الجمعة 4 آب (أغسطس) 2017

يهود روسيا و”إسرائيل”: من الاندفاع إلى الانكفاء

الجمعة 4 آب (أغسطس) 2017 par علي بدوان

منذ فترةٍ ليست بالقصيرةِ وأبواق الإعلامِ والمؤسساتِ البحثيةِ والمراجع “الإسرائيليةِ” الرسميةِ تُثير الهلع المتزايد داخل “إسرائيل” مُحذرة مما أسمته كارثة ديمغرافية قادمة طالما بقيت الأمور تراوح مكانها بل وتتراجع في ميزان “الهجرة الاستيطانية اليهودية” إلى فلسطين المحتلة عن سنوات سبقتها، في إشارة واضحة لنضوب المنابع الخارجية التي طالما رفدت الدولة العبرية الصهيونية منذ قيامها بالطاقة البشرية.
فالمصادر “الإسرائيلية” الرسمية تؤكد تراجع أرقام الهجرة اليهودية باتجاه فلسطين المُحتلة بشكلٍ كبير ولافت، خصوصا من دول وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، حيث اجتذبت “إسرائيل” أكثر من مليون وربع المليون يهودي من الدول المُشار إليها خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي. كما أظهرت المعطيات والأرقام التي نشرتها مصادر “إسرائيلية”، ومنها الجهة المعنية بشؤون الاستيطان الاستعماري الإجلائي الصهيوني والمسماة بوزارة “الاستيعاب” أن هجرة اليهود إلى “إسرائيل” واصلت تراجعها من عامٍ لآخر.
ومن الطبيعي القول بأن انكفاء قدوم يهود الاتحاد السوفييتي السابق من أوطانهم الأصلية إلى فلسطين المحتلة يعود لجملةٍ من الأسباب، أولها الدور البارز للعمل الكفاحي الوطني الفلسطيني في الداخل، حيث يَلعَب الاستقرار الأمني دورا مهما في جذب مزيد من يهود العالم إلى فلسطين. وثانيها تحسن أوضاعهم الاقتصادية في بلدانهم الأصلية كما حال دول الاتحاد السوفييتي وروسيا على وجه الخصوص، وعودة الانتعاش الاقتصادي إلى جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، لذا فالفرصة الأفضل أصبحت في نظر أعداد كبيرة من يهود روسيا والدول المذكورة البقاء في وطنهم الأم.
لقد شكلت الهجرة اليهودية الاستيطانية الاستعمارية إلى فلسطين المحتلة خلال العقد الأخير من القرن الماضي وتحديدا منذ العام 1988 من روسيا وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق الحملة الاستيطانية الكبرى في تاريخ “إسرائيل”، وهي الحملة التي رفدت الدولة العبرية الصهيونية بأكثر من مليون وربع مليون يهودي باتوا يشكلون الآن ما نسبته ( 25%) من سكان “إسرائيل” من اليهود، ملتحقين بعتاة الصهاينة من بلدانهم الذين غادروا موطنهم الأصلي بدايات القرن الماضي ليشكلوا العمود الفقري لليشوف (المجتمع) اليهودي ما قبل قيام الدولة العبرية على أرض فلسطين، وهم الذين أصبحوا لاحقا من الآباء المؤسسين للمشروع الصهيوني على أرض فلسطين (فلاديمير جابوتنسكي، شاؤول تشيرنيهوفسكي، مناحيم يوسيشكين، ناحوم سوكولوف، يتشهوك كاتسينلسون، ديفيد بن غوريون، مناحيم بيغن …) وكانوا كلهم يهودا ناطقين باللغة الروسية.
لقد كانت الهجرة اليهودية من روسيا إلى فلسطين قد بلغت حدودا ضيقة بعد وقت قصير من تأسيس دولة “إسرائيل” وذلك بسبب من معارضة الاتحاد السوفييتي السابق، الذي سَمَحَ بهجرةِ أعداد قليلةٍ منهم فقط بأمل تعزيز التوجهات الشيوعية في الدولة الجديدة المنظمة وإضافتها إلى معسكر “الدولة الاشتراكية” في الشرق الأوسط، لكن ونظرا للتأثير الأميركي الذي تنامي مُطردا في العلاقة مع “إسرائيل” وتبنيها الكامل فسرعان ما انتهت الهجرة اليهودية من الاتحاد السوفييتي السابق إلى فلسطين.
