السبت 26 شباط (فبراير) 2011

ارتباك وتحديات ما بعد ثورة يناير

السبت 26 شباط (فبراير) 2011 par طلعت رميح

الآن انفتحت قضية استمرارية ثورة يناير في مصر حتى تحقيق كامل أهدافها، وأصبحت الأكثر إثارة للحوار والنقاش من غيرها، لقد انتهت المرحلة التي كانت نتائجها غير متوقعة حتى من القائمين عليها، ودخلت الثورة الآن مرحلة جديدة لم يكن هناك تفكير فيها من الأصل، وتلك إحدى السمات الخاصة جدا والغريبة لتلك الثورة.

لقد انتهت المرحلة الأولى إلى مغادرة مبارك وتحول الحزب الوطني إلى حالة هلامية مضطربة مطاردة، وجرت الاستجابة لمطلب حل مجلسي الشعب والشورى وبدأت إجراءات تعديلات الدستور بعد تشكيل لجنة جديدة نالت رضا الرأي العام بحكم رئاسة المستشار طارق البشري لها، وأصبحت مطاردة الفساد حالة عامة على صعيد مؤسسات الدولة خاصة النائب العام، بما أوصل ثلاث وزراء وأمين تنظيم الحزب الوطني إلى السجن، وصل الأمر حد إصدار قرار بالتحفظ على أموال الرئيس السابق حسني مبارك وزوجته وأولاده وزوجاتهم، كما تجري مطاردة الفساد على يد المواطنين الذين صاروا يواجهون الفساد حتى درجة التطرف في المطاردة، وجرت عملية تغيير في حكومة الدكتور أحمد شفيق كانت حلما، إذ دخل الوزارة بعض من رموز أحزاب المعارضة. . إلخ.

انتهت ملامح وربما أهداف المرحلة الأولى أو تحققت شعاراتها، ودخلت أوضاع الثورة إلى حالة جديدة على صعيد أهدافها وطبيعة قواها، السؤال المحوري الآن هو إلى أين وكيف ومن مع من، ومن أبعد عن من؟ في المرحلة الجديدة تبدو قوى الثورة قد وصلت إلى حد تلمس المصالح السياسية الخاصة لبعض أطرافها بالاختلاف مع بعضها البعض " وفي ذلك هي تدخل مرحلة تحول مهمة ومؤثرة على فكرها حتى وإن لم يتأثر نشاطها الآن بشكل ظاهر، وإن كان الأمر وصل الأمر حد مطالبة بعض القوى المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإطالة الفترة الانتقالية من ستة أشهر إلى سنة، حتى تتمكن التيارات السياسية الجديدة -التي ولدت أو قويت خلال الأعمال الثورية في ميدان التحرير -من الوصول إلى الجمهور العام وبلورة عوامل قوتها الجماهيرية، وقيل مباشرة إنها تندفع إلى هذا القول خوفا من أن تستولي على الحكم الجماعة الأكثر تنظيما في الساحة السياسية المصرية، أي الإخوان المسلمون، وفي ذلك يجرى تلمس حدوث تغيير في العلاقات والتحالفات بين الأطراف التي تشاركت في صنع وقيادة الحالة الجماهيرية في ميدان التحرير.
وفي المرحلة الجديدة بدا أن أسلوب الضغط السياسي والجماهيري واتجاهه وحالته –الذي ميز هذه الثورة- بدا يشهد تغييرا، الآن تجرى حالة من التضاغط بين المتظاهرين والقائمين على الحكم الآن، إذ يفهم من مظاهرات الجمعة قبل الماضية أننا لم نكن فقط أمام جمعة الاحتفال والفرح فقط، بل كنا أمام استكمال حالة الضغط وإن بشكل دبلوماسي لاستكمال مهام التغيير، وهنا بات يطرح تساؤل حول مدى استمرارية ذات الأسلوب في الوقت الذي يكاد المتظاهرين لا يجدون أهدافا كبرى للحشد، وقد لاحظ المتابعون أن قسما من قوى تلك التحركات كان اعتزم ترتيب تظاهرة في يوم الثلاثاء الماضي، إلا أن قسما آخر رفض الفكرة، وهو ما طرح حالة جديدة من حالات طريقة اتخاذ القرار، إذ كانت الدعوة لتلك المظاهرة قد صدرت بالفعل، لكنها انتهى إلى عدم النفاذ والتطبيق ولم تخرج المظاهرة.

