السبت 5 شباط (فبراير) 2011

تحديات انهيار حزب العمل "الإسرائيلي"

السبت 5 شباط (فبراير) 2011 par د. محمد السعيد ادريس

لم يتمكن بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة “الإسرائيلية” اليمينية أن يهنأ سوى لأيام، وربما لساعات قليلة بالانهيار الذي حدث في حزب العمل بانسحاب كتلة إيهود باراك من هذا الحزب وانضمامها الفوري إلى حكومة الائتلاف الليكودية، والسبب المباشر في ذلك يرجع إلى حدوث تطورات مهمة خارج “إسرائيل” جعلت توقعات نتنياهو بخصوص رئاسته لحكومة قوية ومتجانسة إزاء عملية التسوية، وخيارات “إسرائيل” الاستراتيجية وفي مقدمتها خيار بناء الدولة اليهودية والتوسع الاستيطاني والتشدد في الاستجابة لأية ضغوط دولية لتقديم تنازلات للفلسطينيين خارج ما تريده الحكومة، توقعات هشة .

فعلى مدى الأشهر الماضية، كان حزب العمل يمثل شريكاً مناوئاً لسياسة التشدد “الإسرائيلية”، وكان إيهود باراك وزير الدفاع، حتى بعد تخليه عن رئاسة هذا الحزب، مضطراً لتبني مواقف حزبه داخل الحكومة، وكثيراً ما كان هذا الموقف يضع نتنياهو بين خيارين لا يقبل بهما، هما: إما الاستجابة لمطالب حزب العمل والتضحية بوجود حزب “إسرائيل بيتنا” بزعامة وزير الخارجية افيجدور ليبرمان، وإما رفض مطالب حزب العمل والتضحية به حرصاً على بقاء ليبرمان وحزبه في الحكومة، أما الآن وبعد انسحاب إيهود باراك وفريقه من حزب العمل وتشكيلهم لحزب جديد أعطوه اسم “عتسمؤوت” (الاستقلال) سرعان ما أعلن انضمامه إلى الائتلاف الحكومي والحصول على أربع حقائب وزارية رغم أن عدد نواب هذا الحزب مجرد خمسة نواب فقط حصل أربعة منهم على تلك المناصب وعلى رأسهم إيهود باراك الذي احتفظ بوزارة الدفاع ولم يتبق إلا النائبة عنيات ولف التي تولت رئاسة الحزب الجديد .

خروج إيهود باراك ومجموعته من حزب العمل أعطى نتنياهو فرصاً مهمة أولها بالطبع التخلص من المجموعة اليسارية المناوئة لسياسته الحكومية وخاصة ما يتعلق بمطالب السلام، وثانيها، انضمام كتلة باراك للحكومة ما زاد من قوتها وتماسكها السياسي، نظراً لأن باراك ومجموعة كانوا يمثلون قادة اليمين داخل حزب العمل، وأصبحوا أقرب في توجهاتهم سواء بالنسبة للاقتصاد أو القضايا الاجتماعية أو ما يتعلق بالسلام وشروطه إلى حزب الليكود، وثالثها أن انسحاب باراك ومجموعته من حزب العمل ستؤدي حتماً إلى انهيار هذا الحزب اليساري أو الذي كان يسارياً والذي أسس الدولة الصهيونية عام 1948 وظل يقودها حتى عام 1975 عندما وصل حزب الليكود للمرة الأولى في تاريخه بزعامة مناحيم بيجن إلى الحكم كواحدة من أهم نتائج الفشل العسكري “الإسرائيلي” في حرب أكتوبر/تشرين الأول عام 1973 .

الانهيار المحتمل لحزب العمل إشارة مهمة لانهيار تيار اليسار “الإسرائيلي” الذي لم يعد أمامه إلا أن يتلاشى ويتحول إلى يمين الوسط وينضم إلى عضوية حزب “كاديما”، أو أن يعيد إحياء تيار يسار على أسس جديدة تختلف عن تلك الأسس التي بني عليها اليسار “الإسرائيلي” تحت قيادة حزب العمل الذي استمد يساريته من الأصول الأيدويولوجية لقياداته الذين جاءوا من دول أوروبا الشرقية الشيوعية وليس على أسس طبقية عمالية وفلاحية .

هذا الخيار الأخير شديد الصعوبة في ظل ما حدث من انهيار للاتحاد السوفييتي والكتلة الاشتراكية العالمية وما استتبعه من تراجع مكانته الأيديولوجية الاشتراكية وتوحش الرأسمالية العالمية، وفي ظل التحولات الاقتصادية “الإسرائيلية” في العقدين الأخيرين بالتحول نحو الخصخصة وتراجع مكانة مؤسسة العمل “الإسرائيلية” “الهستدروت” ولن يكون هناك أمل في خيار إحياء يسار “إسرائيلي” جديد إلا من خلال سلوك نهج اليسار اللاتيني وهذا أمر شديد الصعوبة في ظل محدودية فرص ما بقي من قوى اليسار “الإسرائيلي” وتراجع شعبيته بدرجة كبيرة .

هذه النتائج جعلت نتنياهو يعتقد أنه بات يسيطر على كتلة ائتلافية قوية ومتجانسة، وأنه لم يعد مضطراً للدخول في أية مساومات، وأن في مقدوره أن يحلّق في أفق سياساته بجناحين قويين، الأول: يقوده إيهود باراك وزير الدفاع والثاني: يقوده افيجدور ليبرمان وزير الخارجية، وأنه بات معنياً بالتركيز على مشروع بناء “إسرائيل الكبرى اليهودية” التي يجب أن تقوم على كل أرض فلسطين التاريخية، وأن أمامه فرصاً مهمة لتحقيق ذلك سواء مع الرئيس الأمريكي أوباما الذي سيكون في أمسّ الحاجة لدعم “إسرائيل” والجاليات اليهودية الأمريكية في الانتخابات الرئاسية وانتخابات الكونغرس القادمة بعد أقل من عامين، أو بالنسبة للشريك الفلسطيني الذي أضحى في أضعف حالاته في ظل هشاشة السلطة وفي ظل الفشل في تحقيق وحدة وطنية فلسطينية بسبب الخلافات الشديدة التي حالت دون تحقيق المصالحة بين السلطة وحركة “حماس”، ناهيك عن الانفجار الذي كان محتملاً أن يحدث في لبنان في ظل حكومة سعد الحريري وإصرارها على المضي قدماً في مشروع المحكمة الدولية الخاصة بالتحقيق في جريمة اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري .


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 18 / 565585

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010