الجمعة 18 آب (أغسطس) 2017

أمريكا«الإسرائيلية»

الجمعة 18 آب (أغسطس) 2017 par أحمد الدبش

عندما بدأ الاستيطان الأوروبي لأمريكا، حمل المهاجرون الجدد، معهم العقيدة البروتستانتية [البيوريتانية / التطهيرية]، التى كانوا يحاولون، بلا طائل، تطبيقها في إنجلترا، ولكنهم طوردوا واضطهدوا، أثناء حكم آل ستيورات، فراح يحدوهم الأمل بإمكان العيش وفقاً للمبادئ البروتستانتية [البيوريتانية/ التطهيرية] على الأرض الجديدة.
فإتّجه هؤلاء على شكل مجموعاتٍ مسافرةٍ على ظهر السُّفن إلى أمريكا وفي ذهنهم تصُّور مفاده أنّهم النُّخبه التي إختارها الرب من بين البشر لإقامة مملكته (مملكة الرب) على الأرض التي إختارها لهم ألا وهي أرض الميعاد (أمريكا).
فحين كتب زعيم الطهوريين جون كوتون مقالته التي وسمها »وعد الله لمستوطنته«، زين صفحة الغلاف بالنص التالي من سفر صموئيل الثاني (7: 10): »وَعَيَّنْتُ مَكَانًا لِشَعْبِي إِسْرَائِيلَ وَغَرَسْتُهُ، فَسَكَنَ فِي مَكَانِهِ، وَلاَ يَضْطَرِبُ بَعْدُ«. وقد بين كوتون هذا المفهوم بوضوح حين خاطب المستوطنين قائلاً: »كان اختيار موقع المستوطنة الأولى هو أول بركة من الله...«. وكانت كل خطوة بعد ذلك من »انتقاء المهاجرين إلى انتقال هذا الشعب أو ذاك إلى موطن أو آخر، كل ذلك كان قراراً إلهياً«
إن المجموعة الأولى التي هاجرت إلى أمريكا كانت تتكوّن من بعض المنشقين الذين فروا من إنجلترا في الفترة ما بين 1607 و1609 إلى »لايدن« في كندا وكان بينهم القس جون روبنسون وأعضاء من رعيته، ومن هؤلاء الفارين هاجرت مجموعة صغيرة إلى أمريكا عرفت باسم »الحُجَّاج« ونزلت في »بليموث« في أواخر عام 1620 ومع أن المستعمرة كانت صغيرة إلا أنها أصبحت أكثر مستعمرات أمريكا شهرة في التاريخ الأمريكي.
وإلى الشمال من »بليموث« بدأت جماعات أخرى تصل إلى المنطقة المحيطة بمدينة »بوسطن الحالية« بولاية »مستشوستس« وقد جاءت هذه الجماعات تحت رعاية »شركة خليج مستشوستس« التي حصلت على إمتياز بالأراضي المحصورة بين نهري تشارلز وميريماك.
فقد اعتقد المهاجرين الجدد، أنهم الشعب المختار، وأن أمريكا هي الأرض المختارة (كنعان الجديدة) وأنهم ركبوا المحيط وخرجوا من ديارهم مطاردين فارّين من ظلم ملك إنجلترا، تماماً كما خرج »الإسرائيليون« الأوائل من ديارهم وإنشق بهم البحر وهم فارّون من ظلم »فرعون« واتباعه المصريين، وأنهم قادمون إلى العالم الجديد لإقامة »صهيون الجديدة« فيه تماماً كما قدم »الإسرائيليون« إلى أرض كنعان لإقامة صهيون فيها.
يقول بول مركلي، في كتابه »الصهيونية المسيحية«: فقد رأى البيوريتانيين في تجربتهم الخاصة المتمثلة »بالهروب إلى البراري، من أوروبا المنحوسة مساوية لتجربة اليهود الذين قادهم موسى من مصر، غير أنها كانت أكثر بكثير من تجربة مساوية. لقد آمنوا بأن تجربتهم لم تكن في الحقيقة إلا تجسيداً حياً لتجربة الخروج. وقد فسروا تجربتهم على أنها تكرار للتاريخ الذي شكل شعب الرب القديم«.
وفي هذا الصدد يقول كل من، مايكل كوربت وجوليا كوربت، في كتابهما »الدين والسياسة في الولايات المتحدة الأمريكية«: على غرار الخروج الجماعي المذكور في العهد القديم والذي هرب فيه اليهود من مصر ورحلوا إلى ارض جديدة وعدهم الرب بها، نظر البيوريتانيون لأنفسهم على أنهم الشعب المختار الجديد، ونظروا إلى العالم الجديد على انه »إسرائيل« الجديدة. أما العالم القديم بالنسبة لهم، فكان هو مصر التي فروا منها. لقد عقدوا عهداً مع الرب: إنه إذا أمن الرب ذهابهم إلى العالم الجديد، فإنهم سيؤسسون مجتمعاً تحكمه القوانين الإلهية.
وكما يري كليفورد لونجلى، في كتابه »الشعب المختار الأسطورة التي شكلت إنجلترا وأمريكا«: كانت مصر (وفرعون بالتالي)، في التنميط البروتستانتى، هي المعادل لأي طغيان وجد منذ ذلك الحين فصاعداً، كما كان »بنو إسرائيل« هو الاسم الذي يطلق على أية مجموعة قاومت الطغيان وهربت منه. ومن ثم كان ممكناً أن تكون مصر هي روما في عيون البروتستانت في القرن السادس عشر، أو هي إنجلترا بالنسبة للأمريكيين في القرن الثامن عشر.
