الجمعة 24 تشرين الثاني (نوفمبر) 2017

طريق البلقنة المتعثر..!

الجمعة 24 تشرين الثاني (نوفمبر) 2017 par علي بدوان

إنَّ طريق البلقنة والانفصال القومي في بعض الأقاليم الأوروبية طريق متعثر، فالأصوات الانفصالية في بعض الأقاليم من دول الاتحاد، ليست شاملة أو معبرة عن الكل السكاني في تلك المناطق، فهناك قطاعات من الناس ما زالت ترفض الانفصال وخير دليل على ذلك وجود وحضور كتلة معارضة قوية في إقليم كاتالونيا للانفصال على سبيل المثال، فقد صوّت برلمان إقليم كاتالونيا على الانفصال عن إسبانيا، تصويتا ضعيفا..
مقابل المساعي الأوروبية للتكامل والوحدة الاقتصادية ضمن مجموعة دول الاتحاد أو ما باتَ يُعرف بمجموعة الــ(اليورو)، بدأت العديد من المجموعات القومية ضمن دول الاتحاد بالتحرك من أجل الانفصال عن بلدانها الأم، وكأن الأمور بدأت تعود لبدايات ما حصل مع الحرب الكونية الأولى عندما كانت الصيحات القومية تتعالى في عموم القارة الأوروبية. فهل المُحرك الحقيقي لتك النزعات القومية التي بدأت تطفو على السطح في العديد من دول الاتحاد الأوروبي هي نتاج عمل وتفاعلات قومية داخلية محضة، أم أن وراء الأكمة ما وراءها..؟
في حقيقة الأمر، إنَّ ما جرى ويجري في تلك الأقاليم المُطالبة بالانفصال عن بلدانها الأم يعود لأسباب بعيدة غير مباشرة، ولأسباب قريبة ومباشرة. ففي إقليم كاتالونيا الإسباني تشتَم رائحة رياح البلقنة الجديدة، التي بَشَّرَ بها البعض في الولايات المتحدة، وتحديدا حين قال دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي الأسبق في ولاية الرئيس جورج بوش الابن، وقبلَ أكثر من عقد من الزمن “إنَّ أوروبا، القارة العجوز، يجب أن تتبدل”. كما هي اقتصادية، ونتاج مجموعة من التطورات الداخلية في تلك الأقاليم المُنادية بالانفصال عن بلدانها الأم. فالأزمات الاقتصادية العاصفة التي وقعت خلال العقدين الأخيرين في العالم ككل، تغذت منها تلك الدعوات الانفصالية، واتخذت منحى تصاعديا، على خلفية تدهور الوضع الاقتصادي، بصورة يرى عديد من المراقبين، أنها، ربما، ونقول ربما، تكون بداية تفكك أوروبي.
وفي واقع الحال، وعند التوسع في تناول تلك الظاهرة الانفصالية المُتجددة في بعض الأقاليم الأوروبية، نرى أنَّ مفتاح الحركات الانفصالية، وتزايد صيحات الانفصال في العديد من الأقاليم ببعض دول الاتحاد الأوروبي، تعود أيضا لعدة أسباب دفعة واحدة. فرياح الانفصال، ووتيرة أصوات الحركات الانفصالية في تلك المناطق من دول الاتحاد الأوروبي، بدأت تعلو، من قبل تلك الأقليات القومية، في أقاليم تتمتع بدرجة عالية من إدارة شؤونها في ظل بلدان موحّدة، ومتقدمة اقتصاديا، ولا تعاني من أزمات تمييزية كبيرة أو واسعة بين مكوناتها القومية والإثنية الجامعة لها، لكن زخم تلك الدعوات الانفصالية ازداد منذ الأزمة المالية العالمية التي ضربت أسواق المال في (وول ستريت)، بداية من العام 2008 وإلى الآن. وعلا صوت المطالبين بالاستقلال عن دولهم مع سياسات التقشف التي فرضها الاتحاد الأوروبي على الدول الأكثر تأثرا بالأزمة المالية كاليونان وإيطاليا على سبيل المثال. وبالتالي فإن دعوات الانفصال يُمكن ردها لعدة عوامل وأسباب نوضحها كالتالي:
السبب الأول يعود للمسألة الاقتصادية والأزمات التي يتوقع أن تصل إليها الأمور، فمناطق الأقاليم تُريد استعادة القرار فيما يتعلق بالاستفادة من ثرواتها، وبسبب من سياسات الضرائب من الحكومات على الأقاليم، حيث تتسع فيها الهوة بين الأثرياء والفُقَراء في البلاد ككل، وتتعمق كل يوم الفجوة بينهما، وقد اتسعت تلك الفجوة إثر أزمة 2008 التي ضربت الأسواق المالية، وما أدّت إليه من تطبيق خطة التقشف التي فرضها صندوق النقد الدولي والمفوضية الأوروبية والمصرف المركزي الأوروبي (بداية من آب/أغسطس 2008) وشملت هذه الخطّة إلغاء جميع المكاسب التي حصل عليها العُمّال والأُجراء في العديد من دول الاتحاد الأوروبي (المجموعة الاقتصادية الأوروبية).
