الخميس 4 تشرين الثاني (نوفمبر) 2010

عريقات : نصف اعتراف... بعد خراب مالطة!

الخميس 4 تشرين الثاني (نوفمبر) 2010 par د. فايز رشيد

نشرت صحيفة «الاتحاد» الإماراتية (الجمعة 29/10) ترجمة لمقالة نشرها صائب عريقات في صحيفة «واشنطن بوست» يقول فيها (بعد تجربة عقدين من التفاوض بيننا وبين «الإسرائيليين» يمكن القول : إن التفاوض المباشر وحده لا يوفر ضماناً كافياً للتوصل إلى صفقة سلام).

اعتراف كبير المفاوضين الفلسطينيين الذي طالما تغنى بالمفاوضات مع العدو الصهيوني، إلى الحد الذي ألفّ فيه كتاباً اسماه (الحياة مفاوضات) جاء متأخراً وناقصاً. مثلما يقول المثل (بعد خراب مالطة)، فقد أتى بعد أن صادرت «إسرائيل» ما يزيد على 65% من الأراضي في الضفة الغربية وبعد تسمين المستوطنات وتهويد القدس الشرقية ووجود ما يزيد عن العشرة آلاف معتقل فلسطيني في السجون «الإسرائيلية»، وبعد الاغتيالات والتدمير واجتياح المناطق الفلسطينية وبعد العدوان على غزة وتسميم عرفات، وبعد وبعد، فالقائمة طويلة لما اقترفته «إسرائيل» وما تزال من مصادرة دائمة لحقوق الفلسطينيين في أراضيهم وفي مجالات حياتهم تحت سمع وبصر المفاوضين الفلسطينيين، الذين رغم ذلك استمروا في تفاوضهم مع «الإسرائيليين» مدة تقارب العقدين وما زالوا يبدون استعدادهم للتفاوض إذا ما (تكّرم) نتنياهو وقام بتمديد تجميد الاستيطان (الإعلامي فقط) مدة شهرين أو ثلاثة أشهر وفق ما تتحدث الأنباء.

عريقات لم يوضح في مقالته الآنفة الذكر الخيارات الأخرى التي تجبر «إسرائيل» على الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية. وهو يعتبر أن الشرط لنجاح المفاوضات مثلما يكتب في مقالته : (أنه لا بد أن تصاحب المفاوضات بالتزام مباشر ومبدئي بالقانون الدولي). على ما يبدو فإن كبير المفاوضين الفلسطينيين مثلما يحب أن ينادى. لم يستفد من التجربة مع «إسرائيل» في رفض تطبيق القرارات الدولية. فعلى ما يزيد على الستة عقود ترفض «إسرائيل» تطبيق قرارات الأمم المتحدة حول الحقوق الفلسطينية. وذلك بضوء أخضر بالطبع من حليفتها الاستراتيجية : الولايات المتحدة. القرارات من وجهة النظر «الإسرائيلية» وكما صرح عديدون من قادتها ومندوبها الأسبق في الأمم المتحدة : لا تستحق قيمة الحبر الذي كتبت به!

السلطة الفلسطينية تطرح بدائل لتوقف المفاوضات أبرزها : محاولة استصدار قرار من مجلس الأمن الدولي بالاعتراف بدولة فلسطينية على كامل حدود منطقة 67 (أي إلى حدود الرابع من يونيو من نفس العام). هذا الإجراء إذا ما قامت به السلطة بالتعاون مع الدول العربية محكوم عليه بالفشل المسبق نظراً للموقف الأمريكي المعارض بالطبع لهذه الخطوة. السلطة الفلسطينية وضمنها كبير مفاوضيها يدركون استحالة هذا الخيار، ولذلك فإن طرحه هو من باب رفع العتب ليس إلاّ!

أما من الخيارات المطروحة الأخرى للسلطة فهو القيام بحل نفسها، هذا أيضاً ليس أكثر من ضحك على الذقون، فالمجتمع الدولي (والولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص) لن يسمح بمثل هذا الإجراء الذي يهدد بعودة المقاومة («الإرهاب» وفقاً للتعبير الجديد). وبعد وجود أجهزة أمنية أشرف على تدريبها دايتون وصحبه، مهمتها المعلنة : الحفاظ على الأمن في المناطق الفلسطينية. أما المهمة الحقيقية : فهي التصدي لمن يفكر القيام بأعمال مقاومة ضد «إسرائيل» من الفلسطينيين. قرارات «الرئيس» عبّاس كانت واضحة في هذا المجال : حل الأذرع العسكرية للفصائل الفلسطينية، جمع السلاح الذي اسماه (غير شرعي) ومحاكمة وسجن كل من يثبت أن لديه سلاحاً. كما أن الرئيس أعلن خياره الوحيد للحل في أكثر من مناسبة. وذلك من خلال المفاوضات والمفاوضات فقط «إسرائيل» من جانبها في غاية الارتياح لوجود السلطة، فهذا الوجود يعفيها من ممارسة مهمتها الاحتلالية المباشرة والخسائر الاقتصادية المرتبة على هذه المهمة. التي تمارسها طبعاً بطريق غير مباشرة. لذلك فإن السلطة تطرح خيار حلّها من أجل الاستهلاك الإعلامي فقط.

