الاثنين 14 آذار (مارس) 2011

التحليل النفسي للوضع الليبي

الاثنين 14 آذار (مارس) 2011 par د. عبد الاله بلقزيز

العقيد القذافي يحتقر شعبه، ليس لأنه وَصَفَ “مواطنيه” بالجرذان، واستصغر عقول الناس وعيونهم التي تُبصر، فشاء “إخبارهم” بأن الملايين الثائرة ضدّه هم جملة عشرات أو مئات من “العملاء” . وإنما هو يحتقر شعبه لأنه يزهق أرواح أبناء ليبيا بدمٍ بارد وكأنه يرشّ ذباباً ببخاخ كيماوي . كأن القذافي منح الناس الحياة حين شاء، وهو ينزعها عنهم اليوم إذ يشاء .

احتقاره الشعب مسلك سلكه منذ عهد طويل وأدمنه حتى بات سمة تفرَّد بها حكمه . جميعنا يذكر أنه قال مرة وردّد ذلك بعض أركان “نظامه” إن الشعب الليبي لا يستحق “ثورة الفاتح” ونظامها “الجماهيري” و”الكتاب الأخضر”، وإن هذه إنما تناسب شعباً آخر متحضراً مثل الشعب السويسري . ونعرف، على وجهٍ أدقّ، ما لقيه الليبيون من بطش وقمع من أجهزة حكمه الأمنية، وما أصاب المعارضين لسلطته من أذى فاق المعدّل القمعي المعروف لدى أعتى الدكتاتوريات في العالم، ووصل في كثير من الحالات إلى التصفية الجسدية . ومثلما هو وصف المتظاهرين اليوم بالجرذان، وصف المعارضين أمس ب”الكلاب الضالة” وما خفي أعظم في جعبة مفرداته التي تشهد على نوع الطينة التي ينتمي إليها “نظامه” و”الثقافة السياسية” السائدة فيه .

لا يستطيع النظام الليبي أن يتخيل، وللحظة، أن في ليبيا من يمكن أن يتظاهر ضدّه ويطالب برحيله، فكيف إذا كان المتظاهرون بالملايين لا بالعشرات والمئات . ولذلك، هو لا يكذب في خطبه مثلما اتهمه المتظاهرون حين يقول إن أية مظاهرة لم تخرج في بنغازي ودرنة والبيضاء وغيرها من المدن تهتف ضدّه، مثلما تنقل وسائل الإعلام بالصوت والصورة، وإنما خرجت تؤيد “ثورة” الفاتح وزعيمها . وليس قوله هذا من باب نقصٍ في المعلومات لديه، وحجب لها عنه من قِبَل مَن يحيطون به، وإنما يُرَدُّ إلى صورة كوّنها العقيد عن نفسه وصدّقها وبات أسيراً لها لا يستطيع من قيدها فكاكاً . فالرجل زعيم زعماء عصره، قائد ثورةٍ لا سابق لها في التاريخ، ومُلْهم البشرية بنظريةٍ ثالثة أودع أسرارها في “الكتاب الأخضر”، ومؤسّس دولةٍ عظمى كما يحمل اسمها وعميد الحكام العرب، وملك ملوك إفريقيا . . إلخ . وهو فوق هذا لا يحكم، فالسلطة في بلده للشعب، فكيف يثور الشعب على نفسه؟

لا يَسَعُ شعب ليبيا أن يثور مرتين، فلقد ثار مرة واحدة وإلى الأبد ضدّ الملكية ومن أجل نفسه وذلك قبل نيف وأربعين عاماً . الثورة الوحيدة عند العقيد هي ثورة الفاتح العظيم، ومن يَبْتَغِ غيرها فلن يُقبل منه، وهو إمّا مخدوع لأن مَلَكاته العقلية لم تؤهله لفهم ثورة الفاتح وفلسفتها وكتابها الأخضر، ولا معنى سلطة الشعب التي منحها القائد لشعبه قبل أربعة وثلاثين عاماً، وإمّا عميل متعاون مع الأجنبي، من نوع هذه “الجرذان” التي تخرج من جحورها لتعيث فساداً في مطبخ الثورة وتنقُل الطاعون إلى الشعب .

ما الذي يريده هؤلاء “الجرذان”: الدستور؟ وماذا يكون “الكتاب الأخضر” غير الدستور الذي وضعه القائد العظيم للثورة العظيمة والذي تتمناه شعوب الأرض كافة بعد أن اكتشفت النّعَم التي أنْعَمَ بها على شعب ليبيا؟ لو عَقِل “الجرذان” المسألة، ما كانوا ليقترفوا هذا الإثم العظيم تجاه نصٍّ لم يُكتب مثله في الأرض وقد لا يستحقونه، وهم “الجَهَلَة”، أو يليق بأمثالهم وقد أحرقوا نسخه ودمّروا مجسماته وهم لا يدرون ماذا يفعلون .

ماذا يريدون: الديمقراطية؟ وماذا تكون “سلطة الشعب” التي مُنحُوا إياها، منذ عام ،1977 غير تلك الديمقراطية النموذجية التي لم تَهْتَدِ إليها أمّة من أمم الأرض وشعب من شعوبها غير شعب ليبيا وقيادته الاستثنائية؟ وماذا تكون “اللجان الشعبية” غير المؤسسات التمثيلية المباشرة التي لا تضاهيها برلمانات أو مجالس تسيير ذاتي في العالم كلّه في تمثيليتها وشفافيتها وسلطة القرار الواسعة فيها؟

يريدون الحرية؟ وهل من شعب حُرّ مثل شعب ليبيا في العالم؟ ألَمْ تحرِّره الثورة من النظام الملكي، ومن النظام الجمهوري، ومن الليبرالية الغربية، ومن أفكار العصر الهدّامة كالفردية والاختلاف والحق في المعارضة مما لا يليق بتقاليد البداوة وجماهيريتها؟

“جرذان” لا يفهمون زعيمهم لأنهم دون مَلَكاته العقلية درجات، يطأطئون رؤوسهم فيما رأسه على الدوام مرفوع بحيث لا تكاد عينه تُبْصر غير الأعلى . الأفارقة وحدهم يفهمونه، ووحدهم يليق بهم أن يكونوا من رعاياه ومن حُمَاة ثورته . ولذلك هبّوا من كل حدب وصوب ليدافعوا عنه بالحديد والنار حين خانه “شعب الجرذان” .

والعقيد يحتقر شعبه لأنه أسير شخصيته التي كوّنتها أوهام العظمة عنده . ما يقوله، ما يفعله، ما تقترفه يداه، ليس قابلاً للفهم والتحليل بمفردات علم السياسة وعلم الاجتماع السياسي . من يحاول ذلك بهذه المقدمات كمن يطبخ الحَصَى أو يَعْجن الماء والهواء . أمام حالة باثولوجية، مثل هذه، لا سبيل إلى الفهم إلا بتوسُّل أدوات التحليل النفسي .


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 33 / 566378

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010