً عن مهنته في المحاماة لأول مرة، عندما لجأ إلى استخدام العصيان المدني في إفريقيا، وبالتحديد في دولة جنوب إفريقيا في بداية القرن العشرين في وجه الإمبريالية، حيث طالب بإحلال المساواة والعدالة في إفريقيا، ثم امتدّ نشاطه إلى الهند في السنوات اللاحقة . وقال غاندي حينها: «إن التجارة المتبادلة بين الهند وإفريقيا ستكون على صعيد الأفكار والخدمات، ولن تكون مقتصرة على البضائع المصنّعة مقابل المواد الخام على نمط المستغلين الغربيين». ويشير المحرران إلى أنه اليوم في القرن الحادي والعشرين هناك تطوّر مفاجئ في الحكاية : حيث انتقلت العلاقات الهندية - الإفريقية إلى ما وراء تلك المبنية فقط على صعيد «الأفكار والخدمات» إلى علاقة أكثر براغماتيكية تتضمّن المصالح الأمنية والسياسية والاقتصادية في تقارب مع واستجابة لاحتياجات إفريقيا التنموية. كما يجدان أنه اليوم، لا تزوّد الهند بنموذج حيوي فقط من التنمية الاقتصادية يقدره العالم النامي، بل إنه أيضاً نموذج ديمقراطي برّاق من التنمية المستدامة والاندماج، وكان ذلك نادراً في أغلب الدول ما بعد الكولونيالية. ويشير المحرران إلى أنه بعد مئة وثماني سنوات من غاندي، يقوم رئيس الوزراء الهندي مانموهان سينغه (السابق) بالحديث في قمة المنتدى الإفريقي - الهندي الأول في إبريل/نيسان (2008)، حيث أسهب بحديثه على موضوع العلاقات الهندية-الإفريقية المتنامية والمتعددة الأوجه. فقد لاحظ أن هذا كان «فصلاً جديداً في التاريخ الطويل للاتصالات الحضارية والصداقة والتعاون بين الهند وإفريقيا»، وكان الهدف «الاستقرار الاقتصادي، والسلام، والاعتماد الذاتي»، حتى إنه ذهب في أبعد من ذلك في الإفصاح عن رغبته في رؤية القرن الحادي والعشرين كـ «قرن آسيا وإفريقيا مع تضافر جهود شعوب القارتين لأجل تعزيز العولمة الشاملة».

نجد أن الفصل الخامس من القسم يعاين طبيعة العلاقات الهندية - الأمريكية في الماضي، بشكل خاص في الفترة (1950 - 1999)، كما يحلل شروط الهند في الاندماج مع إفريقيا من سنوات (1990)، بالتركيز على الجوانب الأمنية والسياسية والاقتصادية، وفي النهاية يقيّم التحديات التي تواجه الهند في هذه المبادرة.

[**الهند : من المثالية إلى البراغماتية*]

يشير المحرران إلى أنه في العقود الأربعة والنصف الأولى من ارتباط الهند مع إفريقيا على نحو مستقل كان كل شيء مبنياً على المبادئ الإيديولوجية والمثالية وكانت سياسية بشكل رئيسي. عقب الحرب الباردة ومع تقديم برنامج التحرير الاقتصادي الهندي أوائل سنوات التسعينات من القرن الفائت، انتقلت السياسة الخارجية الهندية من مثالية غاندي وعدم انحياز نهرو إلى اتباع سياسة أكثر براغماتية في جذب الاستثمار وتوسيع الاستثمار والتجارة مع الدول الإفريقية. وبالنسبة للهند فهي بشكل خاص مهتمة بالحصول على إمدادات ضخمة من الطاقة الحيوية والمواد الخام من إفريقيا، لكي تدعم اقتصادها الصاعد وتقلل من نسبة الفقر، وفي الحقيقة، تعتبر الهند اليوم من القوى الاقتصادية الصاعدة التي تملك إمكانات هائلة متعددة، وهي من دول «بريك»، وهو مصطلح استخدمته مجموعة «غولدمان ساكس» في (2001) للإشارة على نحو مختصر إلى الدول الأربع التي تنمو اقتصاداتها بسرعة عالية، وهي (البرازيل، روسيا، الهند، والصين) وهي كلمة مؤلفة من الحرف الأول لكل من الدول المذكورة باللغة الإنجليزية . وحسب ما يشير المحرران: «قدّر إنتاج الهند المحلي في (2008) وفقاً لمؤشر القوى الشرائية 3.267 تريليون دولار، واستقر تبادلها العملات واحتياطات الذهب نهاية ديسمبر/كانون الأول على 2.274 مليار دولار.

