الجمعة 16 حزيران (يونيو) 2017

نكبة عمرها نصف قرن

الجمعة 16 حزيران (يونيو) 2017 par عوني صادق

دخلت التاريخ تحت اسم (النكسة). وفي حقيقة الأمر وبدلالة ما تحقق في الواقع، كانت أكبر نكبة شهدها تاريخ العرب الحديث. وفي هذه الأيام تكمل نصف قرن من عمرها، الذي يبدو حتى الآن مديداً، تغير فيه تاريخ الأمة العربية كما تغيرت- وقد تتغير أكثر- جغرافيا الوطن العربي. أعطاها اسمها أهم زعيم عربي ظهر في القرن العشرين، لم يكن يريد تزوير التاريخ أو تضليل الأمة عندما سماها (نكسة)، لكنه كان قد عقد العزم على ألاّ تكون أكثر من معركة خاسرة تتلوها حرب رابحة، وتأكيداً لذلك هبّ يرمّم ما تهدم ويصلح ما فسد. كان عيبه أنه أراد أن يصلح في ربع الساعة الأخير كل الأخطاء التي وقعت خلال سنين ماضية، لكن القدر لم يسعفه فاختطفه الموت بعد وقت قصير قبل أن يحقق ما اعتزم. وجاء بعده قوم فاسدون ضيعوا ما بدأ بناءه، وقضوا على الزرع والضرع، فولدت النكسة نكبة، ثم نكبات توالت ولا تزال !
ويرى باحثون عرب، أنه في شهر يونيو/ حزيران من العام 1967 بدأ التاريخ الحقيقي ل (دولة «إسرائيل»)، ولم يبدأ في شهر مايو/ أيار 1948. ذلك لأنه حتى الانتصار الذي تحقق لها في يونيو/ حزيران من ذلك العام كانت (الدولة) مشروعاً غير مستقر في نظر الحركة الصهيونية، وأيضاً في نظر ملايين العرب ولو أيديولوجيّاً، فكان مشكوكاً في بقائها واستمرارها بالرغم من أن المشروع الاستعماري الذي قامت على أكتافه لم يتغير. كانت شمس بريطانيا (راعية المشروع) قد بدأت رحلة الأفول، ولم تكن زعيمة المعسكر الغربي الجديدة، الولايات المتحدة، قد اعتلت عرش (العالم الحر) ولم تقتنع بعد بالوظيفة التي أعطيت للكيان الصهيوني الوليد. بعد انتصار 1967، تغير المشهد تماماً، يهودياً وعالمياً، والأهم عربياً. بدأت تدفقات جديدة للهجرة اليهودية، وانهالت عليها الاستثمارات، والأهم تغيرت نظرة الولايات المتحدة لوظيفة ودور الكيان، فكان أن بدأ التحالف الاستراتيجي بينهما، الذي سيدعمها ويحميها ويضمن أمنها وتفوقها العسكري على دول المنطقة. أمّا عربيّاً، فكانت الصدمة فوق التصور، فتم تعظيم القدرات العسكرية «الإسرائيلية» بما لم تكن حقائق الميدان تبرر جزءاً منه. وكنتيجة لذلك التعظيم، استدخلت الهزيمة واستبعد (بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر) مجرد التفكير في الحرب أو في إمكانية الانتصار على «إسرائيل» في أي حرب يمكن أن تقع! ولم يبق إلاّ المساومة والخضوع، وفي أحسن الأحوال التحايل عليهما على قاعدة (إنقاذ ما يمكن إنقاذه بأقل الخسائر)!
كان طبيعيّاً أن يؤدي منطق الأنظمة العربية في مواجهة العدو الصهيوني إلى مزيد من الخسائر والنكبات، وكانت النتائج ماثلة في ما تحقق من اتفاقيات الصلح المنفردة التي جاءت تباعاً مع مصر (1979)، ومنظمة التحرير الفلسطينية (1993)، والأردن (1994)، وعبر المفاوضات المباشرة المنفصلة. اليوم وبعد نصف قرن من عمر النكسة- النكبة، يواجه العرب والفلسطينيون واقعاً كارثياً: «إسرائيل» لم تعد تعتبر الضفة الغربية «أرضاً متنازع عليها» أو محتلة، بل هي «أرض محررة»، وقد ضمّت القدس الشرقية. وفي وقت مضى كان الحديث يدور عن (دول الطوق) و (الجبهة الشرقية) كأداة استراتيجية لمواجهة التمدد «الإسرائيلي» والتحرير.
لقد أثبتت القيادات «الإسرائيلية» على طول تاريخ الكيان أنها لا تملك ولا تفكر بوسيلة للتعامل مع الفلسطينيين والعرب غير وسيلة القوة. لذلك فإن التعامل الناجع معها لا بد أن يكون بنفس الوسيلة التي يمكن توفيرها لو توفرت الإرادة. وإذا كانت الدول العربية لم تعد عملياً قائمة، وكانت الأنظمة قد قررت أن تستسلم وتخضع، فإنه لم يبق إلاّ الالتجاء إلى الشعوب والمقاومة الشعبية، وهذه كانت في يوم تجد ضالتها في منظمات المقاومة الفلسطينية في إطار منظمة التحرير التي لم تعد بدورها قائمة، والفصائل إمّا أنها صارت أسماء بلا مسميات، وإما أنها لحقت عملياً بشكل أو آخر بالسلطة التابعة. فماذا يعني ذلك؟ هل معناه أنه لم تعد هناك طريق سالكة لمواجهة هذا العدو التاريخي للأمة؟ والجواب بالنفي طبعاً.
كل الأحاديث التي تدور الآن حول (إحلال السلام في المنطقة) و(حل الصراع) هي في الحقيقة حل تصفوي واحد «إسرائيلي»، عبر دهاليز متعددة. والمطلوب إفشاله بالصمود والمقاومة، لتنقلب كل إجراءات الصهاينة ولتبدأ العمل ضدهم. المطلوب استنهاض الشعوب، وأولاً الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال لإفشال خطط التصفية التي تحاك في القمم والمؤتمرات، بالاستفادة من تجارب نصف القرن الماضي، لتغيير الاتجاه الذي ساد حتى الآن.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 39 / 581572

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع عوني صادق   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010