الأربعاء 17 آب (أغسطس) 2011

استحقاق أيلول : أوسلو بوسائل أخرى؟

الأربعاء 17 آب (أغسطس) 2011 par د. نهلة الشهال

يُعامل استحقاق أيلول/ سبتمبر، أي الطلب من الجمعية العامة للأمم المتحدة التصويت على الاعتراف بدولة فلسطينية، كموعد خطير. ويتقاسم الطرفان، الفلسطيني و«الاسرائيلي» تهويل الامر، تشاركهما في ذلك الولايات المتحدة وعواصم أوروبية عديدة، على رأسها فرنسا التي تعتبر أن لها دوراً مميزاً في «الشرق الاوسط»، تمارسه في آن كحق وكطموح لقيادة منافِسة للأميركيين.

من ناحية قانونية بحتة، لا تلخص وحدها المشهد بالطبع، ولا هي جوهره، فتصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة لا قيمة عملية له. ويضاف الى ذلك أنه، وبسبب الفيتو الاميركي المعلن، فستنتهي العملية بتوصية من الجمعية العامة يمكن أن تمنح فلسطين صفة الدولة/ المراقِبة. وهي وضعية ستغير القليل في الموقع الراهن الذي تحتله فعلاً فلسطين في المنظمة الدولية. ولجهة الحقوق والفعالية، فقد تمنح الصفة المكتسبة تلك القيادة الفلسطينية سهولة مضافة في ملاحقة انتهاكات «اسرائيل» للقوانين الدولية. ولكن هذا البند لا ينتظر تلك الصفة ولا يشترطها، ويمكن ممارسته الآن لو تقرر ذلك وتوفرت له الارادة. وعلى كل حال، فعضوية الامم المتحدة، حتى الكاملة، لا تلغي الواقع الاحتلالي، ولا تقيم دولة. فهذه تقوم في الواقع أو لا تقوم. وهي لا تحل مشكلات القدس والحدود واللاجئين والمياه والمعتقلين، الى آخره (أنظر بهذا الصدد تقرير جمعية «الحق» الفلسطينية بتاريخ 20 تموز/ يوليو الفائت، والجمعية تملك الصفة الاستشارية في المنظمة الاقتصادية والاجتماعية للأمم المتحدة).

المكسب من تلك المعركة إذاً سياسي، معنوي ورمزي، نوع من الاستفتاء الدولي الحكومي حول الموقف من الحق الفلسطيني. وبهذا المعنى، فهي معركة تستحق أن تخاض وأن يتحقق فيها نصر. وهي في ذلك شأنها شأن سائر المعارك، صغيرة كانت أو كبيرة، وفي كل الميادين التي يمكن أن تخاض ضد «اسرائيل»، ويخطط أن تكون لها آثار سياسية وإعلامية، علاوة على نتائجها في مجالها المحدد، سواء كان هذا فكرياً أم اقتصادياً أم اجتماعياً أم قانونياً... تلك هي على سبيل المثال فلسفة مبادرة أسطول الحرية الى غزة، التي انطلقت على صعيد حركة التضامن الشعبية العالمية مع فلسطين، والتي جهد القائمون بها كي يبددوا المحاولة الدعائية «الاسرائيلية» المضادة، والقاتلة، التي ركزت على تبيان أن تلك السفن بحمولتها القليلة لن تخفف من البؤس المعيشي للغزاويين، بل راحت بخبث شديد تقترح تسليم المساعدات الى سلطات رسمية يمكن أن تنقلها إليهم! بينما المعركة كانت رمزية، إعلامية وسياسية، تهدف الى فضح الاحتلال الفعلي الذي يخضع له القطاع، وتسعى لإدانته أخلاقياً وفكرياً وسياسياً من جهة وقانونياً حين يمكن. وتلك أيضاً فلسفة حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات (BDS) العالمية، التي تهدف فعلاً الى نزع الشرعية عن «اسرائيل» بوصفها نظاماً احتلالياً وتمييزياً لا يوجد حل له، ومعه، غير إدانته وإسقاطه. وفي خلاصة الامر، فخيار خوض المعارك على كافة الصعد مع «اسرائيل» بغاية ترسيخ الوعي بالطابع الاحتلالي والتمييزي ـ أي تعريفاً غير الشرعي ـ لبنيتها هو قاعدة المجابهة الدائرة، وهو نفسه مقياس وضابط التفاوض حين يتطلب الامر ذلك. إذ ثمة في كل موقف سياسي رؤية حاكمة إذا ما افتقدت راح كل فعل يشبه الخبط العشوائي.