في الواقع، تملك الهند قدرة مالية على الاستثمار في بلدان أخرى، كما تملك قطاعاً خاصاً حيوياً، فشركات مثل : «تاتا غروب»، و«رانباكسي» و«ريلاينس غروب» و«بيرلا غروب» و«كيرلوسكار» أصبحت شركات عالمية بمجهودها الذاتي. كما أن الشركات الهندية مثل «إنفوسيس» مدرجة على قائمة بورصة نيويورك، وهذا يشير إلى الإرادة المتصاعدة للشركات الهندية المتعددة الجنسيات في الاقتصاد العالمي، وتتركز قوة الهند الرئيسة في قطاع الخدمات، فهي تعتبر ثاني أكبر مصدّر للخدمات المعلوماتية والكمبيوترات على مستوى العالم بعد الاتحاد الأوربي. وفي الوقت نفسه، تطورت الهند في مهارات التصنيع إضافة إلى قطاعات أخرى، ضمنها الطاقة (التقليدية إضافة إلى البديلة)، والتعدين والزراعة. وهذا يعني أن ارتباطات الهند الاقتصادية باتت مختلفة على المستوى العالمي عما كانت عليه في فترة الحرب الباردة. ويرى المحرران أن العلاقات السياسية الهندية أصبحت تتطور على أساس العلاقات الاقتصادية الثنائية والمتعددة، كما أن الهند باتت تحرص على إقامة علاقات التعاون على المستويات كافة مع الدول المتقدمة والنامية في السعي للحفاظ على أهدافها الأمنية. ويريان أنه من الضروري للهند في بحثها عن نمو اقتصادي أن تسعى لحلفاء ودول شريكة تبحث عن مساعدات تنموية وتستثمر في بلدان وقطاعات بحيث يتم إرضاء احتياجاتها الأمنية المتعددة. وبالنسبة للقارة الإفريقية، فإنها تشكل مصدراً مهماً للهند في تلبية احتياجاتها، إضافة إلى أن الهند تملك الخبرة في العديد من القطاعات التي تسعى إليها إفريقيا، من شأنها أن تسهم في تخفيف الفقر بتكاليف أقل، وهي تساعد على تنمية الدول الإفريقية، وتجرها إلى سفينة الاقتصاد العالمي من دون اتباع أساليب استغلالية معها.

[**الصين والهند : التنافس والتعايش*]

تواجه الصين العديد من العوامل المحددة، على الصعيدين الداخلي والخارجي، في مسعاها للتعاون المتعدد الجوانب والثنائي الجانب مع البلدان الإفريقية، ومن وجهة نظر محلية، في الوقت الذي تكون إفريقيا محط تركيز السياسة الخارجية الهندية، إلا أنها ليست التركيز الرئيسي، ولا يمكن توقع أن تكون، وذلك بالنظر إلى التعاون الأمني والاقتصادي الصاعد مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي والدول في الجوار الآسيوي. في الواقع، معظم الاستثمارات الهندية تأتي من الغرب، ومعظم الصادرات الغربية موجهة إلى الغرب، بالتالي تصبح هناك مناطق أخرى مهمة اقتصادياً، تعتمد على التجارة وعلى مستوى التطوير في إنتاج البضائع الصناعية. في الحقيقة، تتطور التجارة مع الدول الإفريقية، لكن لا يزال هناك طريق طويل لتحقيق أكثر من ذلك. بقدر ما تحظى العلاقات السياسية بعناية، فإن الدول الغربية المتقدمة، بشكل خاص الولايات المتحدة، لا تزال في مركز أولويات السياسة الخارجية الهندية. وفي الحقيقة، التحديات الرئيسة في الساحة الخارجية أمام الهند هي الصين والولايات المتحدة، فتجارة الصين الثنائية مع إفريقيا أكثر من تجارة الهند بما يقارب 70 مليار دولار، واستثمرت 6 .5 مليار دولار أكثر من الهند في القارة، ووقعت اتفاقيات ناجحة مع العديد من الدول الإفريقية. وكان طلبها للنفط والمعادن عاملاً رئيساً في نمو التجارة الصينية -الإفريقية. ذهبت الصين من كونها مصدّر النفط المكرّر إلى مستورد النفط المكرّر في سنوات التسعينات من القرن الفائت (تستورد حالياً ما يقارب 21 .4 مليون برميل في اليوم)، إضافة إلى ذلك تتنافس مع الهند في العديد من القطاعات منها السيارات، ولها الريادة في قطاع التصنيع في إفريقيا.

لدى الصين حضور هائل في إفريقيا، فلها ما يقارب (900) مشروع، و(800) شركة عاملة في بلدان مختلفة، كما أنها أرسلت ما يقارب 16 ألفاً من الطواقم الطبية إلى إفريقيا، وعرضت (20) ألف منحة دراسية للطلاب الإفريقيين، ودرّبت عدداً كبيراً من المهنيين الإفريقيين. على الرغم من أن الهند أصبحت عضواً إقليمياً في بنك التنمية الإفريقي قبل الصين بسنتين في (1982). وتحمل الصين الآن أسهماً أكثر في البنك، ولديها قوة تصويت أكبر، حتى إن مجلس إدارة البنك، عندما قرر عقد اجتماعه الأول في مدينة آسيوية، اختار شنغهاي بدلاً من مومباي.

يشير المحرران إلى أن الشركات الهندية العاملة أكثر قبولاً في الاستثمارات من الصينية بالنسبة للسكان المحليين، لما تقوم به من دور في إشغالهم وتدريبهم، علاوة على ذلك، فالصين تحصل على فائدة كبيرة، لأن الحكومة الصينية هي المالك الرئيسي لأغلب الشركات، بينما أغلب المشاريع الهندية في إفريقيا تديرها شركات خاصة، ورأسمالها قليل بالمقارنة مع الشركات الصينية التي تملكها الدولة، وهناك الكثير من الأسئلة التي تدور حول علاقات الصين مع بعض الدول الإفريقية، تتعلق بالأسلحة وانتهاكات حقوق الإنسان والعمالة الرخيصة، ولكن ما يجب النظر إليه، هو أن الصفقات السياسية والتجارية الصينية في بعض الأحيان تشكّل تحدياً لعلاقات الهند مع إفريقيا.

