الأربعاء 6 نيسان (أبريل) 2011

نشر الكراهية لإيقاف صنع التاريخ

الأربعاء 6 نيسان (أبريل) 2011 par د. علي محمد فخرو

أقول لكم يا شباب الأمة العربية الثائرين بأنكم ستجدون أنفسكم، المرًة تلو المرًة، أمام من سيحاول محو المنطلقات التي فجًّرت ثوراتكم، محوها من ذاكرتكم، وذلك من خلال إدخالكم في عقم الجدليات والصٍّراعات التي لا علاقة لها بمنطلقات وبدايات ثوراتكم المبهرة الشرعية.

سيحاول فقهاء السلاطين المذهبيٍّين، من الذين لايرون في الدين إلاُ ضيق أفق مذهبهم وقلًّة تسامحهم، أن يجرُّوكم إلى صراعاتهم الطائفية. سيحاولون تدنيس ثوراتكم بالإصرار على أنها لم تقم من أجل الحقوق الإنسانية المعقولة وإنٌّما قامت من أجل كسب المزيد من السلطة في أسواق جنون السلطة. ولأنًّ من أهمٍّ الأسس التي قامت عليها المذهبية في تاريخ المسلمين كانت الصٍّراع من أجل السلطة الدنيوية فإنهم لايستطيعون الخروج عن هذه الجدلية المذهبية التاريخية العقيمة وعن زجٍّها من جديد في ساحات السياسة.

ستسمعون من أبواق سادة الرَّشوة والإفساد وستقرأون لكتبتهم الموتورين ما يحرفكم عن آمالكم وتطلٌّعاتكم العادلة المتواضعة. سيركز هؤلاء على شعار خاطئ، على تصُّرف غير مقبول، على راية هنا، على حركة جسم هناك، ولكنًّهم لن يقولوا قط كلمة حق أو تعاطف أو تفهُّم بشأن الجحيم الذي تعيشونه. لن يخطر على بالهم ذاك الذي لا يحصل على قطعة أرض أو مسكن شديد التواضع إلاُ بعد ثلاثين سنة من تخرُّجه من الدٍّراسة، ولا أولئك الذين يقضون السنين وهم يفتشون عن وظيفة مجزية بينما الأغراب يحتلُّونها وينعمون بخيراتها، ولا ضحايا عدم المساواة وتكافؤ الفرص في ألف ساحة وساحة. لن تخطر على بالهم حقوق الناس في الحريُّة والكرامة الإنسانية والعدالة الرًّبانية والإنسانية والمشاركة في أفراح الفرحين. لن ينظروا إلى لباسكم البسيط الرًّث المهترئ ولا إلى وجوهكم الشًّاحبة من قلُّة الغذاء ومن تعب السُّفر في عوالم مجتمعاتكم الظالمة.

أولئك لن يتعاطفوا قط مع رغبتكم في الوقوف دون انحناء الذل والمهانة أوعدم الرٍّضى بالزًّجر والغمز واللًّمز. وكيف يستطيع التعاطف مع ألق تكريم الخالق للإنسان المخلوق من وجهه في وحل الذلً وهو يلعق أيادي الرًّاشين المتعالين القساة المفسدين.

ستسمعون نعيق غلاة الإيديولوجيات وهم لايشبعون من رؤية تضحياتكم ومن سماع أوجاعكم، فيدفعون إلى المزيد منها، بينما يجلسون في المقاهي والمطاعم يثرثرون بشأن عرقكم ودموعكم ودمائكم. سيعزف هؤلاء على أوتار الكراهية والبغض لهذه الجهة أو تلك ويبعدونكم عن منطلقات ثوراتكم.

أولئك جميعاً، وغيرهم كثيرون، سيثيرون الغبار والأتربة والدُّخان في ساحات ثوراتكم النًّاصعة البياض ويقلبونكم من صنًّاع التاريخ بحق إلى صنًّاع الفوضى عندما تصبح الرؤيا متعذٍرة على كل من يدخل في لعبتهم، لعبة الكراهية العبثية.

قديماً قال أحدهم بأن أولى الخطوات التي تقود نحو الكراهية هي ممارسة عدم التسامح، إذ أن تاريخ عدم التسامح هو تاريخ الكراهية في مسيرة البشر، والتي كم ولًّدت من أحزان وآلام وفواجع. من هنا تركيز أقوالهم وكتاباتهم وأفعالهم وهلوساتهم على إقناع الكل، مسؤولي الدولة ومواطني المجتمع، بعدم التسامح حتى يدخلوا الجميع في جحيم تلك الكراهية التي تشعُّ من عيونهم. ولأنُّهم يعرفون جيداً بأن الكراهية لا توجد إلاً عندما يغيب العقل والرُّشد وتذبل الحكمة فإنهم يبذلون الجهود المضنية ليغيب العقل الجمعي في مجتمعات العرب وتحلً العواطف الهوجاء. لكن هؤلاء لا يدركون بأن الكراهية التي ينشرونها لا تؤدٍّي، كما كتب أحدهم، إلاً إلى عقاب كراهية الكارهين لأنفسهم، وكراهية النفس هي أسوأ أنواع المعاناة الإنسانية.

لسنا معنيين بإنقاذ صانعي وناشري الكراهية وعدم التسامح، فهؤلاء سيحترقون في النًّار التي يوقدونها باسم الطائفية والقبلية والحزب وشعارات الأمن والنظام وغيرها من كلمات الحقًّ التي يراد بها باطل، هؤلاء لا يستطيعون أن يجادلوا بالتي هي أحسن، هؤلاء الذين قست قلوبهم إذ نسوا اللًّه فأنساهم أنفسهم. لسنا معنيين بهؤلاء، لكننا معنيون بكم، شباب الأمة، أنبل وأطهر ما فيها، من أن تنحرفوا بثوراتكم إلى الطرق المسدودة، طرق الكراهية والبغضاء والحقد على من يسدون آذانهم وأعينهم عن آمالكم وأحلامكم وعزًّة نفوسكم.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 26 / 582115

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010