وفي حقيقة الأمر، فإن الهجرة اليهودية من دول الاتحاد السوفييتي إلى فلسطين بقيت بحدودٍ ضيقةٍ، لكن وبعد ضغوطٍ سياسيةٍ مُختلفة دفعت بالاتحاد السوفييتي بالسماح لعدد من اليهود بالرحيل، وبين عامي 1970 و 1980 قام حوالي (130000) منهم بالقدوم إلى فلسطين المحتلة. وبدءا من ثمانينيات القرن الماضي ومع إطلاق ميخائيل غورباتشوف سياسة (الانفتاح/الغلاسنوست) تحول تقاطر المهاجرين اليهود إلى فلسطين إلى سيل مع أكثرية راغبة من اليهود الروس بالانتقال إلى الغرب الأوروبي عبر الهجرة الى فلسطين المحتلة، وبعد العام 1990 أصبح دخول اليهود إلى الولايات المتحدة، كندا، استراليا، وأوروبا الغربية (ما عدا ألمانيا) محدودا أكثر فأكثر ما أعاد وبشكل فعال توجيه النزوح اليهودي الكبير ما بعد الحقبة السوفيياتية إلى “إسرائيل”.
وعليه، وعلى امتداد التسعينيات واجهت “إسرائيل” سيلاً ضخما من اليهود الناطقين بالروسية الذين وصل عددهم إلى مليون وربع المليون تقريبا، فزادوا تعداد السكان اليهود على أرض فلسطين التاريخية إلى نحو (20%) مُشكلين ما نسبته مع الذين سبقوهم من يهود روسيا ما نسبته (25%) من سكان الدولة العبرية من اليهود، وانحسر هذا المد تدريجيا بعد العام 1995، وتحول لاحقا إلى توارد محدود وبالقطارة.
الجدير بالذكر أن اندماج موجات هجرة يهود الاتحاد السوفييتي السابق في الدولة العبرية الصهيونية، يواجه صعوباتٍ كُبرى لأسبابٍ ثقافيةٍ ولغويةٍ وحياتيةٍ واقتصاديةٍ، فأضافوا مظاهر جديدة لسلسلة الهويات اليهودية الموجودة بالأصل في “إسرائيل”.
وبسببٍ من صعوباتِ الاندماجِ، شَعَرَ العدد الأكبر من مهاجري يهود الاتحاد السوفييتي السابق إلى فلسطين، بالإقصاء عن المجتمع العبري السائد ووجدوا حلاً لحاجاتهم الاجتماعية والثقافية بإنشاء نظامٍ من المؤسسات الاجتماعيةِ الخاصةِ بهم (مدارس، مكتبات، نوادي، مسارح، أعمال صغيرة) بالإضافة إلى الإعلام باللغة الروسية ( صحف يومية عديدة، قناة تلفزيونية، محطات إذاعية، الخ ).
ومن جانب آخر، إن تراجع الوعود الخلابة أمام يهود الاتحاد السوفييتي السابق، بمستقبلٍ اقتصادي جيد في “إسرائيل”، والصعوبات التي باتوا يعانون منها، دَفَعَ بهم إلى الانعزال الاجتماعي عن نظرائهم اليهود “الإسرائيليين”، وأدى ذلك أيضا وبشكلٍ غير مباشر إلى عدم تشجع كثير من اليهود الروس على تعلم اللغة العبرية بما يتجاوز الحد الأدنى الأساسي.
أخيرا، تُشير معلوماتٍ مؤكدة تؤيدها المصادر “الإسرائيلية” المعنية بالاستيطان في فلسطين المحتلة، بأن السلطات الروسية لم تتخل بعد حتى عن أولئك الذين غادروها إلى الدولة العبرية، فقد بدأ أن هناك خطوات روسية لتشجيع من غادر منهم إلى فلسطين المحتلة للعودة إلى وطنهم في ظل التحسن المتسارع للأوضاع الاقتصادية هناك في روسيا قياسا لعقدي التسعينيات من القرن الماضي والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين. كما تؤكد المصادر ذاتها، المعلومات التي تقول بأن روسيا أقامت في تل أبيب مكاتب يعمل فيها مندوبون رسميون للحكومة الروسية لأجل هذا الغرض، ضمن خطة لتشجيع عودة مواطنين روس هاجروا إلى الغرب بشكل عام باعتبار أن غالبيتهم كفاءات مهنية وعلمية على جودة عالية.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 16 / 566519

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع علي بدوان   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010