الأحد 10 كانون الأول (ديسمبر) 2017

ما بعد «وعد ترامب» الأردن يتهيأ داخليا وأمنيا لانتفاضة ثالثة

الأحد 10 كانون الأول (ديسمبر) 2017

يمكن بوضوح ترصد وتوثيق مستوى وحجم ردة الفعل الأردنية الرسمية الاضطرارية، لحالة الفوضى التي خلقها في المنطقة والإقليم قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نقل سفارة بلاده إلى القدس.
عند الرصد تحديدا لا بد من توثيق بعض الملحوظات الأساسية.
قمع مسيرات وتظاهرات الشارع الأردني المنددة بالأمريكيين لا ينطوي على أي حكمة خصوصا ودوائر الحكم والإدارة العليا وحتى القصر الملكي والحكومة في مستوى متقدم من الغضب والاحتقان يتوافق مع خيارات واتجاهات الشارع الشعبي.
في الوقت ذاته السماح بالتجاوب على الأرض الأردنية مع فعاليات الانتفاضة الجماهيرية التي تولد بالتدريج في الأرض الفلسطينية اليوم لم يكن يوما خيارا تفضله مؤسسات العمق الأردنية حيث الفلسفة الأمنية التي تعتبر المساحة الأردنية هي المتأثر الثاني تماما في أي حدث له علاقة بالقضية الفلسطينية.
منطقيًا يلفت سياسيون في المقابل نظر الجميع إلى أن السماح بانفلاتات جماهيرية ضد السفارتين الأمريكية والإسرائيلية في عمّان لن يكون بين الخيارات أيضا، ليس فقط بسبب صعوبة توفير الغطاء لتعبيرات جماهيرية منفلتة في مرحلة حرجة وحساسة، ولكن أيضا بسبب الحقيقة التي يستذكرها الجميع اليوم وهي المساعدات الأمريكية التي تضطر الحكومة الأردنية لمراعاة عدم تأثر العلاقة الرسمية مع الإدارة الأمريكية بأجواء، أو السماح بأجواء الشحن الشعبي في الشارع الأردني خصوصا في ظل رئيس متهور أو «أهوج» كما وصفه لأول مرة بصورة نادرة ولي العهد السابق الأمير حمزة بن الحسين.
بسبب هذه المعطيات جميعها يبدو موقف السلطة الأردنية حرجا للغاية عند التعامل مع الزاوية المتعلقة بكيفية إدارة المشهد الداخلي أمنيا بعد قرار ترامب، وكيفية إجراء الموازنة المطلوبة من دون انتقال عدوى الانتفاضة أو الحراك الجماهيري المبالغ فيه.
مبكرا قرر المستوى السيادي أن قمع الرأي العام سيلحق ضررا كبيرا بالدولة، والسماح له باعتراضات موسعة ودائمة يتصادف اليوم أنها تنسجم مع الموقف الرسمي سيلحق ضررا بتحالفات الأردن الأمريكية، وتحديدا ببرنامج المساعدات الذي كان محور النقاش في الزيارة الأخيرة التي قام بها إلى واشنطن الملك عبد الله الثاني.
وسط تسارع الأحداث، اتخذت عدة قرارات لإدارة المشهد الداخلي بأكبر قدر ممكن من الحكمة والتعقل حيث معادلة وسطية تسمح للاحتقان الشعبي بالتسرب والتعبير عن نفسه، وتمنع في الوقت ذاته تمادي التعبير الشعبي ووصوله إلى مناطق غير مأمونة أو مألوفة.
من هنا لاحظ الجميع أن السلطات الأردنية عززت حراساتها لمقر السفارتين الأمريكية والإسرائيلية في عمًان العاصمة، وأغلقت شوارع تحيط بهما، لكنها للمرة الأولى لم تمنع الجمهور من التظاهر بالقرب منهما، كما يحصل في الماضي حيث تغاضى الأمن عن حرق العلم الأمريكي وصور دونالد ترامب من دون وجود قرائن على أن السلطات ستواصل قبولها بمثل هذه السلوكات والممارسات لاحقا.
وسط ظرف إقليمي ومالي معقد جدا، استعدت المؤسسات الأردنية لإدارة وترشيد وعقلنة واحتواء سلسلة طويلة من الاعتراضات الشعبية ستتواصل في الأسابيع القليلة المقبلة، ومن باب الاحتياط جرت اتصالات تنسيقية سريعة مع محترفي تنظيم الوقفات الاحتجاجية وسط شعور المؤسسات البيروقراطية أن موسم الاعتراض من أجل القدس سيطول في عمق المجتمع الأردني وليس من السهل منعه، خصوصا أن القرار الرئاسي الأمريكي وبصرف النظر عن الروح المعنوية السلبية التي يبثها حول ضفتي نهر الأردن يمس أصلا الدور والمصالح الأردنية.
السيناريو البيروقراطي أيضا يفترض تفاعلات شارع متواصلة إذا ما تطور الموقف في الأرض المحتلة فعلًا، وكما تتوقع السلطات إلى مستوى المحظور الأردني القديم، وهو الانتفاضة الثالثة وهو ما يجري الاستعداد له في كل الأحوال.
في المقابل، سياسيا لا تبدو الخيارات أكثر اتساعا، فهامش المناورة الوحيد المتاح أمام الأردن بعد النضال للتمسك بالوصاية الهاشمية على أوقاف القدس الإسلامية والمسيحية هو العمل مع المجموعة العربية ومع الفلسطينيين ثم مع المجتمع الدُّولي والدول الأوروبية تُجاه تحصيل قرار آخر من الرئيس الأمريكي يخفف إحراج النظام الرسمي العربي مع الشارع.
ليس سرا هنا أن النشاط في دوائر القرار الأردني متسارع حاليا لتوفير طريقة تضغط على الرئيس ترامب حتى يقدم ضمانة خطية تخص عاصمة للدولة الفلسطينية في قطاع غزة.
وحتى لا يصبح قراره بنقل السفارة لمصلحة إسرائيل مطابقا تماما لوعد بلفور الشهير الذي التزمت بريطانيا بشقه الأول وتم إسقاط شقه الثاني وهي لغة سمعها من مسؤولين أردنيين سفراء غربيون فعلًا، من بيهم السفير البريطاني.
يعني ذلك أن الهجمة المضادة سياسيا ودبلوماسيا للأردن ستركز على محاولة تبدو بائسة حتى الآن لاستثمار الجزء الغامض من قرار ترامب، والشروحات الأمريكية التي قدمت على أساس أن القرار سقفه القدس الغربية، وبالتالي يمكن الرهان على إضافة نص في قرار جديد أو في قرار أممي يخصص للفلسطينيين عاصمة في القدس الشرقية على أقل تعديل.
يريد الأردن هنا بالتوازي معرفة منسوب حصته في قرار وتصور ترامب عندما يتعلق الأمر بإدارة الحرم القدسي الشريف.
ساسة عمّان يتسارعون الآن للقول بوجود موقف من روسيا وبريطانيا ودول كبرى يمكن الرهان عليه والتعاون معه لتعويض الخسارة الفادحة الناتجة عن وعد ترامب للإسرائيليين بالحد الأدنى المنصف اليوم وهو قرار يحسم الجدل حول القدس الشرقية ومعها الحرم المقدسي الشريف.
هل يحصل الأردن على شيء ملموس من هذه المناورة البائسة؟ سؤال مطروح لكن الإجابة يعرف الأردنيون مسبقا أنها متهمة بموقف الدول العربية الكبيرة الآن مثل مصر والسعودية.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 25 / 587903

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع أخبار  متابعة نشاط الموقع أخبار عربية   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010