والسبب الثاني يعود لتزايد ضعف “الدولة المركزية” في مواجهة الإقليم في العديد من تلك البلدان، ومنها إسبانيا على سبيل المثال.
والسبب الثالث يعود لفشل الدولة المركزية في إنتاج حالة مُوَحِّدَة تندمج مُختلف المكونات والقوميات في إطارها، وفشلت بالتالي في بناء هوية وطنية وِفاقية بين جميع المواطنين بالدرجة المطلوبة.
والسبب الرابع يعود لتزايد شعور الشعوب في تلك الأقاليم بالقلق على مصيرها ومستقبلها، ومحاولتها لتأمين ضمان اقتصادي لها، خاصة بعد انضمام دول أوروبا الشرقية إلى مجموعة الاتحاد ومنطقة اليورو، وتوافد الشرقيين على الغرب للعمل، والأزمات الاجتماعية التي تسببت بها، فضلا عن تزايد موجات المهاجرين من دول الجنوب إلى دول الشمال.
والسبب الخامس يعود لعوامل خارجية، فهناك من يُشجّع من خارج مجموع الاتحاد الأوروبي على انفصال الأقاليم، لأن الوحدة الأوروبية أضرّت كثيرا بمجموعات تتمتع بهيمنة اقتصادية وسياسية على العالم مثل الولايات المتحدة. فالولايات المتحدة تلعب دورا خفيا وغير مرئيا في نمو تلك النزعات، فواشنطن ــ ورغم موقفها الأخير المعارض لإعلان البرلمان الكاتالوني ــ تُشجّع النزعات الانفصالية في أوروبا، لأن الوحدة الأوروبية مُضرّة بإمكانية هيمنتها السياسية والاقتصادية على العالم، وخير دليل على ذلك تشجيعها خروج بريطانيا من منطقة اليورو.
إذا، نحن الآن أمام “مشوار جديد نحو البلقنة تسير أوروبا العجوز نحوها”، وعلينا أن نلاحظ ما يجري في عدة مناطق من دول الاتحاد الأوروبي: شمال إسبانيا، وفي إقليم الباسك الإسباني، وإقليمي لومبارديا والبندقية (المعروف باسم فينيتو)، وفي احدى مقاطعات بلجيكا التي تضم بالأساس مجموعتين، مجموعة سكانية ناطقة باللغة الهولندية (الفلامنيون) وتشكّل أكثر من 60% من تعداد السكان، فيما مناطق الجنوب تتكلم اللغة الفرنسية (الفرانكفونيون). تواجه فضلا عن أنشطة حركات انفصالية في إيرلندا الشمالية وويلز وجبل طارق …
أخيرا، ومع كل الأسباب التي تناولناها، إنَّ طريق البلقنة والانفصال القومي في بعض الأقاليم الأوروبية طريق متعثر، فالأصوات الانفصالية في بعض الأقاليم من دول الاتحاد، ليست شاملة أو معبرة عن الكل السكاني في تلك المناطق، فهناك قطاعات من الناس ما زالت ترفض الانفصال وخير دليل على ذلك وجود وحضور كتلة معارضة قوية في إقليم كاتالونيا للانفصال على سبيل المثال، فقد صوّت برلمان إقليم كاتالونيا على الانفصال عن إسبانيا، تصويتا ضعيفا، فنال الموقف المنادي بالانفصال أغلبية مطلقة، والمقصود بالأغلبية المطلقة أغلبية تزيد عن النصف بقليل، حين صوت (70) نائبا بالانفصال من أصل (135) هم كامل عدد أعضاء البرلمان. لذا إنَّ التصويت إياه وبنتائجه المتواضعة من حيث عدد مؤيدي الانفصال وبغياب المعارضة الكاتالونية، تصويت لا يُشجّع دول الاتحاد الأوروبي ولا حتى الولايات المتحدة على تأييد الاتجاه المنادي بالانفصال، لذلك سارعت الخارجية الأميركية لرفض قرار البرلمان الكاتالوني وعدم الاعتراف به، وكذلك الأمر كان موقف عموم دول الاتحاد.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 17 / 588222

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع علي بدوان   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010