الخميس 14 نيسان (أبريل) 2011

الثورات العربية بين الرياء الغربي والدهاء الصهيوني

الخميس 14 نيسان (أبريل) 2011 par سمير جبور

[**رياح التغيير إلى أين؟*]

تعصف بالثورات العربية المشتعلة الآن في معظم الأقطار العربية، رياح هوجاء تقذف بها في اتجاهات مختلفة، وتجرها الى مسارت متباينة تتفاوت من بلد الى آخر، وتتّخذ مناحي متضاربة أحياناً، ومتباعدة أحياناً أخرى. وتجري الآن محاولات للانقضاض عليها وإخضاعها لمصالح اقتصادية واستراتيجية دولية وإقليمية.. فعلى سبيل المثال تدور في اليمن وليبيا حروب أهلية لا يعرف أحد ماذا ستكون نهايتها. وفي سورية تتحرك قوى غير واضحة المعالم، ولا تصرّح ببرنامجها ولا بالبديل الذي تطرحه. ومن الصعب معرفة مصير النظام ومن سيحل محله اذا هوى.

والوضع في ليبيا يتخذ منحى مختلفاً تماماً. اذ ان تمسك القذافي بالحكم رغم المعارضة القوية له، وطغيانه الذي استمر أربعة عقود، واستعداده لإفناء قسم كبير من شعبه، وتدمير جزء مهم من بلده في سبيل بقائه على الكرسي وتوريث ابنائه من بعده، ترك ليبيا فريسة للتدخل الأطلسي. وبذلك أعطى فرصة للدول الاجنبية لايجاد مسوّغ قانوني «حماية المدنيين» من وحشيته.

تصرفات القذافي الجنونية والنرجسية أربكت الرأي العام العربي، ونشرت البلبلة بين مؤيد للتدخل الأجنبي عن مضض، حماية لرجال المعارضة وتجنيبهم المذابح، وبين معارض لهذا التدخل، ولكنه لا يعرف ما البديل ولا سيما ازاء ضعف الجامعة العربية. وهذه المرة الأولى في تاريخ التدخل الاستعماري «يقبل» قسم من الرأي العام «نجدة» الدول الغربية، وهو مدرك لأطماعها في الثروات العربية، وهو يسلّم بذلك فقط من اجل حماية المعارضة، لأن البديل أسوأ بكثير. وقد فهم القذافي اللعبة فوضع العالم امام خيار ذبح شعبه او بقائه في الحكم .. واتخذ من المدنيين الأبرياء درعا ليحميه حتى لو هلك الآلاف، من دون وازع ضمير.

وهكذا أصبح القذافي اكثر رجل مكروه في العالم وواجهت الجماهير العربية التي كانت قلوبها مشدودة الى المناضلين الليبيين، رجلاً احتار الجميع في تشخيص شخصيته. وقد نعت بمختلف الأوصاف «قاتل شعبه» «كلب ضال»، «طاغية مخضرم»، «لا يهمّه إلاّ نفسه ولا يأبه لاحد»، «نرجسي المزاج»، «يحرق النفط اذا حشر في الزاوية»، «مخادع خيالي»، «مستعد للقتال حتى آخر نفس في حياته»، «مضطرب العقل»، «مفكر استراتيجي بارد»، «مختل العقل»، «مثل ثعلب الصحراء»، «مستعد لإحراق كل شي»، «إذا انحشر يستقّل طائرة ويهرب». وهكذا طغت هذه الشخصية على جميع الاعتبارات فقط للتخلّص منه.

سياسة الرياء الغربية في كل حال، ساهم قرار الحلف الأطلسي (1973) بشأن التدخل في الوضع في ليبيا تحت مظلّة الأمم المتحدة وبحجة «حماية المدنيين» بإنشاء منطقة حظر جوي، في الكشف عن الرياء الغربي والدهاء الصهيوني في آن معاً.

وقد تجلّت سياسة الرياء الغربي وازدواجية المعايير بابهى صورة انتقائية بفرض مناطق حظر جوي في ليبيا وقبلها في العراق، مستغلة الفراغ العربي وعجز الجامعة العربية عن القيام بأي دور بديل.

السؤال المطروح : لماذا هبّت دول الحلف الأطلسي لـ «حماية المدنيين»؟ هل القذافي وحده يفتك بالمدنيين؟ في الوقت الذي كانت فيه طائرات الحلف الأطلسي تحرق الأخضر واليابس في ليبيا، كانت الطائرات «الإسرائيلية» تدك منازل المدنيين في قطاع غزة لتفتك بالأطفال والنساء والشيوخ ايضاً. وكانت الطائرات «الإسرائيلية» تحوم فوق الأجواء اللبنانية خارقة القانون الدولي. ولم تكن الولايات المتحدة مثلاً بحاجة الى فرض حظر جوي فوق غزة، وانما كان يكفي توجيه رسالة الى «اسرائيل» تحذرها من التوقف عن قصف المناطق والأهداف المدنية وإلاّ... كما فعل ايزنهاور عندما أمر بن غوريون بالانسحاب من سيناء وقطاع غزة في سنة 1957.

