الجمعة 24 آذار (مارس) 2017

المفاوضات.. وجوهر المصطلح

الجمعة 24 آذار (مارس) 2017 par علي قباجة

الحياة الإنسانية تقوم على المفاوضات، والمصطلح يلخص ركناً أساسياً في العلاقات القائمة بين البشر، ولا يمكن السير بأي خطوة، ولو كانت متناهية الصغر دون تطبيقه في أدق تفاصيل يومنا. فالمشتري يفاوض البائع على سلعه مستنداً إلى أمواله، والمقاول يفاوض أرباب الشركات معتمداً على خبرته، والطفل يفاوض أمه للحصول على حاجياته، مستغلاً عطفها وحنانها، وهكذا تسير معظم التعاملات القائمة، والأمثلة السابقة ذاتها هي ما تسير عليه السياسية في مبادئها، إلا أنها أكثر شمولاً، وأوسع نطاقاً.
لكن الشيء المشترك في الأمثلة، أو أغلب العمليات التفاوضية القائمة، هو امتلاك المفاوض لعنصر قوة يعتمد من خلاله على دفع الطرف الآخر للقبول بأطروحاته، وإعطائه ما يبغي الوصول إليه.
وعند إسقاط الأمر على السياسة، فإن الأمر كذلك، فالثوار الفيتناميون فاوضوا المحتل الأمريكي على الخروج من بلادهم، معتمدين على فوهات بنادقهم، وما حققته من منجزات على الأرض، وعمر المختار حينما كان يجلس على طاولة الحوار مع المحتل الإيطالي، كان أتباعه يشنون الغارات على الدوريات والمعسكرات الاحتلالية في أنحاء ليبيا، وثمة الكثير من الدول التي كبّلها الاستعمار، وفاوضت على استقلالها، لكن بالاستناد إلى المد المقاوم، الذي جعل للمفاوضات معنى وجدوى حقيقية؛ بحيث تُخضع الطرف الآخر، وتجبره على القبول بما لا يرغب به في بعض الأحيان.
وبهذا، فلو عدنا إلى الساحة الفلسطينية، وبحثنا آلية المفاوضات التي تقوم بها القيادة الفلسطينية، لرأينا أنها بعيدة كل البعد عن المفاوضات. فالسلطة الفلسطينية لا تملك أي ورقة حقيقية تضغط من خلالها على المحتل. فالمقاومة مغيبة، والاقتصاد محطم، والفصائل مشتتة، وبنية الشعب ضعفت إلى أبعد الحدود؛ لذا ما تقوم به السلطة الفلسطينية يمكن أن يسمّى محادثات سجين مع سجانه، للحصول على بعض الحقوق، لكن ما يُعطى يخضع لرغبة السجان، وما يريد أن يمنحه لسجينه بغض النظر أقبل السجين أم لا. وإذا افترضنا أن التوجه إلى المنظمات الدولية هي ورقة ضاغطة على الكيان كما تقول السلطة، إلا أنها في الحقيقة ورقة لاغية، بسبب تحكم الاحتلال بمفاصل حياة الفلسطينيين، وهو قادر على ابتزاز القيادة، لتحطيم جميع أوجه الحياة للفلسطينيين، إذا ما أقدموا على أي خطوة دولية.
كان خطأ استراتيجياً ركون المفاوض الفلسطيني إلى خيار المحادثات، دون الاستناد إلى قوة ما، ف«إسرائيل» لن تعطي شيئاً دون مقابل، والتاريخ أثبت ذلك، وبهذا فإن تمسك السلطة بخيار ما تسميه «مفاوضات» لن يجدي نفعاً، وستضيع الحقوق في دهاليز الزمن..
بإمكان السلطة التنصل من الاتفاقات السياسية ك«أوسلو»، والاقتصادية ك«اتفاقية باريس»، كما تنصل منها الاحتلال، والعودة إلى المربع الأول، واستعادة الأوراق الضاغطة، لإجبار الكيان على الخضوع من خلال مفاوضات مشرّفة تتخللها عناصر قوة.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 9 / 574216

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع علي قباجة   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010