الجمعة 9 كانون الأول (ديسمبر) 2016

واقع الاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية والقطاع

الجمعة 9 كانون الأول (ديسمبر) 2016 par علي بدوان

ما زال الاحتلال يُقَوِّضُ الاقتصاد الوطني الفلسطيني في عموم المناطق المحتلة عام 1967 بما فيها قطاع غزة، من خلال تدْمِير القاعدة الإنتاجية ومصادرة الأرض والمياه والموارد الطبيعية والمُمْتَلَكات الشخصية والعائلية والجماعية، وتهديم البنية التحتية، مع توسيع المُسْتَوطنات القائمة وإنشاء مُستعمراتٍ جديدة، وفرض القيود على حركة المواطنين الفلسطينيين والبضائع في عموم الأرض المحتلة عام 1967 بما في ذلك قطاع غزة الواقع تحت الحصار الظالم والجائر منذ العام 2007.
إن نتائج تلك الحالة الصعبة، استولدت نتائجها المأساوية بزيادة نسبة الفقر والبطالة بشكلٍ متدرج، وقد حَوَّلَ جيش الاحتلال (18%) من أراضي الضفّة الغربية المُحْتَلّة إلى مناطق عسكرية مُغْلَقَة، ومساحات إضافية لصالح أعمال تهويد الأرض واستيطانها، وبالتالي في قطع سُبُلِ الحياة عن المواطنين الفلسطينيين المصادرة أراضيهم في قرى وأرياف الضفة الغربية ومناطق القدس المختلفة ومحيطها.
ومما زاد “الطين بلة” أن “اتفاقية باريس” الاقتصادية الموقعة عام 1994 بين الطرفين “الإسرائيلي” والرسمي الفلسطيني ألحقت الاقتصاد الفلسطيني على ضعفه وتواضعه باقتصاد الاحتلال، فَقَضَت اتفاقية باريس الاقتصادية على الهامش الصَّغِير الذي كان يتحرك داخله المنتجون الفلسطينيون في الضفة الغربية والقطاع قَبْلَ توقيع أوسلو الأول في حديقة البيت الأبيض في أيلول/سبتمبر 1993. بل ربَطَت “اتفاقية باريس” اقتصاد الضفة الغربية بمتطلبات اقتصاد الاحتلال، ومَكَّنَتْ الاحتلال من التَّنَصُّل من “واجباته” كقوة احتلال.
إن اتفاقية باريس وفّرت بشكلٍ أو بآخر، لسلطات الاحتلال إحكام السيطرة على الثروات الطبيعية في مناطق الضفة الغربية والأغوار والبحر الميت. وعلى سبيل المثال، إن سُلُطات الاحتلال “الإسرائيلي” تستحوذ على مياه الضفة الغربية المحتلة سنة 1967 من الحوض المائي الشمالي، وإعادة توزيعها ليصِلَ نصيب الفرد المُسْتوطِن القادم من وراء البحار إلى (240) لترًا يوميًّا، في حين لا يحصل المواطن الفلسطيني الصاحب الأصلي للوطن، مُزارعًا كان أو عاملًا أو عاطلًا، إلا على معدِّل (73) لترًا يوميًّا، ولا تتجاوز (20) لترًا يوميًّا في بعض المناطق التي يُريد الاحتلال الاستحواذ عليها بِسُرْعة.
وعليه، تبيّن بالواقع الملموس أن رسم سياسات اقتصادية فلسطينية مُستقلة تحت الاحتلال هو أمر بلا طائل وغير مُمكن، وأن تحقيق الاستقلال المالي وإنهاء الاعتماد على المعونة الخارجية في ظلِّ الاحتلال ضرب من الخيال.
إن الحال الكئيب للاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس، وفي قطاع غزة المخنوق بحصارٍ مُستمر منذ أكثر من نحو عشر سنوات، يَدفَع نحو تفاقم أزمات الناس الحياتية كل يوم، بما في ذلك تفشي البطالة، والوقوع في مطبات الأمراض الاجتماعية، وسيطرة حالة من التشاؤم بين الناس بالمستقبل القادم، وبإمكانية انتصار المشروع الوطني الفلسطيني.
وهنا علينا أن نوضح أن الناتج الإجمالي المحلي الحقيقي في قطاع غزة تقلص بحجم (4.8%) في الربع الثاني من العام الجاري 2016 مقارنة مع الربع السابق من العام نفسه، وفي الربع الثاني شكّل الاقتصاد في غزة (24%) من الاقتصاد الفلسطيني الإجمالي، وهو ما يُعتبر أقل بحوالي الثلث عن الربع الأول.