جرت يوم الأحد الفائت مظاهرة بادرت اليها مجموعة من منظمات المجتمع المدني العربية واليهودية امام السفارة الأمريكية في تل ابيب، طالبت بفرض «منطقة حظر جوي فوق فلسطين». وتضمنت الدعوة الشعارات التالية : «إننا نناشد سوية العالم : إمنعوا الطائرات «الإسرائيلية» من قصف غزّة المحاصرة. إننا معا نناشد الولايات المتحّدة والاتحاد الأوروبي : «توقفوا عن دعم الجرائم الإسرائيلية»، «إنها اسلحة أمريكية وأموال أمريكية ودعم أمريكي»». وورد ايضاً في بيان تلك المنظمات أنها «تدعو مجلس الأمن والأسرة الدولية الى حماية الشعب الفلسطيني ومنع هذه النفاُّثات القاتلة من التحليق فوق فلسطين، كما يجري هذا المنع فوق ليبيا».

وجاء في بيان منظمات المجتمع المدني : «تتشدق الولايات المتحدة بأنها حامية الديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما لا توفر وسيلة من أجل توفير الدعم المالي والدبلوماسي والعسكري للاحتلال «الإسرائيلي» ونظامه العنصري، الذي يفرض حصاراً غير إنساني وغير قانوني على الذين هم بحاجة الى حماية».

[**حذار من الدهاء الصهيوني*]

«الإسرائيليون» ومن ورائهم الحركة الصهيونية العالمية فوجئوا بالثورات العربية، وهم ماضون في فهم كنهها وسبر أغوارها. فقال أحدهم : «كم نحن منقطعون عن الشرق الأوسط العربي المحيط بنا.. إننا لا نفهم السياسة الداخلية بين الدول المجاورة». وقال آخر انها ثورة شباب ولا يكفي ان نقول ان «مصدرها هو الجوع والعناء»، بل «عملية عولمة اخترقت الجدار الإسمنتي للعالم العربي وساهمت في التواصل بين الشباب العربي والشباب في العالم الغربي. هذه العلاقة بينهما هي مصدر قوة هذه الثورات. وهذا يتطلب من دولة «إسرائيل» ان تفهمه في العمق، لإنه لن يشكل مستقبل الشرق الأوسط وحسب، وإنما ايضاً مستقبل العلاقات السياسية والدولية بين «إسرائيل» والعالم بأسره».

وتوقعات «الإسرائيليين» كثيرة : تعزيز قوة إيران في المنطقة وازدياد قوة «الإخوان المسلمين»، ونشوب انتفاضة ثالثة في فلسطين، وانهيار النظام السوري وبالتالي انكشاف ظهر «حزب الله» وسيطرة إيران على لبنان، وضعف الجامعة العربية. وذهب محلل «إسرائيلي» الى الحديث عن احتمال تراكم الضغوط الدبلوماسية على «إسرائيل» للتعجيل بالتسوية مع كل من سورية والفلسطينيين... إذ أن الثورات العربية ستجعل الأنظمة السياسية العربية اقل خضوعاً للمطالب الصهيونية بفعل تنامي وزن الشارع العربي في القرار السياسي، إضافة الى فرضية بنيامين نتنياهو بأن القوى الراديكالية الإسلامية ستخطف الثورات العربية وهذا يعفي «اسرائيل» من التوصل الى تسوية مع الفلسطينيين.

الثورات العربية لن تسلم من الدهاء الصهيوني والدسائس «الاسرائيلية» وسوف تبقى أيادي «إسرائيل» الخفية ناشطة في الشرق الأوسط. وحتى إن فشلت «اسرائيل»، مثلاً، في إقناع الولايات المتحدة بحماية حسني مبارك، إلا ان لها امتدادات في مصر وهي تسعى الى إثارة النعرات الدينية والطائفية في مصر. وترد معلومات ان «اسرائيل» تدعم القذافي وهذا سر صموده حتى الآن. ويشاع أن «إسرائيل» تزوده بالأسلحة (عبر سفينة ابحرت من اليونان) والمرتزقة من افريقيا. كما أن الحركة الصهيونية تساند القذافي دبلوماسياً. وقد شاهدنا كيف ان اعضاء الكونغرس من الحزبين ضغطوا على إدارة اوباما وإجبارها على التخلي عن دورها القيادي في التحالف الأطلسي، وبالتالي إضعاف جهوده الرامية الى تدمير قوات القذافي. ولا حاجة للقول لماذا «إسرائيل» تريد بقاء القذافي فيكفي انه مادة دعاوية مهمة اذ كلما ارادت الأبواق الصهيونية التشهير بالعرب يشيرون الى القذافي المحسوب عليهم.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 68 / 565741

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010