[**تحديات أمام الهند*]

تواجه الهند تنافساً شديداً من الولايات المتحدة، وذلك عندما يأتي الأمر إلى استخدام النفوذ في إفريقيا، حتى إنه خلال عهد الأبارتهايد، كان لتعاون الولايات المتحدة التجاري مع جنوب إفريقيا دور في الوقوف في وجه الجهود دول العالم النامي لعزل جنوب إفريقيا من الناحية الاقتصادية في سنوات الثمانينات من القرن الفائت، وبعد فرض العقوبات الأمريكية الاقتصادية في (1986) على جنوب إفريقيا ازداد الحضور الأمريكي في السنوات الأخيرة على نحو ملحوظ، وهي تعد شريكاً رئيساً في الصادرات للعديد من الدول الإفريقية، حتى إنها تجاوزت فرنسا في بعض الدول الفرانكفونية. ومن الناحية الأمنية، أسست الولايات المتحدة القيادة الاستراتيجية الإفريقية (أفريكوم) في أكتوبر/تشرين الأول (2007). وما بين (1997 و2007) دربت الولايات المتحدة كتائب في العديد من الدول الإفريقية مثل : السنغال، أوغندا، مالاوي، مالي، غانا، بنين، ساحل العاج، هذا عدا برامج تدريب في الحرب النفسية، وبعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول في أمريكا، زادت إدارة بوش من الاستثمار العسكري في إفريقيا، وقامت بالعديد من البرامج التدريبية العسكرية في المناورات الدفاعية والهجومية، وتم صرف الملايين من الدولارات على ذلك. وفي الحقيقة، لا تشكل الولايات المتحدة تحدياً للهند بالمعنى المباشر للكلمة، بل ارتباطها مع إفريقيا يجب أن يؤخذ بالاعتبار حسب ما يبين المحرران.

بعيداً عن هذه التحديات المحتملة، تواجه الهند بعض القضايا الإشكالية في إفريقيا، ذلك أن هناك تاريخاً طويلاً في الاضطراب العمالي بين الهنود بالعرق والإفريقيين الأصليين، خاصة في دول غربي إفريقيا مثل كينيا وأوغندا، حيث استقر الهنود فيها قبل أكثر من قرن من الزمان. كما ظهرت مناطق جديدة مع ازدياد الوجود الهندي، فعلى سبيل المثل، تم اختطاف العديد من العمال الهنود في نيجيريا بسبب الخلاف على دفع الأجور في أكتوبر/تشرين الأول 2007، كما أن للهند ارتباطات مع الدول التي تنتهك حقوق الإنسان، وهي العلاقات نفسها التي تربط الصين بهم. فقد أخذت شركة بترول الهند الدولية 25% من مشروع نفط النيل الكبير، على الرغم من الصراع المستمر في دارفور في السودان، التي اتهمت فيها الحكومة بارتكاب حالات قتل تشبه الإبادة الجماعية. كما أن تجارة الهند مع زيمبابوي وصلت إلى 40 مليون دولار في عام (2006)، حيث يحكم زيمبابوي نظام موغابي الشمولي وغير الديمقراطي، الذي لقيت ممارساته استنكاراً دولياً.

يؤكّد المحرران أن المصلحة الوطنية الهندية لابد أن توضع فوق كل الاعتبارات، على الرغم من متطلبات الطاقة والأمن الغذائي، وعليها ألا تلطّخ سجل التعاون الاقتصادي لأجل المنفعة المتبادلة مع الدول الإفريقية والشراكة المستمرة على المدى الطويل. ويشيران إلى أن خطوات واسعة اتخذت في إعادة ارتباط الهند مع إفريقيا، ليس فقط في القطاع الاقتصادي، بل على المستويين السياسي والأمني، فقد مضت الهند في طريق بعيد عن تصور مهاتما غاندي في «تجارة الأفكار» مع إفريقيا.

في الحقيقة، التفاعلات الهندية - الإفريقية اليوم حيوية وتشمل التعاون على الصعيد الأمني والعلمي والثقافي والدبلوماسي والاقتصادي والسياسي، وهناك آمال عظيمة بفتح آفاق جديدة وبناء صداقات بين الهند وإفريقيا، وبين الهنود والإفريقيين أنفسهم كشعوب.

[**الصعود المفاجئ*]

