الجمعة 20 كانون الثاني (يناير) 2017

"كتبنا" اسم كريم على ورقة تذوب

الجمعة 20 كانون الثاني (يناير) 2017 par د.احمد جميل عزم

يعلو وادي عارة سهل أخضر مائل للانحدار، عند نهايته تكمن قرية عارة، حيث كان يسكن كريم. وتوجد فيها الآن بيوت قرميدية، ومئذنة جامع قُبّته بيضاء، كمهرة في رواية ابراهيم نصرالله "زمن الخيول البيضاء".
في السادس من كانون الثاني (يناير) 1983، دخلوا البيت يصرخون: أين كريم؟ إذن، دخل كريم السنة الرابعة والثلاثين في المعتقل.
في زمن تحول الثورة إلى سلطة، أصبحت بعض المناسبات الوطنية مصقولاً ومكلفاً ماديا، تُستخدم فيه الصور واليافطات المطبوعة في وكالات الإعلانات التجارية، بديلاً من الشعار الثوري الذي كان يخطه ملثّم على الحائط؛ وإن كان البعض ما يزال يحن إلى زمن الشعار الثوري، ويستخدمه هوايةً أو سخريةً، أو لأنّ "الإمكانات" غير متاحة له. ويحلو لي أن أتابع جدارا في قرية "سردا" قرب رام الله، يتجدد عليها شعار كل حين؛ في مرة كان الشعار "جيت أغير الدنيا.. تغيّرت أنا". وفي مرة، وبالخط نفسه: "أستحلفكم بالله لا تتركوا دماء الشهداء تذهب هدرا".
عندما تجد عملا لا يوقعه أحد؛ ارتجاليا وبأقل إمكانات متاحة، يصير لزاماً أن تبتسم وتتنفس الصعداء. وهذا هو الموقف وأن تشاهد هذا الأسبوع على جدران في الضفة الغربية أوراقا طُبعت عبر جهاز حاسوب، على عجل، وتصويرا باهت الألوان، كتب عليها: "كريم يونس.. لا تنسوه". وتفكر أي شاب أو شابة احتار ماذا نفعل، وكيف نتفاعل مع كريم. وأخيرا، وجد (وجدوا) أنّ الشمعة التي يستطيع إشعالها بهدف لعن الظلام، هي طباعة اسم كريم والتذكير به.
بينما هذه الأوراق على الجدران بانتظار سقوط المطر، فإنّ مشهدها بألوانها الباهتة وأطرافها الممزقة، يضاهي قرية أم الحيران في النقب؛ بيوت ممزقة، وقرية بدائية، لكنها ترفض أن تذوب، ويقاتل أهلها ضد الاستيطان الإسرائيلي الذي يريد هدم القرية لبناء قرية يهودية مكانها، حتى لو كانوا غير مسيّسين حقا، ومن دون قيادة، ومن دون تنظيم. هذا الأربعاء كان "أربعاء أم الحيران الدامي"؛ هدموا البيوت، وخرج فلسطيني بدوي من بيته وركب سيارته، ويقول أهله إنّه لم يكن ينوي شيئاً سوى أن لا يرى بيته يهدم، أو أن يخلي بيته، فيطلق الجنود النار عليه بزعم محاولته تنفيذ عملية دهس، ويخرج رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو يعتبر الشهيد إرهابياً، فقد صدمت سيارته وهم يطلقون النار عليه شرطيا احتلاليا، ومات.
اعتقل كريم لمشاركته في المقاومة. ولأنه من أراضي الاحتلال الأول و"حُمّل" الجنسية الإسرائيلية، اتهم بـ"خيانة المواطنة" وحكموه بالإعدام شنقاً، وتم إلباسه زيّاً أحمر مخصصا للإعدام حين حضر ذووه لزيارته بعد الحكم، بهدف التأثير على معنوياتهم. ثم استبدل الحكم بالسجن المؤبد.
يقول الأسير المحرر سلمان جادالله (74 عاما) الذي نشر الإعلام مناشدته العام الماضي لحاجته إلى 4000 شيكل (أقل من ألف دولار) عاجلة، لإنقاذ عينيه من العمى؛ يقول وهو يلف رأسه بكوفية في فيلم بعنوان "مؤبد مفتوح"، عن كريم، وهو بالكاد يفتح عينيه: "كنت أراه دائماً فارساً على مهر من خيول وادي عارة، يقاتل دائماً الاحتلال حتى في سجنه". ويقول: أتذكر دائما أغنية سمعتها في عرس العام 1983 "يا طلة خيلنا من وادي عارة"؛ كنت أرى كريم في الأغنية فوق الخيل. ويقول أسير محرر آخر (جبر وشاح): "واحد لم يسكن السجن قلبه وهو في قلب السجن".
عندما اعتقل كريم، اعتقلوه من مختبر كلية الهندسة الميكانيكية، في داخل جامعته في بئر السبع، قرب أم الحيران. وأمس، انتفضت سخنين وحيفا وغيرهما تضامنا مع أم الحيران، وكانت تظاهرة سخنين أمام نصب شهداء يوم الأرض العام 1976.
عندما استشهد خليل الوزير، قال ياسر عرفات يومها إنّ اغتيال أبو جهاد أو أبو عمار لن يوقف الثورة. وقال في حمأة الغضب: "إن هذه الدماء ستنفرش في الأرض... اشتعالا ونارا".
قد تذوب ورقة هؤلاء الشبان من المطر المقبل. لكنها بحكم "العِلم الثوري" (الذي لم يفهمه العلماء بعد)، ستذوب في الأرض وستنبت ثورة، مثلما ينبت شهداء يوم الأرض للعام 1976، تحدّياً في سخنين العام 2017، من أجل أم الحيران، وتنبت روح كريم من أسره أملا في جيل جديد، "ستنفرش" ورقته البيضاء في الأرض، وتنبت دبكة، وعلماً، وحياة، وقيادة ثورة.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 14 / 574244

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع احمد جميل عزم   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010