السبت 3 شباط (فبراير) 2018

من سوتشي إلى جنيف

السبت 3 شباط (فبراير) 2018 par د. عصام نعمان

تمكّنت موسكو، رغم كل العقبات التي وضعها في طريقها بعض الخصوم والأصدقاء، من إنجاح «مؤتمر سوتشي للحوار الوطني» بين مختلف الجماعات السورية العاملة في الداخل، أوالناشطة في الخارج. أمرٌ لافت بلا شك أن يحتشد في المنتجع الروسي الأشهر اكثر من 1500 شخص يمثلون مختلف الأحزاب، والطوائف، والأعراق، والتكتلات، والمنصّات والعشائر، فضلاً عن الشخصيات المستقلة لمدة يوم واحد من أجل التقارب والتحاور والتوافق على خطوط عريضة لورقة عمل يعتزمون مناقشتها لاحقاً في مؤتمر جنيف القادم.
أبرز الخصوم، أمريكا وبريطانيا وفرنسا، قاطعت المؤتمر، وشددت على أن مؤتمر جنيف وحده هو المرجع الصالح للبحث في تسوية الأزمة السورية. أبرز الأصدقاء، تركيا، شاركت بوفد مراقب، لكنها حرّضت السوريين المعارضين المتواجدين في ديارها، أو في صفوف المتمردين العسكريين قرب حدودها على عدم المشاركة في المؤتمر رغم انتقالهم إلى سوتشي. السبب؟ لأن شعار المؤتمر في قاعته الكبرى يحمل العلم السوري. أعضاء منصة المعارضة (هيئة المفاوضات) قاطعوا أيضاً بدعوى انحياز ورقة العمل المعروضة على المؤتمر إلى الحكومة السورية.
السوريون المؤتمرون تمكّنوا من التوافق على خطوط رئيسية، تؤكد على وحدة سوريا، أرضاً وشعباً، وعدم التنازل عن أي جزء منها، وعلى استعادة الجولان المحتل بكل الوسائل القانونية، وحق شعب سوريا المطلق في تقرير مستقبله ومضمون نظامه السياسي، وعلى إقامة دولة ديمقراطية غير طائفية، وتعددية، تحترم قاعدة المواطنية، وعهدت إلى المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا مهمة تحديد شكل وتكوين اللجنة الدستورية المختصة بمسائل الإصلاحات الدستورية التي سيجري بحثها وصوغها في مؤتمر جنيف. فهل يضفي تكليفه بقيادة اللجنة الدستورية الشرعية الأممية اللازمة لإنجاح مفاوضات جنيف؟
بالتزامن مع انعقاد مؤتمر سوتشي، أصدرت أمريكا «قائمة عقوبات الكرملين» التي تضم أسماء اكثر من 210 مسؤولين ورجال أعمال روس، بينهم 22 وزيراً، في مقدمهم رئيس الوزراء ميدفيديف، ووزير الخارجية لافروف، ووزير الدفاع شويجو، ورئيس ديوان الرئاسة الروسية والناطق باسمها بيسكوف، ورجال أعمال وأقطاب صناعيين، ورئيس مجلس حقوق الإنسان، وغيرهم. كل هؤلاء وُضعوا على قائمة عقوبات لا سابق لها في تاريخ العلاقات الدولية، ولم ينجُ منها إلاّ الرئيس فلاديمير بوتين الذي علّق عليها ساخراً: «أشعر بالمهانة لأن اسمي لم يرد فيها».
ما سرّ هذه القائمة العجيبة الغريبة؟ ثمة تفسيرات متعددة في هذا المجال:
قيل إنها محاولة أمريكية لتشويه سمعة كبار القادة الروس والتقليل من مكانتهم في الأوساط الدولية، بغية إضعاف نفوذ روسيا.
بعض المحللين السياسيين ذهبوا إلى أبعد من ذلك. قالوا إنها مبادرة هجومية أمريكية لزعزعة روسيا سياسياً، واقتصادياً.
غير أن فريقاً من أعضاء الكونجرس، الديمقراطيين والإعلاميين البارزين، فسروا الخطوة غير المسبوقة بأنها محاولة يائسة من الإدارة الأمريكية، وأعضاء الكونجرس الجمهوريين للمزايدة على خصومهم الذين كانوا اتهموا ترامب وأركان حملته الانتخابية بالاتصال بالمسؤولين الروس للتدخل في الانتخابات الرئاسية على نحوٍ يُضعف منافسته المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون.
وسخر خصوم ترامب والديمقراطيون من الخطوة العجيبة الغريبة، مذكرّين بالكاريكاتور الذي ظهر في صحيفة «نيويورك تايمز» صباح 2018/‏1/‏27 وفيه رسم لترامب في مؤتمر دافوس تحت صورة كبيرة عليها شعاره الأثير «أمريكا أولاً»، يخاطب الحاضرين من كبار قادة الدول والمسؤولين ورجال الأعمال والصناعيين في الغرب بقوله: «يا بقية العالم.. أنتم مطرودون»،
ما آثار قائمة العقوبات وتداعياتها على روسيا وقادتها.
وتتوقف الأجوبة على هوية مصادرها. بعض الأمريكيين، من مؤيدي ترامب، يعتبرونها «ضربة معلم» تعزز صورته ومكانته كرئيس دولة قوي في عالم يحب القادة الأقوياء. آخرون من أصدقائه قدّروا أن من شأن هذه المبادرة الصاعقة أن تعزّز حظوظ المرشحين الجمهوريين في الانتخابات النصفية المقبلة مطالع شهر نوفمبر/‏ تشرين الثاني القادم.
مسؤولون إعلاميون روس قلّلوا من تأثير القائمة غير المسبوقة. بعضهم قال إنها لا تنطوي على عقوبات محددة ضد القادة والمسؤولين الروس، بل تنذرهم، وترشحهم لفرض عقوبات عليهم إذا ما تعرضوا بالسوء لمصالح أمريكا. بعضهم الآخر دعوا إلى شكر أمريكا على فعلتها تلك، وقالوا إنها ستحمل رجال الأعمال والصناعيين الروس الذين لديهم أعمال وأموال في الخارج على العودة إلى روسيا مخافة أن يتعرضوا إلى عقوبات في دول أمريكا وأوروبا.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 4 / 15667

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المفكرة  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع عصام نعمان   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للموقف- تشرين ثاني -2010