يتناول المحرران القسم الثالث من الكتاب بعنوان «نمو الصين والهند المفاجئ في إفريقيا» في أربعة فصول (7-8-9-10)، يركز الفصل السابع بعنوان «نمو الصين والهند الفجائي : نتائج الصادرات المصنعة الإفريقية» بقلم (أليمايهو غيدا وأتنافو ج .ميسكل) على تحديد التأثير الممكن للصين والهند في إفريقيا، وإذا ما كان النمو الاقتصادي لهاتين الدولتين يشكّل تهديداً على إفريقيا أم أنه يشكّل فرصة لنمو اقتصاداتها. ويركز في الفصل الثامن بعنوان «الاستثمار الصيني في شبكة الصناعات الإفريقية : دراسات من جمهورية كونغو الديمقراطية وكينيا»، بقلم : (بيتر درابير، تسيديسو ديسينيانا، غيلبيرتو بياكونا) على الاستثمارات الصينية في إفريقيا : الاتصالات في جمهورية الكونغو الديمقراطية والطاقة الشمسية في كينيا، وكلاهما يمثل قطاع الخدمات المهم والحاسم في تشغيل الاقتصادات الحديثة، والتي ترتبط بشكل كبير مع أولويات التنمية الملحّة في إفريقيا، ويوضّح أن دفعة الاستثمار الخارجي في الصين، على الرغم من أنها تنمو بقوة، إلا أنها ستبقى محدودة بشكل نسبي على مدى المستقبل المنظور، ويأتي استثمارها الخارجي في بعض القطاعات في مصلحة إفريقيا، وهذا يشير إلى أنّ الدول الإفريقية تصبح أكثر استراتيجية، وتستخدم هذه الفرصة لبناء القدرات الإنتاجية المحلية. أما الفصل التاسع بعنوان : «دور القطاع الخاص في الصحة والقطاعات الزراعية في إفريقيا» بقلم (رينو مودي) يعاين العلاقة بين الدولة الهندية ومؤسسات القطاع الخاص تحت إدارة اتحاد الصناعات الهندية . وفي الفصل العاشر بعنوان : «توجيه شبكات النسيج الصينية: التاجرات في أكرا ولومي» بقلم (لين أكسيلسون ونينا سيلفانوس)، يبدأ بتقديم سياق تاريخي في فهم استراتيجيات نساء توغو وغانا ودورهنّ في التجارة الجديدة المرتبطة مع البضائع الصينية، وإلى مسار الدولة ما بعد الكولونيالية والعلاقة المتغيرة والمتصارعة مع التاجرات، وخطط فصل الديناميكيات الاقتصادية والسياسية والتاريخية المتشابكة، التي ساهمت في دخول هذه البضائع الصينية في هذه الأسواق. ويوضح الفصل كيف أن التاجرات يجدن طرقاً إما للبقاء مخلصات لإرثهن التاريخي أو يتحدين الإرث نفسه بالانغماس في التجارة مع الصين.

[**الصين وإفريقيا نحو علاقة أمنية جديدة*]

يحتوي القسم الرابع من الكتاب بعنوان «رابطة التنمية - الصراع : توازن متقلّب!» على ثلاثة فصول (11-12-13) وسنتناول هنا الفصل الحادي عشر بعنوان «الصين وإفريقيا : نحو علاقة أمنية جديدة» بقلم (كويس أنينغ). يعاين الفصل سياسة الصين الأمنية في ما يتعلق بإفريقيا بشكل عام والاتحاد الإفريقي بشكل خاص، وتأسست منظمة الاتحاد الإفريقي في (2002) خلفاً لمنظمة الوحدة الإفريقية، تضم اثنتين وخمسين دولة إفريقية، اجتماعها نصف سنوي، ومقر الأمانة العامة في أديس أبابا في إثيوبيا، وتهدف إلى زيادة الاندماج السياسي والاقتصادي والاجتماعي في إفريقيا، كما تعمل على دعم وتعزيز مواقف إفريقيا تجاه القضايا التي تخص الأمن والسلام، وتساند الديمقراطية وحقوق الإنسان. يعاين الفصل على نحو خاص أكثر مبادرات الصين في المساهمة في حل أو تدهور الأزمة في السودان. علاوة على أنّ علاقة الاتحاد الإفريقي مع الصين تم إخضاعها للاختبار، خاصة في ما يرتبط بناشطي حفظ السلام الصينيين في القارة. وحسب المحررين، فإن التحليل وضع ضمن سياق التفاعل بين التدخل غير السياسي والأمني، والذي تبع بمحاولة لشرح نجاح الصين في إفريقيا.

يرى المحرران أن ارتباط الصين مع إفريقيا يعكس ديناميكيات قوة جديدة في الاقتصاد العالمي، لكن رغم ذلك يثير هذا الارتباط سؤالاً حاسماً : «إلى أي مدى يكون وجود الصين في إفريقيا مختلفاً أو أكثر في الوقت نفسه؟ وإلى أي مدى تفيد هذه العلاقات الدولية الجديدة إفريقيا على الصعيد الاقتصادي في الوقت الذي تزداد فيه أيضاً تدخّل العلاقات الدولية الإفريقية في القضايا الأمنية؟».

في النهاية يبين المحرران أنه ما من شك في أن الدول الإفريقية تنظر إلى الصين كدولة صديقة بسبب تاريخها ومنهجها، حيث لا تحمل ذلك العبء الثقيل الذي تحمله القوى الأخرى، وبشكل أدق بسبب دعمها في الفترات الأولى لحركات التحرير في إفريقيا. علاوة على ذلك، هناك اعتراف بحقيقة أن السياسة الخارجية الصينية، تبذل جهداً كبيراً لاحترام الإفريقيين كشركاء، ولذا، هذا النوع من العلاقة يقدّم نوافذ الفرص ضمن وعبر الإطار الذي يمكن للدول الإفريقية أيضاً أن تعيد النظر في نفسها في ما يتعلق بالارتباط مع المسائل الأمنية.

ويؤكّدان أنه من السابق لأوانه مناقشة التأثيرات الدائمة لارتباطات إفريقيا الجديدة مع الصين والشكل الذي ستبدو عليه، لكن من دون شك، بناء على ما سبق، فالارتباط المتين مع منظمة الاتحاد الإفريقي يدفع الشركاء التقليديين لها، خاصة الاتحاد الأوربي، للارتباط على نحو أكثر.

