السبت 5 شباط (فبراير) 2011

النظام عدو نفسه

السبت 5 شباط (فبراير) 2011 par عريب الرنتاوي

دللت وقائع الأيام الأخيرة لانتفاضة شعب مصر ، أن أخطر عدو للنظام ، هو النظام نفسه ، وإن فرص سقوطه ورحيله ، تتعزز باستمرار جرّاء الأخطاء والخطايا التي يقارفها رموزه وأركانه.

فبعد أن بدا لـ"وهلة" أن الرئيس حسني مبارك ، بخطابه العاطفي الذي دغدغ فيه مشاعر المصريين وعواطفهم ، وخاطب كل ما فيهم من مخزون إنساني متسامح ، موقظاً "أخلاق القرية" المستقرة في دواخلهم ، نجح في استعادة قدر من التعاطف الشعبي. ولقد كان من الممكن البناء على نتائج هذا الخطاب وتداعياته ، لولا لجوء أركان النظام ، إلى سالف ممارساتهم وسلوكيّاتهم الاستعلائية المستبدة ، وإيعازهم لرجالات الأجهزة الأمنية المنحلة وعصابات البلطجية بالهجوم على المحتجين في ميدان التحرير. هذه الخطوة بما خلّفته وخلّقته من ردود أفعال وتداعيات ، امتصت مفاعيل الخطاب الرئاسي ، وجعلت المصريين "لا ينظرون إلى الدمع في عيني مبارك ، بل يتتبعون ما فعلته أيدي رجالاته وبلطجيته".

وبعد المؤتمر الصحفي الأول الذي عقده رئيس الوزراء أحمد شفيق ، والذي كان في خلاله "مقنعاً ومؤثراً" ، وحاول بنجاح امتصاص غضب الكثير من المصريين الغاضبين ، جاءت تصريحات نائب الرئيس عمر سليمان الاستفزازية ، لتشطب دفعة واحدة ، ما جهد رئيس الحكومة في تحقيقه ، فالنائب سليمان نسب إلى المنتفضين أجندات خاصة وخارجية ، وهو أقام تماثلاً ما بينهم وما بين جماعة الإخوان المسلمين ، وكل من راقب المشهد المصري ، يدرك تمام الإدراك أن نائب رئيس الجمهورية تصرف كضابط مخابرات ، اعتاد التمترس خلف هذه الاتهامات الجاهزة المعدة مسبقاً لمواجهة الخصوم والمعارضين ، ولم يتصرف كزعيم مناط به أمر إخراج مصر من محنتها واستلام الراية من سلفه.

وجاء استمرار الاعتداءات على المتظاهرين من قبل البلطجية وفلول أجهزة الأمن ، بالضد من وعود سليمان وشفيق ، وفي ظل "حياد مريب" للجيش ، ودعوة متناغمة صدرت عن قيادته وعن نائب رئيس الجمهورية ، لوقف التظاهرات والعودة للمنازل ، جاء كل ذلك ، ليثير مخاوف شبان مصر وشاباتها ، ويزيدهم اقتناعاً بأن "النظام" لم يرفع الراية البيضاء بعد ، ولم يسلم بمطالب الثورة المصرية ، وأن كل ما يفعله ويفكر فيه ، ليس سوى محاولة للالتفاف على الثورة وقطع الطريق على مقاصدها وأهدافها ومراميها.

ولعل أكثر المفارقات إثارة للسخرية والغضب ، تلك النبرة الإتهامية التي ما زالت تطل برأسها من ثنايا الخطاب الرسمي للنظام ، وحديث بعض أركانه المتكرر عن "مؤامرة خارجية" ، في اتهام صريح ومباشر للمنتفضين والقوى المحركة لهم ، بأنهم عملاء للولايات المتحدة وإسرائيل ، ويربط هذا الخطاب بين دعوات إسقاط النظام وضغوط واشنطن للتسريع في إنجاز عملية نقل السلطة وإستقالة مبارك...جذر المفارقة المضحك ، يكمن في كون ممثلي أكثر النظم العربية تهافتاً أمام واشنطن وتخاذلا أمام إسرائيل ، هم من يلقون الاتهامات بالتهافت والتخاذل على خصوم النظام ، إما الجانب المأساوي في المسألة برمتها ، فيتجلى في إدراك هؤلاء كم هو مخزْ ومذل ومشين ، أن يكون المرؤ تابعاً لواشنطن ومتهافتاً أمام إسرائيل ، وإلا لما قذفوا خصومهم بهذه الاتهامات القذرة ، ولما لجأوا إليها لحرقهم وعزلهم ، فكيف ارتضى هؤلاء على أنفسهم أن يكونوا في هذا الموقع وعلى هذا الشاكلة وطوال عقود ثلاثة من السنين ؟،.

لقد أتيح لنا أن نعرف عن عمر سليمان ومنه شخصياً ، وخلال يومين فقط ، أكثر مما سمعنا وعرفنا عنه طول ربع قرن أو يزيد ، وبتنا إكثر اقتناعاً بأن بقاء الرجل في موقعه ، وتوليه مهام "مرحلة ما بعد مبارك" لا يعني سوى استمرار "المباركية" من دون حسني مبارك...لا يعني سوى استمرار النظام القديم ، وبنفس الأسماء والوجوه كذلك.

إن لم تنجح الثورة في تفكيك النظام القديم...إن لم تنجح الثورة في وضع أسس صلبة لعملية انتقال السلطة ، لا تترك مقاليد الحل والربط في أيدي نفر قليل من رجالات مبارك "الأوفياء" ، فإن مخاطر الانتكاس وفرص النكوص على المكتسبات ، ستظل قائمة ، بل وقائمة بقوة...والأمل ، كل الأمل معقود ، على وعي الثورة بهذه المؤامرات والمناورات ، ...الرهان ، كل الرهان ، منصب على ثورة الوعي التي تجتاح الشوارع المصرية.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 9 / 581757

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010