الجمعة 4 أيار (مايو) 2018

فكر الأحقاد

الجمعة 4 أيار (مايو) 2018 par د. عبد الستار قاسم

يقول العرب إن فلانا حقود كالجمل. وهم يعتبرون الجمل حيوانا حقودا إذا أُسيء له، ولا ينسى الإساءة حتى ينتقم ممن أساء له.

وإذا شعر الجمل بظلم فإنه لا ينساه حتى ينال ممن ظلمه. فهل يشكل هذا عبئا على الجمل؟ بالتأكيد يشكل عبئا كبيرا لأنه يشغل باله إذا كان له بال على مدى فترة طويلة من الزمن، ويبقى مستفزا ومستنفرا باحثا عن فرصة الانتقام أو تفريغ الحقد الذي يفيض به قلبه.

ورأى العرب أن هذا السلوك يستنزف الطاقات، ويؤدي إلى خفض الإنتاجية ويُلحق أضرارا كبيرة بالصحة الجسدية، وبالتأكيد بالصحة المعنوية.

فهل تعلم العرب من الجمل فكر الأحقاد بخاصة أنه صديقهم الحميم وسفينتهم البرية؟ المتتبع للسلوك العربي لا يعجز عن الإشارة إلى سلوكيات ملموسة تعبر عن أحقاد دفينة تعمل القلوب على تفريغها كيفما اتفق وبأي طريقة كانت.

فمثلا، شاهدنا عربا على شاشات التلفاز وفي الشارع وعلى مختلف وسائل الإعلام يعبرون عن بهجتهم عندما قام الصهاينة بقصف مواقع عسكرية سورية سقط فيها شهداء سوريون.

ولم تكن الفرحة غائبة عن الوجوه عندما قصف الصهاينة مطار التي فور بالقرب من حمص. ورأينا على شاشة التلفاز كيف انتهت الأحقاد إلى اقتلاع قلب جندي سوري والتهامه من قبل أخيه السوري.

وقد انفرجت أسارير العديد من العرب بعدما قامت الولايات المتحدة بتوجيه صواريخها نحو مواقع سورية.

على المستوى الفلسطيني، أذكر تماما كيف قام فلسطينيون بتوزيع الحلوى في الشوارع بعد قيام الصهاينة باستهداف الشيخ الجليل سعيد صيام وقتلته. لقد وزعوا الحلوى ابتهاجا بقيام عدو الفلسطينيين بقتل فلسطيني إبان حرب الصهاينة على القطاع عام 2008/2009.

والسبب هو الخصام الفتحاوي الحمساوي الذي تحول إلى أحقاد متورمة وسيطر على التفكير والسلوك.

على مستوى وسائل الإعلام، يرى العربي كيف تزف هذه الوسائل للناس بشرى قتل مائة شخص من الطرف الذي تقف ضده، بينما لا تذكر شيئا عن قتلى الطرف الذي تؤيده.

إنها وسائل تدعو جمهور الناس إلى الابتهاج بقتل العرب على أيدي خصومهم العرب. وهذا نلمسه بوضوح في سياسات الأنظمة العربية التي قدمت كل أنواع الدعم لمعارضين لأنظمة واستنزفت طاقاتها المادية من أجل أن تنال من أنظمة أخرى. دول عربية قدمت أموالا طائلة من أجل استمرار الحروب في بلدان عربية أخرى، وهي دول لم تقدم للقدس والفلسطينيين 1% مما قدمته لإبقاء جذوة الحروب البينية مشتعلة.
الحرب بين العرب تبقى ضمن منطق داحس والغبراءن او منطق بكر وتغلب. لا يقبل العربي أن يكون مغلوبا لعربي، لكنه سرعان ما يلقي سلاحه أمام العدو الخارجي.

الأمثلة حول أحقاد العرب بعضهم ضد بعض كثيرة، وهي تعبر عن مدى تخلف الثقافة العربية في هذا المجال ونتائجها المدمرة على الوطن العربي ككل. والمؤسف أننا على مدى سنوات طويلة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية لم نعمل أبدا على إجراء تحول ثقافي يغير ما نحن فيه، ويفتح أبوابا من النور أمامنا.