في الحقيقة، وضع النزاع المستمر في دارفور في السودان والارتباط الصيني المتنامي على الصعيد الاقتصادي هناك، وبشكل خاص في حقل الطاقة، سياسة الصين مع إفريقيا تحت دائرة الضوء، ذلك أن الصين والسودان، تسود بينهما علاقات صداقة متينة، وتربطهما علاقات اقتصادية وسياسية وطيدة، وقد كان المجتمع الدولي يعقد الكثير من الآمال على دور الصين في التأثير في الحكومة السودانية في هذه المسألة الحساسة. وفي الواقع، وضع الجدل الدولي حول دارفور سياسة الصين الخارجية الطويلة الأمد في «عدم التدخل» على حالة الصدام مع المبدأ الدولي الجديد في «مسؤولية الحماية» والحملات التي تقودها الدول الغربية وبعض المنظمات غير الحكومية لفرض «نظام العقوبات» على حكومة السودان. وفي الفصل الثاني عشر من القسم الرابع في الكتاب بعنوان «قضية دارفور : اختبار جديد لسياسة الصين مع إفريقيا» يناقش الفصل في أنه طالما أن الحكومة الصينية معنية، فإن مبدأ «عدم التدخل» يجب ألا يفسّر كعدم حماسة من ناحية الصين للاضطلاع بـ «مسؤولية الحماية». في السنوات الأخيرة، أظهرت سياسة الصين في التعامل مع دارفور مرونة أكثر فأكثر، وتخضع سياسة «عدم التدخل» نفسها لتغييرات أيضاً. وبحكم التعقيد الذي تتسم به قضية دارفور وعلاقات الشمال والجنوب المتقلّبة في السودان، فإن «منهج الارتباط» الذي تبنته الصين ودفعته إلى الأمام، على قدر من الفعالية على نحو أكثر من «مبادرة العقوبات» التأديبية، التي دفعها الغرب لجلب الاستقرار والسلام إلى السودان. أما بالنسبة إلى مبدأ «عدم التدخل» فهو أحد المبادئ الخمسة للتعايش السلمي الذي يوجه السياسة الخارجية الصينية منذ انعقاد مؤتمر باندونغ في إندونيسيا (1955). وفي الوقت الذي تتوجّه فيه الصين إلى نظام مبنيّ على السوق، فإن مبدأ عدم التدخل يبقى ثابتاً، وكرّر في العديد من الوثائق الرسمية الهامة. تعتقد الصين أن دعم عدم التدخل وعرض المساعدة غير المشروطة، هي مهمة في دعم جهودها الرامية إلى تطوير العلاقات الدائمة مع إفريقيا.

[**الدور الصيني في دارفور*]

نتج عن النزاع في دارفور أسوأ أزمة إنسانية خلال عقود، فقد قدّر عدد من مات في النزاع من عشرة آلاف (بحسب الحكومة السودانية)، إلى سبعين ألفاً وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، ونزح أكثر من مليون شخص. وقد أثار فشل الحكومة السودانية في حماية المدنيين من القتل اليومي على يد الميليشيات في دارفور، الكثير من الجدل في الأوساط الدولية، حتى إن العديد من المنظمات الإنسانية اتهمت الحكومة السوادنية بالتواطؤ في ارتكاب «إبادة جماعية»، وبسبب اللامبالاة من نظام البشير تجاه المدنيين في دارفور وقف المجتمع الدولي بشكل صارم ضد الحكومة السودانية، وكانت هناك إرادة دولية في فرض عقوبات، خاصة من قبل الولايات المتحدة، حيث سعت إدارة بوش إلى مجلس الأمن، لكن لم يتم تبني أيّ من مسودّاتها بسبب عدم الاتفاق بين الأعضاء الدائمين. ويشير المحرران إلى أنه في هذا الجانب «نحتاج إلى معاينة دور الصين في أزمة دارفور، ونرى إذا ما كان لدى بكين أي خدع في حقيبتها الدبلوماسية لإقناع نظام البشير بالانصياع إلى المعايير والأعراف الدولية في معالجة الأزمة في السودان».

رأت العديد من الحكومات الغربية والمنظمات غير الحكومية أن الصين بعلاقاتها مع السودان، تسعى ببساطة إلى مصالحها الاقتصادية وتتجاهل وضع حقوق الإنسان في دارفور. لذلك حمّلوا الصين الكثير من المسؤولية للأزمة الإنسانية المتدهورة في دارفور، حيث لابد أن تتصرف كصاحبة جزء من المسؤولية على المسرح الدولي. والجدير بالإشارة إلى أن العلاقات الدبلوماسية بين السودان والصين تأسست في عام (1959)، وتطورت العلاقة بهدوء، وتم توقيع المعاهدة الأولى بين الحكومتين عام (1962). أما ناحية الصناعة البترولية، فقد حسّن تعاون الصين مع السودان بشكل دراماتيكي القدرة البترولية السودانية. وبدأت الشركات الصينية بالتنقيب عن مصادر الطاقة في السودان في منتصف سنوات التسعينات، وفي نهاية (2003) بلغ إجمالي الاستثمار 2.7 مليار دولار، وفي الواقع، مع وجود الاستثمار الصيني، حوّلت السودان نفسها من بلد مستورد للنفط إلى بلد مصدّر، ففي عام (1993) ارتفع إنتاج البترول من (2000) برميل يومياً إلى (500) ألف برميل في الوقت الراهن.

يجد المحرران أن نجاح الصين في «الدبلوماسية الهادئة» في دارفور، لا يعني أن الصين لا يتوجب عليها ألا تقوم بإعادة تقييم لسياستها في إفريقيا بشكل عام، وفي السودان بشكل خاص. ذلك أن العولمة والتقدم في إفريقيا أنذرا بظروف استراتيجية وسياسية على القارة، وهذا سيستمر بالتأثير في تقديرات السياسة الخارجية الصينية في إفريقيا. ويريان أنه لابد من معالجة اختلال التوازن على وجه السرعة، لأنه لا يمكن تحقيق السلام في دارفور إذا لم يكن هناك من إحلال سلام وأمن بين الشمال والجنوب، وهذه هي نفس الرسالة التي كانت الصين تحاول إيصالها إلى المجتمع الدولي، ولكن مع القليل من النجاح، وفي الحقيقة، الفشل في هذا الموقف المتناقض، سيرسل من دون شك إشارات خاطئة، وسيضرّ بالجهود الساعية إلى تحقيق السلام في البلاد بالكامل.