لم تكن مقارنة تجربة المهاجرين الأوائل بتجربة »الإسرائيليين« الكتابية تقتصر على المخاطر التي واجهوها في بيئة عدائية وحسب، بل امتد هذا التشبية ليمزج بين الخطاب الديني الكتابي والجغرافيا المقدسة وبين التجارب الحياتية الحقيقية وليشمل قصة الهروب من مصر عبر سيناء والبحر الأحمر إلى أرض كنعان. فمثلاً، عشية مغادرة مجموعة »الحجاج« بقيادة جون وينثروب إلى العالم الجديد عام 1629، جلسوا ينصتون بخشوع إلى موعظة أكدت بتعابير كتابية أنه »حين يلفكم الله برداء رحمته ويبعث فيكم الحياة والقوة... فهنالك تقع أرض الميعاد«. وأضاف »إننا سنجد رب إسرائيل بيننا عندما سيتمكن العشرة منا من منازلة ألف من أعدائنا، وعندما سيعطينا مجده وأبهته، وعندما يتوجب علينا أن نجعل من [نيو إنغلاند] مدينة على جبل«.
بهذا نجد أن نظرة الجيل الأول للمهاجرين الجدد، كثيراً ما يشبهون أنفسهم وأوضاعم بـ »بني إسرائيل«. فمن ناحية التنميط، كان موسى أكثر جاذبية لصانعي الأساطير في أمريكا، وكان اسمه يستخدم في المقارنات مع جون وينثروب، أول حاكم لمستعمرة مستشوستس. فقد ربط كليفورد لونجلى، بين دور موسى وجون وينثروب، فكانت فكرته هو. ففي خطبته الشهيرة التي تحمل عنوان (A Model Of Christian Charity)، والتي كتبها على ظهر السفينة »آرابلا«، وهو يقترب من الشواطئ الأمريكية سنة (1630)، كانت الخاتمة: »إنني سوف أنهى هذه الخطبة بتلك الوصية التي قالها موسى، ذلك الخادم المخلص للرب، في وداعه الأخير لإسرائيل. في سفر التثنية 30: »انظر قد جعلت قدامك الحياة والخير والموت والشر. بما أنى أوصيتك اليوم أن تحب الرب إلهك وتسلك في طرقه وتحفظ وصاياه وفرائضه وأحكامه لكي تحيا وتنمو ويباركك الرب إلهك في الأرض التى أنت داخل إليها لكي تمتلكها« ــ سفر التثنية (3: 15- 16).
يذهب منير العكش، في كتابه »حق التضحية بالآخر: أميركا والإبادات الجماعية«، إلى انه يجب الربط بين دور نحميا، بطل إحياء » إسرائيل«، وجون وينثروب. وينقل عن كوتون ماذر، سيرة جون وينثروب في كتابه »نحميا الأمريكي «Nehemias Americanus تأسياً بنحميا الأسطوري الذي قاد »الإسرائيليين« في »عودتهم« من سبي بابل إلى أرضهم الموعودة ونظم الكثير من موجات الهجرة من بابل إلى يهوذا، وأشرف على انتشال أورشليم من أنقاضها وأعاد بناءها مدينة على جبل (City Upon A Hill).
ينقل رضا هلال، في كتابه »تفكيك أمريكا«: ما قاله القس البروتستاني صمويل ويكمان في موعظته الشهيرة على ظهر السفينة »آرابلا«؛ التي حملت مجموعة من البروتستانت البيورتانيين (التطهريين) إلى خليج مستشوستس: »... إن أورشليم كانت، لكن نيو إنجلاند (المستعمرة الأولى) هي الموجودة الآن، وإن اليهود كانوا، لكنكم أنتم (البروتستانت التطهريون) شعب الله المختار وعهد الله معكم، فضعوا اسم نيوإنجلاند مكان اسم أورشليم«.
في وصف كوتون ماذر لتجربة المهاجرين الذين وصلوا إلى شاطئ نيو إنجلاند عام 1623 قال: »كان بينهم عدد من الزعماء ذوي الفضيلة الذين جاؤوا يسعون لتحقيق مجد »إسرائيل« الصغيرة هذه، رغم أنهم جابهوا حين وصولهم ظروفاً صعبة كالتي جابهها بناة هيكل القدس«.
يقول محمد السماك، في كتابه »الصهيونية المسيحية«: المهاجرون الأوائل أعطوا أبناءهم أسماء عبرانية (إبراهيم، سارة.. ألعازر..إلخ)، وأطلقوا على مستوطناتهم أسماء عبرانية (حبرون وسالم وكنعان.. إلخ)، وفرضوا تعليم اللغة العبرية في مدارسهم وجامعاتهم، حتى إن أول دكتوراة منحتها جامعة هارفارد في العام 1642 م كانت بعنوان »العبرية هي اللغة الأم«، وأول كتاب في أمريكا كان »سفر المزامير« (Psalm)، وأول مجلة كانت مجلة »اليهودي« (The Jew).
لقد باتت أمريكا بالنسبة للمهاجرين الجدد »النموذج الروحي للعهد القديم العبري«، بل نجدهم يسمون أنفسهم »أطفال إسرائيل ــ «Children Of Israel.
وهكذا، فإن نشأة أمريكا كانت نتيجة اندفاعة دينية، فقد كان خطاب المهاجرين يتألف من إنزال قصص الكتاب المقدس على تجربتهم، ومن عالم الخيال الكتابي استقوا إرثهم الأسطوري!!


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 11 / 581571

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع أحمد الدبش   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010