بل بقي الحكام العرب أسرى لأحقادهم وشهواتهم وأثاروا الفتن والأحقاد والبغضاء بين الناس فأضحت شعوب عربية تعادي شعوبا عربية أخرى وتبحث عن اليوم الذي تنتقم فيه.

كم كان من الممكن أن تطول الحرب في سوريا لو كانت حربا بين الصهاينة والنظام، أو بين المعارضة والصهاينة؟ كان من الممكن أن تأخذ أياما، أو أسابيع على أقصى حد.

الحرب بين العرب تبقى ضمن منطق داحس والغبراء او منطق بكر وتغلب. لا يقبل العربي أن يكون مغلوبا لعربي، لكنه سرعان ما يلقي سلاحه أمام العدو الخارجي.

لا يقبل العربي أن يطول عربي عنه، لكنه يقبل أن يكون قزما أمام العدو الخارجي. استمرت حروب العرب البينية سنوات طويلة وهذا ماثل أمامنا في اليمن وسوريا والعراق وليبيا، لكن حرب الأيام الستة في مواجهة الصهاينة استمرت ساعتين. فقط هي حروب المقاومتين الفلسطينية واللبنانية التي استمرت أياما ذاق العدو الخارجي فيها الذل والهوان.

والغريب أننا نحن العرب نستجمع قوى كثيرة لم تكن في الحسبان عندما تنشب الحروب البينية.

ويظهر لدى الأطراف المتحاربة إصرار منقطع النظير على الاستمرار في القتال وتغذية الحرب بكل ما يلزم بما في ذلك الاستعانة بالأعداء الطامعين بالأرض والثروات العربية.

ومن ثم يظهر تعريف جديد للسياسة فيصبح الإصرار على ما هو ممكن بدل فن الممكن الذي يستعمله العرب في خصوماتهم مع الخارج.

الأحقاد ثقيلة على النفوس لأنها تعمي القلوب وتطغى على العقول وتضيّق الصدور، وتشل التفكير الصحي الإيجابي الهادف إلى التقدم والبناء بالتعاون مع الآخرين، وتسبب الصراعات المجتمعية وتمزق الأواصر وتأتي على المجتمع في النهاية لتضعفه، وعلى الأخلاق فتدمرها. الأحقاد تهلك صحة الإنسان الجسمانية، وصحته المعنوية والعقلية وتحوله إلى أسير الانتقام والأخذ بالثأر وإلحاق الأذى بالآخر.

ليس من الحكمة أبدا أن تقود الأحقاد إلى اقتراف الموبقات وتجاوز المحرمات فيتم اللجوء إلى الأعداء الذين يمدون يد العون بهدف التخريب والتدمير
ثقافة الأحقاد هي نقيض ثقافة الانفتاح التي تؤدي إلى سلاسة التعامل مع الآخرين والتعاون معهم من أجل خير الجميع، وهي ثقافة الانعزال والخيبة والمقت المستمر وضيق الحياة.

الحاقد هو من يشغل وقته بالتآمر والتربص ويفضل ظلمات الحياة على نورها وآفاقها الواسعة. وهو مضر لنفسه ولمجتمعه وأهله، وعليه أن ينتظر انقلاب حقده على نفسه.

ولهذا من المهم للحاكم أو المسؤول أن يتبع السياسات والسلوكيات التي تيسر ولا تعسر، وتقيم العدل وتنبذ الظلم، وتنتهج اللين مع الحزم بدل القسوة وأجهزة الأمن. من الحكمة السياسية ألا يولد الحاكم الضغائن والأحقاد والبغضاء والكراهية لأنه إن لم يفعل سيودي ببلاده إلى التهلكة والانهيار.

ولهذا لا براءة لحكام العرب الذين انغلقوا على أحقادهم وشهواتهم فظلموا الناس وأكلوا حقوقهم ونهبوا ثرواتهم وساموهم سوء العذاب والشقاء.

كما أنه ليس من الحكمة أبدا أن تقود الأحقاد إلى اقتراف الموبقات وتجاوز المحرمات فيتم اللجوء إلى الأعداء الذين يمدون يد العون بهدف التخريب والتدمير.

فإذا كانت رعونة الحاكم قد ولدت الأحقاد، فإن الله يأمرنا بالعدل والإحسان وألا نسعى في الأرض مفتنين.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 15 / 14778

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المفكرة  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع عبدالستار قاسم   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للموقف- تشرين ثاني -2010