وفي المرحلة الجديدة أيضا، باتت التمايزات تتضح أكثر في داخل مجموعات الشباب الذين كانوا الدافع والمحرك ووقود تلك الثورة، إذ صارت تتبلور في داخلهم وعلى نحو متسارع مجموعات سياسية في صورة أحزاب، حتى ظهر حتى الآن ستة أحزاب، وهو أمر يحمل دلالات متعددة منها، إن النظام السياسي الجديد (القادم) صارت تظهر ملامحه من الآن، وأن الأحزاب القديمة صار يظهر في مواجهتها أحزاب جديدة تحمل زخما سياسيا وجماهيريا كبيرا، إلا أن الأهم هو أننا أمام تحول جديد، إذ المجموعات التي كانت حالة هلامية خلال أحداث ميدان التحرير، صارت تتضح ملامحها الفكرية والسياسية المختلفة أو التعددية، وبطبيعة الحال تمايزاتها مع بعضها البعض، وهو عكس ما كان من قبل، بما وضع النظام السابق في أزمة حين أراد التعامل معهم ولم يكن يعرف ماذا هم عليه.

وقد لاحظ المتابعون أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة وإن ظل على تصرفه الذي يحترم حقوق المواطنين في التظاهر والاعتصام، إلا أنه شدد على خطورة حالة الفوضى والتوتر في البلاد وتعطيل العمل في المؤسسات العامة، واعتبر استمرار تلك الحالة أحد مهددات الأمن القومي لمصر. والأهم أن دخلت الثورة حالة جديدة غريبة، إذ لم يعد أحد يعرف من قام بالثورة ومن دعمها ومن يساندها أو من الأصيل في فعلها ومن هو غير الأصيل، وفي ذلك بدا احتمالية حدوث ارتباك وربما اضطراب في متابعة الجمهور لفعاليات ما هو قادم.

أحد أهم الإشكاليات التي تواجهها ثورة يناير وثوارها –حسب اللفظ المتداول- أن الجمهور العام المؤيد للثورة قد أصبح الآن لا يعرف من هو الأصيل في فهم تلك الثورة ومن هو الذي ادعى وركب الموجة، حتى سادت تعبيرات مثل سرقة الثورة وتعطيلها والاستيلاء عليها. . إلخ. لقد حدث تماهٍ سريع بين جهاز الدولة القديم وشعارات تلك الثورة، كما تماهى معها قدر واسع من المثقفين والصحفيين وكثير من البيروقراطيين، وقد جرى هذا التغيير من حالة الرفض إلى التماهي في صورة أشبه بالانقلاب، إذ أصبح الكل مؤيدا لتلك الثورة ورافعا للشعارات التي رفعتها هي ذاتها ومدافعا عن المواقف ذاتها، بما خلط الأوراق، إذ الكثير من هؤلاء كان حتى ليلة سابقة لهذا الانقلاب في موضع المشهر والناقد لها والعامل على إجهاضها، لقد انضم إلى شعاراتها قطاع طامع في الحصول على مواقع أو ميزات في الوضع الجديد الذي يجري ترتيبه، وربما هناك من وجد فيها فرصة لإطاحة من كان يناصبه العداء.. إلخ.

وزاد من تأثير مخاطر تلك الحالة أن تنحى مبارك جاء وكأنه نهاية المطاف بسبب صعوبة تحقيق الهدف وهو ما جعل الرأي العام يندفع للاتجاه الآخر ويشعر بالرضا. لقد شعر الرأي العام بالرضا على اعتبار أنه أطاح بالرئيس السابق حسني ومبارك وشعر بالرضا أكثر بعد أن بدأت الأجهزة القضائية رحلة مطاردة ثرواته. الآن صارت الفعاليات تجري بلا أهداف كبيرة واسعة يمكن الحشد حولها إذ تجري المطالبة الآن بمحاكمة بعض الرموز الباقية من النظام وعلى رأسها صفوت الشريف وزكريا عزمي والدكتور أحمد فتحي سرور، ولإقالة حكومة د. أحمد شفيق.. إلخ وهي في مجملها مطالبات لا تقدم تحديا كبيرا ويمكن تحقيقها أو ربما هي في الطريق للتحقيق حتى إن البعض صار يقول إن ثمة أجندة مشتركة بين القرار من أعلى والضغوط في الشارع.

