السبت 28 نيسان (أبريل) 2018

مسيرة العودة بين نظريتين

السبت 28 نيسان (أبريل) 2018 par عوني صادق

تتواصل «مسيرة العودة الكبرى» في غزة في انتظار أن تكتمل بانضمام الضفة الغربية مع الاقتراب من ذكرى النكبة في الخامس عشر من أيار(مايو) المقبل. ومع الادعاء «الإسرائيلي» بتراجع عدد المتظاهرين، وأنه وصل إلى عشرة آلاف متظاهر في الجمعة الرابعة بعد أن كان عشرين ألفا في الجمعة الثالثة، إلا أن «الأساليب الجديدة» التي يبدعها المتظاهرون في مسيرتهم (الطائرات الورقية التي أشعلت حرائق وراء السياج الحدودي مثلاً) تدل على كذب الادعاء. وإذا كان للأرقام أن تحمل دلالة، نذكر أن حصيلة «الكلفة» التي دفعها المتظاهرون في أقل من شهر وصلت إلى أكثر من (40) شهيداً وآلاف الجرحى والمصابين، مع التمسك ب «سلمية المسيرة»!
حتى الآن كتب الكثير عن «المسيرة»، لكن كل الكتابات توزعت على «نظريتين». النظرية الأولى، جعلت منها «طريقاً للعودة والتحرير» متجاهلة عن قصد كل أشكال المقاومة الأخرى، والهدف إسقاط «الكفاح المسلح». والنظرية الثانية، رأت فيها شكلاً يكاد يكون عبثياً! وأصحابها يرون أن «سلمية المسيرة» لا تعدو كونها أقل من الحرب الواسعة ،ولكن ضحاياها بالتقسيط! وهؤلاء، يرون أنه إذا كان الهدف من المسيرة ممارسة الضغط على «الموقف الدولي» لممارسة الضغط على الحكومة «الإسرائيلية»، فإن الطريق الدبلوماسي الذي تتبعه السلطة الفلسطينية يقوم بالمهمة نفسها دون تضحيات أو خسائر!
بالتمعن في «النظريتين»، يتضح أنهما بشكل أو بآخر يصبان في مجرى واحد هو الاعتماد على «المجتمع الدولي» و«الطريق الدبلوماسي»، وهو مجرى ثبت عدم جدواه حتى اليوم، بل وثبت أيضا أنه يعمل في خدمة السياسات «الإسرائيلية» وبرامجها الاستيطانية والتهويدية. فالذين جعلوا من «المسيرات طريقاً للعودة والتحرير» بعيداً عن الكفاح المسلح، تجاهلوا حقيقة الوضع الدولي الذي ما زالت الولايات المتحدة فيه قادرة على حماية دويلة الاحتلال، وإفشال أن يشكل «الموقف الدولي» ضغطاً كافياً على القيادات «الإسرائيلية». والسؤال الذي يوجه لهؤلاء هو: هل تستطيع هذه المسيرات حتى لو تواصلت متقطعة، لأن استمرارها دون انقطاع مسألة مستبعدة، يمكن أن تشكل الضغط المطلوب القادر على إجبار القيادة «الإسرائيلية» على تغيير مواقفها من الاستيطان والاحتلال؟
الجواب عن هذا السؤال موجود في آخر وثيقة صدرت عن وزارة الخارجية الأمريكية حول «حقوق الإنسان في العالم» التي بررت الانتهاكات «الإسرائيلية» اليومية وسوغت الإجراءات «الإسرائيلية»، وتجاهلت كل حق للفلسطيني في أرضه ووطنه.
مع ذلك، ولو افترضنا جدلاً أن ذلك الضغط المطلوب دولياً قد تحقق، فهل يكون كافياً ليفرض على الحكومة «الإسرائيلية»، أية حكومة، أن تنهي احتلالها للضفة الغربية، وأن تفكك وتخلي مستوطناتها، وترفع الحصار عن قطاع غزة؟! من يقول بذلك لا بد أنه يتجاوز الحماقة إلى الجنون! وحتى لو ذهبنا إلى أبعد من ذلك الجنون، وافترضنا أن هذا الضغط أجبر القيادة «الإسرائيلية» على كل ذلك، بعد وقت طويل لا يعرف أحد مداه، فهل سيصل الأمر إلى أن تجبرها على قبول حق عودة اللاجئين، في وقت يحذر فيه الخبراء اليهود من «الكارثة الديمغرافية» المتمثلة في الفلسطينيين الموجودين اليوم في فلسطين التاريخية، علماً أن هؤلاء أقل من الموجودين في الشتات؟!
نقطة الضعف القاتلة في «النظريتين» قائمة في أمرين هما:1) تجاهلهما لحقيقة أن الاحتلال القائم هو استعمار استيطاني إحلالي، قام واستمر بالقوة واعتمد على العنصرية والتطهير العرقي وما زالا يترسخان كركنين رئيسيين في ضمان بقائه وتوسعه. و2) استبعادهما للكفاح المسلح ركناً أساسياً في استراتيجية المقاومة والتحرير، مع كل أشكال المقاومة الأخرى كالمسيرات والإضرابات والمقاطعة.. الخ. أما الزعم بأن «الكفاح المسلح» فشل، فالحقيقة أن القيادات الفلسطينية في مرحلة «الكفاح المسلح» هي التي فشلت، وبعضها لم يؤمن به أصلًا، وبعضها اعتبره «سلاحاً تكتيكياً» للوصول إلى المفاوضات. وإذا كانت التطورات قد استغلت لتسويغ التخلي عنه وتبرير التنازلات والترويج للمفاوضات، فإن الممارسات التي سبقت تلك التطورات كانت في صلبها ثم أصبحت ذرائع للتنازل والتفريط!


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 32 / 14778

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المفكرة  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع عوني صادق   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للموقف- تشرين ثاني -2010