الجمعة 15 أيلول (سبتمبر) 2017

حل المشكلة الكردية

الجمعة 15 أيلول (سبتمبر) 2017 par د. عبد الستار قاسم

منذ أكثر من عشرين عاما وأنا أدعو إلى حل المشكلة الكردية لأن عدم حلها سيبقي على النزاعات قائمة، والتي تتطور بين الحين والآخر إلى نزاعات مسلحة تلحق كبير الضرر بالأكراد أنفسهم وبالدول التي يتواجد فيها شعب كردي، وبالتحديد العراق وتركيا وإيران وسوريا. والحل الذي أقدمه هنا هو أحد الحلول الممكنة والتي من المفروض دراستها جيدا.

الأكراد ليسوا عربا ولا أتراكا ولا إيرانيين، ولهم الحق كغيرهم من شعوب الأرض لأن يكون لهم هويتهم المميزة، ولا يحق لأحد أن يحرمهم هذا الحق، وفقط أهل الظلم والطغيان هم الذين ينكرون حقوق الآخرين. والتاريخ يؤكد أن الظلم يولد الانفجار والاقتتال وسفك الدماء، وإذا كنا في هذه المنطقة نريد تجنب ذلك فإن علينا بالعدل والإنصاف وإقامة ميزان الحق. لقد عانت العراق كثيرا بسبب حركة الأكراد ضد الحكومة المركزية، كذلك كان الأمر بالنسبة لتركيا التي تعاني بصورة دائمة ولو متقطعة من العمليات العسكرية التركية. وسبق لإيران أن واجهت حركة كردية في شمالها الغربي، ومن المحتمل أن تنشب المواجهة من جديد. وها هي سوريا الآن تشهد حراكا كرديا لم يتراكم بعد، لكن من المحتمل أن يتراكم ويتطور إلى مواجهة مع الحكومة السورية.

أسوأ ما في الأمر أن نتغافل جميعا عن حقوق الأكراد ونكتفي بوصفهم بالإرهابيين والمتآمرين والانفصاليين. الهروب من واقع الأمر ومن تطلعات الأكراد لا يسعفنا ولا يحل المشكلة، وفي أفضل الأحوال يبعثها إلى سبات يندلع في المستقبل إلى صراع مسلح. لقد قتل من الكرد والأتراك والعرب والإيرانيين ما يكفي، وتهدمت بيوت وأحرقت مزارع وخربت ممتلكات بلا طائل. الناس العاديون هم الذين يدفعون الثمن عادة من نفوسهم ودمائهم وبيوتهم ومصادر رزقهم ويجبرون على الرحيل ليعيشوا حياة التشرد والبؤس. وعلينا جميعا واجب تجنب المآسي والأحزان.

لقد سبق أن طرحت عدة طرق لحل المشكلة الكردية، وما أراه حتى الآن إصرار على بقاء المشكلة قائمة، وإبقاء الأحزان والآلام المرافقة لها. وهنا أقدم حلا عسى فيه ما يجذب مختلف الأطراف للتفكير به. لكن قبل ذلك لا بد من كلمة للإخوة الأكراد:

الكيان الصهيوني مرفوض في هذه المنطقة العربية الإسلامية، وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية، وإذا كنتم تصرون على الاستمرار في علاقة مع الصهاينة فهذا يعني أنكم اخترتم ألا تكونوا جزءا من المنطقة العربية الإسلامية التي لا تقبل الظلم على الشعب الفلسطيني، الكيان الصهيوني عدو للشعب الفلسطيني وللعرب والمسلمين عموما، وإن كان الصهاينة يودون الكرد حاليا فذلك مؤقتا ولمصلحة سياسية آنية. أما الولايات المتحدة فراغبة بالبقاء عسكريا في المنطقة ووجودها في كردستان يهدد إيران بصورة أساسية، ويهدد العرب الذين يسعون إلى تحرير فلسطين وتطوير قدرات علمية وتقنية. إنها دولة استعمارية ذات أطماع كبيرة في منطقتنا، وتعاونكم معها سيجر ويلات على دول وشعوب المنطقة.

أي مطلوب منكم ألا تتعاونوا مع الصهاينة والأمريكان لكي تستقيم علاقاتكم مع كل دول وشعوب المنطقة. هذا علما أن الذين فصّلوا دول المنطقة وهم الاستعمار الغربي كانوا يقصدون وضع الأكراد في حالة من عدم الأمن لكي يبقى الصراع الدموي قائما. ولم تكن الولايات المتحدة والحركة الصهيونية بعيدة عن هذا التقسيم المشؤوم. لقد تم التآمر عليكم بقوة وبكل عنجهية من قبل الدول الغربية ومن والاها. ولهذا نرجو أن يكون الحل إقليميا نابعا من أهل المنطقة.

ومطلوب أيضا التفكير بحل يرضي الجميع وليس حلا غصبا عن الجميع. أي من الضروري عدم دفع الأمور إلى حيث لا حل، والأفضل دائما التروي والسير بحذر نحو حل معقول لا يستفز أحدا. مع إدراكي أن لكم الحق في وطنكم كما للشعب الفلسطيني الحق في وطنه. وما يطرحه البرزاني حاليا يشكل استفزازا ودعوة للانفصال رضي مجمل العراقيين أو لم يرضوا.

أما المطلوب من الدول التي يتواجد فيها الكرد بنسبة معتبرة من السكان ألا تتصرف كدول استعمارية، وأن تدرك أن الأكراد شعب لهم الحق بتقرير مصيرهم. نحن العرب نكافح منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية من أجل الحرية والاستقلال، وكذلك الأتراك والإيرانيون، وما نرتضيه لأنفسنا يجب أن نرتضيه لغيرنا.

أما الحل الذي أراه فيتلخص بالتالي بدون الخوض في التفصيلات:

مطلوب تشكيل فيدرالية حكم ذاتي كردي يشمل كردستان سكانا وجمهورا في كل من إيران وتركيا والعراق وسوريا ويتفق الكرد فيما بينهم حول المركز وحول سلطة فيدرالية لحكم ذاتي. لا تنفصل قطاعات الحكم الذاتي المختلفة عن الدولة الأم، ويبقى كل قطاع خاضع لسيادة الدولة الأم.

الصلاحيات السيادية تبقى بيد كل دولة أم وهي أربع أمهات، أما السلطات المدنية فتؤول إلى سلطة الحكم الذاتي الفيدرالية. وطبعا ينبغي تحديد السلطات السيادية والسلطات المدنية بدقة وبالتفصيل لتجنب سوء الفهم مستقبلا. بإمكان الكرد وفق هذا الحل أن يديروا شؤونهم الثقافية والاجتماعية والمدنية عموما وفق ما يرونه مناسبا، والحل يوحد مختلف أجزاء كردستان تحت قوانين مدنية تجمعهم جميعا تحت سلطة فيدرالية ذاتية واحدة. والدول المعنية لن تفقد من جغرافيتها شيئا، ولن تتنازل عن سلطاتها السيادية بتاتا.

هذا الحل ليس سهلا ويتطلب جهودا ضخمة من أجل إرساء أسسه والاتفاق على تفاصيله، لكن الأهم هو المبدأ. إذا وافقت الأطراف المعنية على المبدأ فإن ما تبقى يخضع لترتيبات إدارية ومدنية مختلفة وهي مسائل فنية وليست مبدأية. ولدى الجميع من الخبرات والمعارف ما يكفي لوضع الأسس وتحديد التفصيلات.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 36 / 574389

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع عبدالستار قاسم   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010