[**الصين وزامبيا : بين التنمية والسياسة*]

يشير المحرران في الفصل الثالث عشر من القسم الرابع في الكتاب بعنوان «الصين وزامبيا: بين التنمية والسياسة» بقلم (فيدريك موتيسا)، أن العلاقة الصينية - الزامبية الثنائية شهدت ازدهاراً على الرغم من التغيرات السياسية والأيديولوجية في كلا البلدين، ولم يكن من المفاجئ أن الرؤوساء الثلاثة الذين حكموا زامبيا منذ حصولها على الاستقلال السياسي من الاستعمار البريطاني عام (1964)، حيث أشار كل هؤلاء الرؤوساء إلى أن علاقة زامبيا مع الصين كان يسيطر عليها مناخ من الصداقة. وفي الحقيقة، عانت زامبيا من عدم الاستقرار العسكري والاقتصادي بسبب دعمها لحركات تحرير السود في الدول المجاورة، حيث كانت الأقلية البيضاء تتحكم بهم، وكان هذا الدعم يؤثر على الطرق التجارية التي تمر في تلك الدول موزامبيق (شرقاً)، وروديسيا (جنوباً) وهي زيمبابوي الحالية وأنغولا (غرباً)، وكنتيجة لتلك المضايقات طلبت زامبيا في أواخر (1960) المساعدة من الدول الغربية والمؤسسات المالية المتعددة لإنشاء خط حياة بديل على ميناء دار السلام، وهي عاصمة تنزانيا الدولة الصديقة، ولكن تم رفض هذا الطلب بذريعة أن المشروع غير مجدٍ اقتصادياً. لكن تقدّمت الصين لبناء سكة حديد تربط تنزانيا وزامبيا بطول (2000) كم. وهذا بقي رمزاً دائماً على موثوقية الصين كحليف لزامبيا، ومن ناحيتها وقفت زامبيا جنباً إلى جنب مع الصين في الجهود الدبلوماسية للحصول على القبول كعضو في المجتمع الدولي. وكانت دولة زامبيا من بين من شارك في دعم مسودة قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في (1971) لاستعادة مقعد الصين في مجلس الأمن، ودائماً ما كانت حكومات زامبيا المتعاقبة من الداعمين الدائمين لسياسات الصين. لكن خلال عقود ثلاثة، طرأت تغيرات على مناخ الصداقة، فقد تغير الوضع الجيوسياسي في جنوب إفريقيا، وباتت السلطة بيد السود، وخضع المجتمع الصيني لتحولات كبيرة، وهجر النظام الاقتصادي الاشتراكي المتصلّب، وتوجّه نحو اقتصاد السوق الحرة. وخضع العالم لنظام القطب الواحد الذي كانت الليبرالية الجديدة هي القوة الأيديولوجية المحرّكة وراء العولمة الحديثة. ولذلك، في القرن الواحد والعشرين، وجد الحلفاء والخصوم السابقين أنّ عليهم أن يستجيبوا إلى منطق مختلف في حال الارتباط والتعامل مع بعضهم بعضاً، وللمرة الأولى تعرّضت العلاقات الصينية - الزامبية إلى الاضطراب بعد أن كان مناخ الصداقة مخيّماً عليها.

أما بالنسبة للتعاون الاقتصادي فقد كانت السياسة الصينية الاقتصادية ترضي شهيتها المفتوحة على الموارد الاقتصادية في زامبيا أمام اقتصادها المتسارع في صعوده، وأمام القروض الكبيرة التي أعطتها الصين لزامبيا، وحالات استغلال العمال في الاستثمارات، وجلب العمال الصينين غير المهرة، أثّر بدوره في معيشة السكان المحليين القادرين على القيام بهذه الأعمال، وخلّف تأثيرات سلبية.

يرى المحرّران أنّ قضية الاستثمارات الصينية في زامبيا عالية الحساسية، حتى أنّ رئيس الجبهة الوطنية المعارضة في زامبيا لا يتوانى عن توجيه الانتقاد الشديد إلى العلاقة الصينية مع زامبيا، حيث يجد أن الاستغلال يهيمن عليها، رغم التأكيد المستمر من الرئيس الزامبي وشركائهم الصينين على أن العلاقات تحقق المنفعة للطرفين.