التماهي الذي حدث قام بالأساس على فكرة خلط الأوراق، واستثمار الحدث بأكثر منه حالة حقيقية من حالات "الانضمام للثورة"، كما أن من انضم إليها ممثلو قطاع واسع –يفوق قدرة وطاقات الكوادر الحالية- ولذا أصبحت الأوراق والخطوط والمواقع في حالة تداخل حقيقي، يكاد يهدد بفقد الاتجاه أو هو يكاد يدفع بالأمور إلى وضع وحالة الارتباك.

الأوضاع في تلك الحالة الجديدة باتت تتطلب وعيا بالمرحلة حتى يمكن تخطيها، وهنا يبدو "الثوار" في مأزق متعدد الأوجه والأبعاد. هناك أولا أن الأطراف المشاركة من قبل لم تعد على نفس المواقف من القضايا التالية، وإذا كانت قضية الديمقراطية واستحقاقاتها مثلت محورا للالتقاء بلا أدنى اختلاف بين كل الأطراف التي تعايشت في ميدان التحرير، فلاشك أن الموقف من قضايا السياسة الخارجية (العلاقات العربية-الموقف من إسرائيل وأمريكا وغيرها-لا يوجد حوله نمط من الإجماع عند كل الفرقاء، كما أن الخلاف حول السياسة الخارجية مع بدء التحضير للانتخابات البرلمانية والرئاسية القادمة سيفعل فعله في تفتيت حالة التحالف والتوافق التي كانت متحققة بالفعل. أمر السياسة الخارجية عند الإخوان لن يكون هو ذات الموقف لدى البرادعي وأسامة الغزالي حرب أو عند الوفد والتجمع من الأحزاب القديمة إلخ.

وهناك ثانيا أن القضايا التالية لعملية التغيير لعملية الإطاحة الأولى لا تتعلق بأشخاص بل بمفاهيم وفلسفة الحكم والمجتمع وفي ذلك يندر تحقيق الإجماع السياسي والجماهيري. هنا نحن في مأزق حقيقي، الثورة المصرية تلك هي حالة خاصة للغاية من زاوية عدم إعلانها عن وجود قيادة معلنة لها، ومن زاوية ظروف بدئها، إذ لم يكن واردا فيها –حقيقة-ما وصلت إليه فعليا. وهي اعتمدت حالة جماهيرية متوحدة في نطاق جغرافي موحد يحافظ على التماسك لكن طريقتها وأسلوبها لم يحمل فكرة الخطط المسبقة المعدة للتغيير الشامل، إذ حتى الانقلابات تحمل طابعا تخطيطيا مسبقا، فما بالنا بالثورات التي هي فعل واسع وعميق ومعقد، بطبيعته يتطلب هذا النمط الأرقى من الفكر والتخطيط.

التغيير القادم ما بعد إطاحة حسني مبارك يتعلق بتغيير لطبيعة نظامه لا شخوص قيادة نظامه، وهو أمر يتطلب الاتفاق على فلسفة جديدة، لا يجري الاتفاق عليها من خلال الحركة ولا البرامج، باعتبارها نمطا فكريا مسبق أو سابق للحركة، هكذا كانت التغييرات في أوروبا وليدة نهضة فلسفية وعلمية واقتصادية، جاء التغيير تتويجا لها.
ثمة مأزق من نوع آخر، وهو حقيقي وبالغ الخطر والتأثير. في الواقع العملي الراهن، تجني مصر كوارث نظام مبارك وقبله السادات ليس على الصعد التي تجري على الألسنة بها فقط وهي صحيحة مثل كامب ديفيد وغياب الحريات وانتشار الفساد، بل الأخطر أن نظامي الحكم هذين قد أعادا تشكيل وهيكلة المجتمع (فئاته وفكره وثقافته وتقاليده) على نحو كبير ويكاد يكون شاملا، بما يتطلب سنوات طوال ومفاهيم وفلسفة محددة وطريقة للتغيير، عميقة.
ثمة أمران يمكن الإشارة لهما هنا لتتضح بعض ملامح المأزق، الأمر الأول يتعلق بما حدث من تغير في التركيب الاجتماعي للمجتمع حقيقة وعلى نحو شامل. الأمر الخطر في المجتمع.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 26 / 581607

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010