إضافة إلى ذلك، خلال عام واحد تقلصت قطاعات الزراعة في الضفة الغربية والقطاع، وقطاع صيد الأسماك في قطاع غزة بنسبة (25.6%) في الربع الثاني لهذا العام، وتقلص قطاع الإنشاءات بنسبة (11%). وكما أشار الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في رام الله فإن معدل البطالة تجاوز (41%)، وأن قطاعات الإدارة العامة والدفاع استمرت في أن تكون الموظِف الأكبر للأشخاص في غزة. وبشكل عام، ازداد العجز المالي الفلسطيني بـ(391.5) مليون دولار أو (11.6%) من الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني لعام 2016.
لقد ظَهَرَت مفاعيل ونتائج التدمير المُمنهج من قبل “إسرائيل” للإقتصاد الفلسطيني المحلي، من خلال اتساع نسب البطالة وتزايد وتيرة ارتفاعها، وتزايد الفاقة والعوز لدى القطاعت الشعبية الواسعة من أبناء ومواطني الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 بما في ذلك قطاع غزة. وقد جاء في تقرير صَدَرَ مؤخرًا فلسطين، عن الجهاز المركزي الفلسطيني الحكومي للإحصاء في السلطة الوطنية الفلسطينية، في العاشر من نوفمبر/تشرين الثاني 2016 الماضي، أن عدد العاطلين عن العمل في الضفة الغربية والقطاع والقدس الشرقية بلغ (384.9) ألف فرد، بواقع (218) ألفًا في قطاع غزة و(166.9) ألف في الضفة الغربية. وبلغت نسبة البطالة في قطاع غزة (43.2%)، مقابل (19.6%) في الضفة الغربية. بينما بَلَغَ عدد المشاركين في القوى العاملة (1.356) مليون فرد خلال الربع الثالث من العام الجاري، منهم (851.3) ألف شخص في الضفة الغربية و(505) آلاف شخص في قطاع غزة. وما يزيد من الأمور تعقيدًا على تعقيد أن قطاع غزة يعاني للعام العاشر على التوالي من حصار “إسرائيلي” ظالم وجائر، واستمرار إغلاق معبر رفح مع مصر، إلا في حالات استثنائية، وتعرض القطاع لثلاثة حروب منذ 2008. ووفقًا لإحصائية صادرة عن الأمم المتحدة ووكالة الأونروا في وقت سابق من العام الجاري، فإن (80%) من سكان قطاع غزة يحصلون على مساعدات غذائية مباشرة.
إن الواقع الاقتصادي الصعب، وأزماته في الضفة الغربية والقدس والقطاع، بات الآن يَمس أجيال الشباب، ليعطي نتائج كارثية لواقعهم في فلسطين، فالوقائع الإحصائية تقول بأن (30%) من المجتمع الفلسطيني هم من أجيال الشباب، الذين تبلغ معدلات البطالة في صفوفهم نحو (32.3%)، بواقع (22.5%) في الضفة الغربية، و(50.6%) في قطاع غزة, ويبقى معدل بطالة الشباب في فلسطين الأعلى في المنطقة عمومًا، حتى عند الحاصلين على الشهادات العلمية العليا ونسبتهم نحو (63.3%) من الشباب العاطل عن العمل. أما الغالبية العظمى من الإناث الشابات، فهم خارج القوى العاملة ونسبة مشاركتهم في القوى العاملة منخفضة جدا بواقع (16.1%) مقارنة مع (65.4%) للشباب الذكور, أي أن الغالبية العظمى (83.9%) من الإناث الشابات لم تشارك في سوق العمل.
وخلاصة القول، إن بناء اقتصاد فلسطيني حقيقي، وتأمين العمل لأجيال الشباب الصاعدة، وبناء الكيان الفلسطيني المستقل والمرتقب، يتطلب قرارات وسياسات جريئة، وفك الارتباط باقتصاد الاحتلال عبر إلغاء اتفاقية باريس المُجحفة، والبدء ببناء اقتصاد فلسطيني بمساعدة عربية وأممية، حيث لا تنقص الفلسطينيين الكفاءات ولا الخبرات ولا اليد العاملة.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 131 / 574677

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع علي بدوان   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010