[**الصراع على الموارد الإفريقية*]

يحتوي القسم الخامس من الكتاب بعنوان «الصراع على الموارد والبترول الإفريقي» على ثلاثة فصول (14-15-16). يستكشف الفصل الرابع عشر بعنوان «النفط الإفريقي في حسابات أمن الطاقة لدى الهند والصين» بقلم (سيريل أوبي)، مكان إمدادات الغاز والنفط الإفريقية في حسابات أمن الطاقة لدى القوتين العالميتين الصاعدتين: الصين والهند. أما الفصل الخامس عشر بعنوان «الصين والهند في أنغولا» بقلم (أليكس فاينس وإنديرا كامبوس) فيتناول الحضور الصيني والهندي في أنغولا، ويتناول الدعم الصيني والهندي للحركات التحريرية، إضافة إلى العلاقات الاقتصادية والسياسية خلال العقود السابقة منذ فترة الاستقلال بين الصين وأنغولا من جهة وبين الهند وأنغولا من جهة أخرى. وسنتناوله بشكل مفصل في الفقرتين التاليتين. ويناقش الفصل السادس عشر بعنوان : «ثمن الانفتاح : نحو التحكم الاقتصادي الصيني في زامبيا» بقلم (بيتر كراغيلوند)، أن تقدم المشاريع الصينية في إفريقيا ليست فقط نتيجة السياسات الصينية المتعمدة بالحصول على الموارد والأسواق، بل أيضاً نتيجة سياسات الاستثمار الإفريقية الليبرالية التي فرضها المتبرعون الغربيون منذ أوائل سنوات الثمانينات.

[**العلاقات الصينية - الأنغولية*]

تستمع أنغولا بفترة من السلام المستمر منذ إبريل/نيسان (2002)، وأجرت انتخابات تشريعية في سبتمبر/أيلول (2008) كانت الأولى منذ (1992)، وتعد أنغولا من بين الدول الإفريقية، التي شهدت صراعات مطوّلة، ولكن خلال ست سنوات أصبحت من بين أكثر الدول الناجحة اقتصادياً في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. حيث مع انتهاء الحرب، كانت من أولى أولويات الحكومة إعادة البناء السريع ما بعد الصراع، ولعبت الصين دوراً مهماً في تقديم المساعدة لهذه الجهود، وهذا حجب الجهود الهندية للحصول على أسعار مخفضّة للطاقة.

في الحقيقة، أثار دور الصين المتنامي في أنغولا الكثير من الجدل والتوقعات. ومن وجهة نظر كل من الصينيين والأنغوليين، العلاقة بينهما براغماتية واسترتيجية. وفي مناسبة زيارة رئيس الوزراء الصيني إلى أنغولا في يونيو/حزيران 2006، قال الرئيس الأنغولي ببساطة، إن «الصين تحتاج إلى المصادر الطبيعية وأنغولا تريد التنمية». كانت سنة (2008) هي الذكرى الخامسة والعشرون لتأسيس العلاقات بين البلدين. حيث علاقة الصين مع أنغولا تعود إلى السنوات الأولى من النضال المناهض للاستعمار عبر دعمهم لثلاث حركات تحرر في البلاد، وتأسست العلاقات الدبلوماسية بين الطرفين في عام (1983) بعد أن وقفت عن دعم متمردي (يونيتا) وهو حزب سياسي أنغولي أسسه في عام (1966) جوناس سافيمبي، وهو مناهض للشيوعية، واعترفت الصين بالحزب الحاكم (إمبلا) أو ما يعرف الحركة الشعبية لتحرير أنغولا-حزب العمل المتأسس في عام (1956) والذي يحكم أنغولا منذ استقلالها عن البرتغال عام (1975)، وتم توقيع الاتفاقيات التجارية بين الصين وأنغولا في عام (1984) وتبعتها اللجنة التجارية والاقتصادية المشتركة، ثم تحسنت العلاقات بينهما تدريجياً في سنوات التسعينات من القرن المنصرم، وأصبحت أنغولا الشريك الثاني الأكبر للصين في إفريقيا (متجاوزة جنوب إفريقيا) بنهاية العقد، وغالباً بسبب التعاون الدفاعي، حتى إن الرئيس الأنغولي دوس سانتوس زار الصين في عام (1998) سعياً إلى توسيع الروابط الثنائية، كما زار بكين مرتين في (2008). في الحقيقة بعد نهاية الصراع في (2002) تغيرت علاقة الصين مع أنغولا إلى علاقة اقتصادية بعد أن كانت أمنية ودفاعية، ووصلت العلاقة بينهما إلى أعلى مستوياتها في مارس/آذار (2004) عندما قدم بنك الاستيراد والتصدير الصيني قرضاً إلى أنغولا لتمويل إعادة بناء البنية التحتية في البلاد، ومنذ ذلك الحين يتم تبادل العلاقات على مستوى المسؤولين الرسميين في سبيل دعم الشراكة، وهذه الزيارات أسهمت في تطبيع العلاقات بين الطرفين، ونتج عنها توقيع الكثير من الاتفاقيات الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية والدبلوماسية والسياسية.

وجدير بالذكر أن تأثير العلاقة واضح في أنغولا من خلال مواقع البناء الصينية المنتشرة على طولها، وفي عام (2008) كانت تبلغ الجالية الصينية ما يقارب 50 ألفاً. كما أن قيمة التجارة وصلت نهاية (2005) إلى (6.9) مليار دولار، وخلال سنة تضاعف ذلك المبلغ، بعد أن كان في سنوات التسعينات يرواح بين (150- 700) مليون دولار. وكانت أنغولا قد فتحت سفارتها في بكين عام (1993)، وبسبب استثماراتها في هونغ كونغ وماكاو، قررت أن تفتح قنصلية في كل منهما في (2007).

[**الحضور الهندي في أنغولا*]

على الرغم من أن الهند كانت من بين أولى الدول التي اعترفت بالحكومة الأنغولية التي قادتها (إمبلا) أو ما يعرف بالحركة الشعبية لتحرير أنغولا-حزب العمل عام (1975)، إلا أن بصماتها ضئيلة في أنغولا مقارنة مع الصين. فالهند بدأت بإرسال بعثتها الدبلوماسية المقيمة في لواندا في سبتمبر/ أيلول (1986)، وأنشأت السفارة الأنغولية في نيودلهي عام (1992).

