الجمعة 20 تشرين الأول (أكتوبر) 2017

«لعبة» من خارج الشروط

الجمعة 20 تشرين الأول (أكتوبر) 2017 par عوني صادق

بالرغم من أن وصول المرشح دونالد ترامب إلى الرئاسة في الولايات المتحدة اعتبر «مفاجأة الموسم» ومخالفاً لكل توقعات الخبراء والمحللين والسياسيين في العالم، إلا أن المتمعن في ما جرى بعد دخوله البيت الأبيض يصبح مهيأ لقبول فكرة أن ذلك لم يكن صدفة أو تعبيراً عن «توجه شعبوي» ورغبة في نسيان أن رجلاً أسود احتل «بيت الرجل الأبيض» لثمانية أعوام!
لقد وصل باراك أوباما إلى الرئاسة في أعقاب ثماني سنوات من حكم جورج بوش الابن شنت فيها الولايات المتحدة حربين على بلدين واحتلتهما وارتكبت فيهما من الجرائم والجرائم ضد الإنسانية ما قدم أدلة لا تُدحض على بشاعة هذه الدولة وبشاعة سياساتها وخطرها على أمن وسلام وحرية شعوب العالم، وكان لا بد من طريقة لتجميل الوجه الأمريكي البشع. في هذه الظروف وقع الاختيار على باراك أوباما، خصوصاً أنه كان يملك من المواصفات الشخصية والسياسية ما أهله للقيام بالدور التجميلي المطلوب، دون أن تكون لديه أية نية للتنازل عن مصالح الولايات المتحدة وحليفتها «إسرائيل».
وفي حملته الانتخابية، أطلق ترامب تصريحات كثيرة، يمكن تلخيص أهمها في ثلاثة أهداف: إلغاء صفحة أوباما وكل ما أنجزه على الصعيد الداخلي، وفي المقدمة مشروع الضمان الصحي. وإلغاء الاتفاق النووي مع إيران، وأخيراً «إحلال السلام في الشرق الأوسط». وبعد وصوله إلى الرئاسة، أطلق على مشروعه لحل النزاع بين «الإسرائيليين» والفلسطينيين اسم «صفقة القرن»! وفي زيارته للمنطقة واجتماعاته مع زعمائها العرب اتفق معهم على «الخطوط العريضة للصفقة» التي ذكر في تصريحاته أنها ستنفذ من خلال «حل إقليمي» يشارك فيه كل المعنيين بالوضع في المنطقة.
هنا لا بد من فتح قوسين للتذكير ببضعة أحداث وقعت في سنوات الألفية الثالثة وحتى اليوم. أولاً، لا بد من الإشارة إلى أن «صفقة القرن» تتوافق مع مرور قرن كامل على «وعد بلفور»، فهل ذلك محض صدفة؟ وقبل ربع قرن تم التوقيع على (اتفاق أوسلو) في حديقة البيت الأبيض، وقبل عشر سنوات وقع «الانقسام الفلسطيني» بسيطرة حركة (حماس) على قطاع غزة. كذلك مع بداية الألفية الثالثة وقعت حادثة البرجين في نيويورك، وكان قد سبق ذلك حديث أمريكي طويل عن «مشروع الشرق الأوسط الجديد» و«الفوضى الخلاقة» التي ستوصل إليه، ثم كان غزو أفغانستان والعراق. وفي العام 2011 اندلعت انتفاضات «الربيع العربي» التي استغلت لإعادة الحياة لمشروع «الشرق الأوسط الجديد» في طبعة جديدة. كل هذه الأحداث توالت وكأن خيطاً واحداً ينظمها، وحتى لو لم يكن هذا الخيط فإنها تراكمت لتشكل «مخططاً موضوعياً» يستهدف المنطقة العربية أساساً.
لم يخطئ من أطلق على السياسة الدولية اسم «لعبة الأمم»، فالسياسة في نهاية الأمر «لعبة» لكنها لعبة الأقوياء، أما الضعفاء فلا يكونون إلا بيادق و«جائزة» للمنتصرين. فلسطينياً، نرى توجهاً عاماً يسود كل الأطراف وينخرط في عملية «ترويج» مشبوهة لما يسميه البعض «الحل السياسي» للقضية الفلسطينية، بحجة أن المقاومة المسلحة قد استنفذت قدراتها ولم تعد طريقاً مناسبة لتحقيق «المشروع الوطني الفلسطيني»، وأنه لا مفر من الانخراط في «صفقة القرن» أو «لعبة القرن» عبر «العمل السياسي والمقاومة السلمية»!
كل الشعوب التي تعرضت للاستعمار ووقعت تحت الاحتلال، كان أمامها أحد خيارين: إما المقاومة بكل أشكالها، أو الاستسلام عبر الانخراط في لعبة المستعمر. أما الجمع بين المقاومة والعمل السياسي، فيتم من خلال ممارسة المقاومة المسلحة جنباً إلى جنب مع العمل السياسي الذي يجب أن يستند إلى عناصر القوة وإلا فإن القوي سيفرض شروط الحل. وكل ما يحيط بظروف «اتفاق المصالحة» يشير إلى أن الشرط الأول لتنفيذ بنودها هو نزع سلاح المقاومة (خطوة خطوة)، وهو ما يعني أن الهدف هو فرض الحل الذي تريده الولايات المتحدة و«إسرائيل» على الفلسطينيين. أما الذين يروجون ل«حل سياسي» فاقد لأوراق القوة والضغط (الذي لن تكون متوفرة بدون المقاومة المسلحة)، فإما أنهم متآمرون أو جهلة بأوليات اللعبة.
إن الانخراط في «لعبة القرن»، أياً كانت المبررات المرفوعة للانخراط فيها، لن تؤدي إلا إلى تصفية القضية الفلسطينية، لأنها «لعبة» تتم من خارج الشروط الوطنية سواء كان الإطار «حلاً إقليمياً» أو غير ذلك!


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 36 / 574676

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع عوني صادق   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010