أما أحد الخيارات التي طرحها «الرئيس» عبّاس فهو التخلي عن المطالب التاريخية الفلسطينية كإغراء لـ «إسرائيل» من أجل موافقتها على قيام دولة فلسطينية. موضوعياً يقف أمام هذا الخيار عقبات فلسطينية تتمثل في الرفض المطلق من كافة فئات الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده للتخلي عن حقوقه الوطنية التاريخية، التي أقرتها الأمم المتحدة في قرارات واضحة، ثم إن كافة فصائل المقاومة الفلسطينية بمن فيها حركة «فتح» ترفض هذا الخيار، الذي تقف أمامه عقبات «إسرائيلية» أبرزها : أن «إسرائيل» ترفض الاعتراف بدولة فلسطينية ذات سيادة على كامل حدود 67 أو حتى على جزء منها. تريد للفلسطينيين حكماً ذاتياً فقط أي باختصار إدارة مدنية تحت الاحتلال. كما أن المشروع «الإسرائيلي» ماضٍ قدماً في تحقيق شعار «يهودية الدولة». وما من عوامل فلسطينية ضاغطة (ميزان قوى) يجبر «إسرائيل» على الاعتراف بهذه المطالب (الحقوق) التي ترفضها تاريخياً وبشكل مطلق (ففلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض) و(«الإسرائيليون» عادوا إلى أرضهم التاريخية) والضفة الغربية هي (يهودا والسامرة) إلى آخر هذه المقولات التضليلية. «الإسرائيليون» يعتقدون بأنه حتى إقامة حكم ذاتي فلسطيني هو منّة منهم (فمن حق «إسرائيل» طرد الفلسطينيين من أرض «إسرائيل» ومجرد السماح لهم بالبقاء حيث هم هو تنازل «إسرائيلي»). نعم هذه هي العقلية «الإسرائيلية» التي نجابهها، وللأسف فإن السلطة الفلسطينية وضمنها كبير مفاوضيها لا تدرك أبعاد هذه العقلية، أو هي تدرك وتضع رأسها في الرمل حتى لا ترى ما يدور من حولها.

إن من إحدى حقائق الاتفاقيات مع «إسرائيل»، أن هذه الدولة بدأت الاستيطان الفعلي وبوتائر عالية في الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد اتفاقيات كمب ديفيد مع مصر في عام 1979، كما أن وتائر الاستيطان تضاعفت بعد اتفاقيات أوسلو. الغريب أن صائب عريقات في مقالته الآنفة الذكر يعترف بذلك. ولكن من خلال المرحلة بين العامين 1993-2000 ناسياً أو متناسياً الفترة من عام 2000-2010، وهي التي ضاعفت «إسرائيل» فيها استيطانها مئات المرات. مستغلة التفاوض مع السلطة الفلسطينية.

بالطبع مقالة عريقات موجهة بشكل أساسي إلى الأمريكيين والغربيين عموماً، ولكن رغم ذلك كان عليه إبراز المقاومة كخيار أساسي للشعوب المحتلة أراضيها والمسلوبة حقوقها. قد نفهم الأسباب التي منعت عريقات من إيراد هذا الاستنتاج في مقالته، غير أن عريقات حدد خياراته من خلال المفاوضات، فهي الحياة من وجهة نظره، وبالتالي لا وجود لظاهرة أخرى غيرها في قاموسه، تماماً على شاكلة «الرئيس» عبّاس وبقية أركان السلطة الذين يجمعهم قاسم مشترك أعظم. عنوانه خيار المفاوضات (فالمقاومة لا تجلب سوى الدمار) على حد تعبير «الرئيس».

اعتدنا في معظم الأحيان على استقالة المسؤولين الذي تُثبت التجربة خطأ خياراتهم السياسية بعد فشلها في تحقيق أهدافها. بالطبع المسؤولون العرب ومن ضمنهم الفلسطينيون هم خارج إطار هذه الظاهرة. إن أي خطأ مهما كان بسيطاً لمسؤول يجب إضعافه من الأخطاء والأخطار على شعبه.

الحالة الفلسطينية لها خصوصيتها وأخطاء تجربة التفاوض لعقدين مع «الإسرائيليين» جلبت الويلات والدمار والكوارث على الشعب الفلسطيني، ورغم ذلك لا يزال صائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين في منصبه ولم يستقل، ورغم ذلك ما زال ينادي بالمفاوضات والمفاوضات وحدها (والمفاوضات حياة) من وجهة نظره وإيمانه ومعتقداته السياسية!!!


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 28 / 566684

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010