الجمعة 3 آذار (مارس) 2017

دعوة ترامب للاعتراف بـ «إسرائيل» دولة يهودية

الجمعة 3 آذار (مارس) 2017 par عوني فرسخ

عقب لقاء الرئيس ترامب مع نتنياهو أعلن اعترافه ب«إسرائيل» دولة يهودية، وطالب الشعب العربي الفلسطيني بالاعتراف بذلك. فهل دعوة ترامب واقعية؟ أم أنها مجرد أمنية رغائبية، فرصتها في النجاح محدودة للغاية. إن لم تكن منعدمة تماماً على الرغم من استشراء التطبيع، وارتهان قرار سلطة الحكم الذاتي في الضفة الغربية المحتلة لمصادر تمويلها المتحكمة بها الإدارة الأمريكية؟
وفي محاولة الإجابة عن السؤال المطروح نُذكِّر ببعض حقائق الصراع العربي - الصهيوني. إذ بعد إحدى عشرة دقيقة من إعلان قيام «إسرائيل» في 15/5/1948 صرح أمين السر الصحفي للرئيس ترومان قائلاً: «أٌعلمت هذه الحكومة بأن دولة يهودية قد أعلنت في فلسطين، وأن الاعتراف قد طلبته الحكومة المؤقتة لهذه الدولة، وقد اعترفت الولايات المتحدة بالحكومة المؤقتة كسلطة أمر واقع لدولة إسرائيل الجديدة».
صحيح أن المستوطنين الصهاينة في الأرض المحتلة حينها كانوا يهوداً إلّا أن «إسرائيل» لم تكن يهودية ما يدحض مشروعية اعتراف إدارة ترومان. ذلك أن المواطنين العرب أصحاب الوجود الشرعي التاريخي في فلسطين: الذين فرضت عليهم الجنسية «الإسرائيلية» من دون طلب أحد منهم، كانوا يشكلون 11% من سكانها، وقد أخضعوا منذ بداية احتلال معظم وطنهم التاريخي لإجراءات استهدفت هويتهم الوطنية الفلسطينية وانتماءهم القومي العربي، غير أن التحدي الصهيوني استفز إرادة الممانعة والمقاومة المتجذرة لدى غالبيتهم، بحيث لم يفشلوا فقط مخطط محو تاريخهم وتشويه ثقافتهم العربية، وإنما أيضاً تزايدت فعاليتهم في التصدي للإجراءات والممارسات العنصرية الصهيونية.
فيما كانت تداعيات نكبة 1948 هي الأشد على الشعب العربي الفلسطيني باغتصاب 78% من وطنه وتهجير 61% من مواطنيه باعتماد القيادات الصهيونية السياسية والعسكرية، التطهير العرقي في إفراغ المدن والقرى العربية من غالبية مواطنيها، كما وثق ذلك المؤرخون «الإسرائيليون» الجدد أمثال: بني موريس وتوم سيغف وإيلان بابيه، فضلاً عن خسارته أهم مصادر رزقه في الساحل والجليل المحتلين. ولكنه لم يفقد قدراته البشرية واعتماده الجد في العمل والاعتماد على الذات فأقبل على التوسع في تعليم الأولاد والبنات الذين وفروا كامل احتياجات أهاليهم بالعمل في أقطار اللجوء العربية ودول الخليج العربي. بحيث أسهموا في تطويرها اقتصادياً واجتماعياً وعلمياً على نحو مشهود به لغالبيتهم.
ومنذ العام 1949 بادرت الإدارات الأمريكية، خاصة إدارة الرئيس أيزنهاور، إلى طرح مشروعات لتوطين اللاجئين في الأقطار العربية، متصورة أنها بذلك تصفي القضية الفلسطينية. ومع أن أكثر من نظام عربي، أبدى استعداده للاستجابة للمبادرات الأمريكية، غير أن تلك المبادرات جميعها تكسرت على صخرة الإصرار الفلسطيني على تحرير الأرض المحتلة، وإعادة اللاجئين واستردادهم أملاكهم والتعويض عليهم وبالاستعداد غير المحدود للتضحية وبالعطاء المتواصل، والصمود في مواجهة آلة الحرب الصهيونية فرض الكفاح المسلح الفلسطيني، المدعوم من قوى التحرر العربي، قضية شعبه على الساحة الدولية، باعتبارها إحدى أبرز قضايا التحرر الآسيوية والإفريقية والأمريكية اللاتينية.
وبمقارنة ما كانت عليه حال كل من الولايات المتحدة، والشعب العربي الفلسطيني مطلع خمسينات القرن العشرين بواقع أمريكا وشعب فلسطين في الزمن الراهن تتضح للباحث الموضوعي أنه لا مجال مطلقاً للمقارنة بين ما كانت عليه قدرات وفعالية الولايات المتحدة ومكانتها الدولية زمن الرئيس أيزنهاور، وما هي عليه الحال الأمريكية زمن ترامب.
وبالمقابل فإنه مع تقدير كل ما حققته القوى الوطنية الفلسطينية من إنجازات ومكانة إقليمية ودولية في خمسينات وستينات القرن الماضي، إلّا أنها لا تُقاس بأي حال بما غدا عليه شعب فلسطين من قدرة على التصدي والممانعة، ومكانة إقليمية ودولية.
وبكل المقاييس يمكن القول بأن فعالية الرئيس ترامب، وقدرة إدارته على فرض ما يدعو إليه، تراجعت عما كانت تستطيعه إدارة الرئيس أيزنهاور. وبالمقابل تبدو فعالية الشعب الفلسطيني اليوم أعظم، وقدرته أوضح على التصدي والصمود، وإفشال المخططات المعادية لحقوقه المشروعة. فضلاً عن أنه غدا يحظى بتأييد قوى التحرر العربية والدولية الأمر الذي لم يكن متاحاً له ماضياً.
وإذا كان الرئيس أيزنهاور لم يستطع تنفيذ توطين اللاجئين وتصفية القضية الفلسطينية فدعوة ترامب لا تتوفر لها على أرض الواقع أي فرصة للنجاح.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 7 / 574244

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع عوني فرسخ   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010