الاثنين 18 نيسان (أبريل) 2011

الشبِيحة

الاثنين 18 نيسان (أبريل) 2011 par فهمي هويدي

يبدو أن «الفئات المندسة» انتشرت في العالم العربي بما قد يوحي بأن ثمة تنظيماً دولياً صار يوزعهم على مختلف الأقطار لإثارة الفوضى وإشاعة التخريب والترويع.

ومن باب التمويه ربما فإن هؤلاء المندسين أصبحوا يحملون أسماء مختلفة في كل قطر. ففي مصر عرفوا باسم البلطجية، في حين أن اليمنيين وصفوهم بأنهم «بلاطجة». وحين برزوا في الساحة التونسية بعد الثورة هناك فإن الناس صاروا يشيرون إليهم بحسبانهم «كلوشارات».

وأحدث تسمية لهم تناقلتها وكالات الأنباء من سوريا، أن تحدثت عن «الشبِّيحة» الذين صاروا يعتدون على المتظاهرين ويطلقون الرصاص عليهم من فوق أسطح المنازل.

اختلفت مرجعية التسمية لكن الوظيفة ظلت واحدة.

فالبلطجية كلمة شرحت معناها من قبل مذكراً بأنها تركية الأصل، حيث البلطة هي الفأس التي يقطع بها الأشجار ومن يستخدمها يسمى بلطجياً، ونصف الكلمة الأخير دال على الفعل. تماماَ مثل قهوجي وبوسطجي وأجزجي.

ولأنها غير عربية فلا غضاضة في أن يختلف الجمع بحيث يصبح العدد منهم «بلاطجة». أما الكلوشارات فهي كلمة فرنسية معربة أصلها Clochard ومعناها متشرد.

وكلمة «شبيحة» التي تكررت في أخبار سوريا هي الوحيدة المشتقة من كلمة عربية. وفي المعاجم أن الرجل شبَّح الشيء بمعنى شقه. وإذا قيل شبح الرجل فذلك يعني أنه مُدّ كالمصلوب لجلده.

كلمة الشبِّيحة هي التي دعتني إلى ذلك الاستطراد، ذلك أنها استوقفتني حين تواترت في البيانات السورية التي صدرت عن الحكومة والمعارضة. إذ وجدت أن البيانات الرسمية ما برحت تمتدح «الأبرياء» الذين يخرجون في تظاهرات سلمية، ثم تدين ظهور «الشبِّيحة» الذين يشتبكون مع المتظاهرين ويطلقون النار عليهم، معتبرة أنهم فئة ثالثة تظهر في الساحات، تتبرأ منها الحكومة في حين تصر بيانات المعارضة على أنها منسوبة إلى الجهات الأمنية، عندئذ أدركت أن أولئك الشبِّيحة هم أنفسهم البلطجية في مصر، ولا يختلفون في شيء عن البلاطجة في اليمن والكلوشارات في تونس.

تابعت على شاشة إحدى الفضائيات حواراً طريفاً حول الأحداث الأخيرة في سوريا بين صديقنا الأستاذ هيثم المالح الناشط السوري المعروف وبين أحد الأكاديميين الموالين لنظام دمشق، وفي الحوار دافع الأخير عن قوات الأمن السورية، وحمَّل الشبِّيحة المسئولية عن الاعتداء على المتظاهرين وإطلاق النار عليهم، عندئذ قال المالح إن المدن السورية شهدت تظاهرات معارضة للنظام وأخرى مؤيدة للرئيس الأسد. وأضاف أنه إذا صح أن أولئك الشبِّيحة من دعاة الفوضى والمحرضين على التخريب. فيفترض أنهم لا يبالون بتظاهرات المعارضين أو المؤيدين، حيث هدفهم الأساسي هو إثارة الفوضى والتخريب، لكن الذي حدث أن الشبِّيحة لم يظهروا إلا في أوساط المعارضين، ولم يكن لهم أثر فى تظاهرات المؤيدين، إذ انقضوا على الأولين بأسلحتهم البيضاء وبالرصاص المطاطي والحي، أما التظاهرات المؤيدة للنظام فلم يمسها أحد بسوء، وإنما سارت في هدوء وعاد المشاركون فيها إلى قواعدهم سالمين.

كانت الملاحظة مهمة للغاية، وقوية بحيث إن المتحدث الآخر المؤيد للنظام لم يستطع أن يجيب عن السؤال، وإنما أصر على أن «الشبِّيحة» يمثلون فئة خارجة على القانون، ولا علاقة لعناصرها بالأجهزة الأمنية، وأيد وجهة نظره بالإشارة إلى أن الرئيس بشار الأسد استقبل أسر الأشخاص الذين قتلوا في المواجهات معهم وأمر بعلاج وتعويض الجرحى.

لكن ذلك لم يقدم إجابة مقنعة لسؤال الأستاذ المالح، واستفساره عن السبب في استهداف الشبِّيحة لمعارضي النظام دون مؤيديه.

لدينا فى مصر خبرات عديدة في هذا المجال، حيث نملك ما لا حصر له من القرائن والأدلة التي تثبت الصلة الوثيقة بين شبيحة مصر / البلطجية وبين الأجهزة الأمنية.

ولا تزال حاضرة في أذهاننا أحداث ثورة 25 يناير، التي استهدف فيها بلطجية الأمن المتظاهرين في ميدان التحرير. في حين لم يدس أحد على طرف للمتظاهرين الذين حُشدوا لتأييد مبارك ونظامه في ميدان مصطفى محمود، وهو ما يسوغ لنا أن نقول إن شبيحة سوريا بدورهم مجرد ذراع للأجهزة الأمنية، لا يختلفون في شيء عن بلاطجة اليمن وكلوشارات تونس، إن الاستبداد ملَّة واحدة.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 16 / 566509

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010