على الرغم من أن العلاقات الثنائية المتبادلة كانت في البداية نادرة، إلا أن زيارة رئيس الوزراء الهندي راجيف غاندي في مايو/أيار (1986) قادت إلى توقيع اتفاقية تبادل تجاري في أكتوبر/تشرين الأول (1986) في نيودلهي. وزار الرئيس الأنغولي الهند عام (1987)، إضافة إلى سلسلة من المسؤولين الهنود على المستويات كافة، وفي مختلف القطاعات. أصبحت الزيارات المتبادلة أكثر انتظاماً بعد (2004) بعد أن أصبحت دبلوماسية النفط والماس تشكّل جزءاً من ازدهار السلع العالمية. كما أنه في عام (2006) زار وزير الخارجية الأنغولي جاو ميراندا الهند، والتقى العديد من الوزراء وكبار المسؤولين ورجال الأعمال، ووقع اتفاقيات تعاون في العديد من المجالات، خاصة في مجال النفط والصناعة والغاز الطبيعي . وكذلك زار وزير الخارجية الهندي أناند شارما في (2007) لواندا لمناقشة التعاون في حقول النفط والجيولوجيا والتعدين والزراعة والصحة والتعليم والسياحة.

في الحقيقة، نسبة التجارة بين أنغولا والهند صغيرة، وبشكل خاص في المنتجات الغذائية اليومية، وعلى الرغم من أن العديد من الشركات الهندية كانت لها مصالح تجارية في أنغولا، فإن الجالية الهندية تقارب الألف، والاستيراد الرئيسي من أنغولا هو النفط الخام والنفط المكرر من شركة النفط الهندية التي تديرها الدولة. إن دبلوماسية الماس الهندية تبدو أكثر نجاحاً، وقد قبلت شركة الماس الأنغولية الحكومية على القيام بأعمال تجارية مع صناعة الماس الهندية، في الوقت الذي تتطلع فيه الهند لفتح معهد لصناعة الماس في لواندا. حتى إن وزير التجارة الهندي قام بإطلاق مبادرة خلال زيارته أنغولا في (2009) للاستيراد المباشر للماس . وفي الوقت الراهن هناك العديد من الجهود المبذولة من قبل الطرفين، بحيث يعمقان ويوسعان العلاقات الاقتصادية بينهما، لتشمل كل القطاعات، وعلى أعلى المستويات.

[**الإمبرياليات الجديدة*]

أما في القسم الأخير من الكتاب، والذي يعد خاتمة له يحتوي على فصل واحد بعنوان (مناهضة «الإمبرياليات الجديدة» : مادور الشراكة الجديدة في تحقيق التنمية الإفريقية؟) بقلم (فانتو جيرو وماغنوس كاليس)، ويدور موضوع الفصل حول السؤال الرئيس الآتي : «كيف يمكن للدول الإفريقية أن تستفيد من هذه العلاقات الجديدة مع الصين وإفريقيا، وتتجنّب الخضوع والإهمال بحيث لا يصبحان نموذجاً استعمارياً جديداً يذكّر بالقرن المنصرم مع أوربا؟».

يرى المحرران في النهاية أن معرفة إفريقيا من الجانب الصيني والهندي تقع ضمن إطار المحدود والعام، وكذلك الفهم الإفريقي للمجتمع الهندي والصيني هو دون المطلوب، ويحتاج إلى وضعه في دائرة الاهتمام على نحو أكثر، بحيث يصل مستوى الفهم والمعرفة إلى درجات تعود بالفائدة على الهند والصين وإفريقيا دون التعرض لأي استغلال على يد أي جانب، ولا يكون هناك تكرار لأي ممارسات استعمارية بأي شكل. كما يشدّد المحرران على أن مناهضة «الإمبريالية» الهندية والصينية تتطلب الاستثمار الكبير من قبل الحكومات الإفريقية في حقل التنمية والبحث عن أساليب السياسات العامة والخطط الاقتصادية والسياسة الخارجية لهذين العملاقين الآسيويين الصاعدين، وهو في الحقيقة تحد كبير أمام الحكومات الإفريقية .. فهل تنجح في ذلك أم فعلاً يفرض هذان العملاقان بظلالهما على إفريقيا، بحيث يمارسان أسلوباً إمبريالياً بلون مختلف؟

[**المؤلفان في سطور*]

[*فانتو جيرو :*] هو مدير الأبحاث في معهد إفريقيا الشمالية في أوبسالا، السويد، وأستاذ فخري للتنمية الدولية في كلية الخدمة الدولية، في الجامعة الأمريكية في العاصمة الأمريكية، وكان في السابق عضواً في فريق الأمم المتحدة في فترة الأمين العام السابق كوفي أنان. وله العديد من المؤلفات منها : «النهضة الإفريقية : خرائط الطريق لتحديات العولمة» (2002)، و«الثورة الصامتة في إفريقيا : الدين والتنمية والديمقراطية» (1989).

[*سيريل أوبي :*] باحث كبير في معهد إفريقيا الشمالية في أوبسالا، السويد، وله العديد من الأبحاث حول الصراع والنزوح والتحولات في إفريقيا، نال العديد من الجوائز على أبحاثه في العلوم الاجتماعية، ويكتب في كبريات المجلات المتخصصة في الشؤون الدولية.

- **المصدر : صحيفة «الخليج» الإماراتية


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 1773 / 574264

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع إصدارات   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010