ما زلنا بعيدين جداً عن امتلاك هذه العقلية، والبنية العائدة لها. فمشكلة السلطة الفلسطينية انها تهرب من استعصاء «العملية السلمية» المزعومة، بمفاوضاتها غير المحدودة، والتي اطلقتها اتفاقيات أوسلو، ولم تكن نتيجتها الفعلية على الارض سوى مزيد من توسع وتوطد الاحتلال وتبلور التمييز العنصري. تهرب من ذلك الفشل الى مبادرة تخوضها على الارضية نفسها! مثال على ذلك وثيقة الدكتور صائب عريقات في هذا الشأن، التي تدعي أن مكسب الحصول على اعتراف أممي بالدولة الفلسطينية سيسهل الحوار مع واشنطن، وأنه سيمكِّن من إيجاد حلول للمسائل الجوهرية العالقة، مما لا أساس له من الصحة. وعلاوة على استخدام حجج مخترعة لتبرير الاصرار على المبادرة، مما يعطل حتى وظيفتها التعبوية كمعركة نضالية، فمشكلة هذه المقاربة أنها تُدرج استحقاق أيلول في خانة العملية السلمية، وترى فيها وسيلة لتحسين الموقف التفاوضي الفلسطيني. وهي بهذا المعنى تعيد نفسها الى المربع الذي أرادت الافلات منه، وتصبح هباء منثوراً. وقد عززت هذا المنحى التصريحات الاخيرة لرئيس السلطة السيد محمود عباس، الذي يرى في مبادرة أيلول ليس إظهاراً للحق الفلسطيني، بوصفه منتهكاً، بل «تثبيتاً لحل الدولتين». ومن المعلوم أن إحدى تلك الدولتين قائمة جداً ولا تحتاج لتثبيت!! ثم ما هي خلاصة المخاض الذي رافق المسيرة السلمية التي أطلقتها أوسلو، وهل حل الدولتين ممكن واقعياً؟ الا يستحق الموقف الفلسطيني كما انتهت اليه تلك المسيرة مراجعة لرؤيته وإعادة تحديد لخياراته؟ وإن لم تكن السلطة بوارد ذلك، فعلام كل هذا التطبيل لاستحقاق أيلول؟

بل تظهر بوضوح نوايا «اسرائيلية» وغربية لتحميل الفلسطينيين ثمن ما «يقترفون»! الرئيس أوباما يتكلم عن محاولات لعزل «اسرائيل» منذراً أنه لن يرضى بها مطلقاً. ويتنافس حزبا الكونغرس على زيارتها وشد إزرها، بل يتجرأ وزير الخارجية الفرنسي، السيد جوبيه، على دعوة الفلسطينيين الى الاعتراف بـ «اسرائيل» كـ «دولة/أمة للشعب اليهودي»، كشرط على ما يبدو كي تصوت فرنسا بنعم على طلب الاعتراف بدولة فلسطينية. الاهتزاز في سند الموقف الفلسطيني نجح في قلب الصورة، بحيث بات النقاش يتعلق بالعدوان الذي يرتكبه الفلسطينيون على «اسرائيل» في أيلول! ويساهم السيد عباس في إيقاف الأمر على رأسه عبر مسارعته الى نفي نية عزل «اسرائيل» وادانتها، ويعيد التأكيد على التفاوض الممكن لولا... نتنياهو! يا لقصر الذاكرة!

قد يشار عن حق الى أن السلطة الفلسطينية هي وليدة أوسلو وعمليتها السلمية، وأنها مهندَسة بالكامل وفق ما يلائمها، ومخترقة بآلياتها ومكبلة بمنطقها، علاوة على خضوعها الى اعتبارات مصلحية جمة، تصح على مستوى الافراد كما على مستوى اجتماعي يتعلق بـ «زبائنية» شرائح واسعة من الشعب الفلسطيني ترتبط بدوران آلة المساعدات الدولية التي تصل الى السلطة، وباشتغال هذه الاخيرة. بمعنى أن التحرر من أوسلو يتطلب تفكيك كل هذا البناء، وهو أمر شاق. هذا علاوة على بلورة خيارات سياسية بديلة، هي بالضرورة مكلفة جداً حتى وإن التزمت بالطابع السلمي، (وبالمناسبة، فالطابع السلمي للنضال مختلف عن الانخراط في «العملية السلمية»، والجدال لا يدور حول الوسائل بل حول الافق). وبغض النظر عن الكلفة، فتصور الخيارات السياسية البديلة لأوسلو مفتقد بحدة حتى الآن. ولا يتعلق الامر بالقدرة على إنتاج خطاب لفظي جميل أو منمق، بل بالخيال السياسي والمخططات التي تتبعه، أو ما يقال له الاستراتيجية.

لذا كله، تحول مقاربة السلطة استحقاق ايلول الى شيء من الالعاب النارية، العالية الضجيج، ولكنها بلا قوام. فما زال السؤال يتعلق بتفحص ضرورة تراكم المنجزات وبسياق توظيفها وأفقه. فإن كان كل ذلك من أجل استعادة أوسلو بوسائل أخرى، فهو ضجيج بلا طحن، وسيتبدد في اليوم التالي تاركاً خلفه مرارة الاوهام. بل، أكثر من ذلك، تُبتز السلطة بينما هي تسعى الى تحسين موقعها التفاوضي.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 39 / 566518

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010