الجمعة 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2016

واشنطن وخيارها الصعب!

الجمعة 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2016 par د. فايز رشيد

نعم, يمكن القول بكل وضوح, إن الخيار (والأصح قولا المخطط) الأميركي وحلفاءه الصهيوني وبعض العربي, قد اصطدم وتحطم في سوريا. الخروج بهذا الاستنتاج لا ينعكس عن رغبة رؤيوية, وإنما نتيجة لواقع موضوعي, أفرزته وما زالت معركة حلب الأخيرة. لقد فهمت موسكو تماما,المغزى الأميركي من اتفاقيات الهدنة, وهو إتاحة الفرصة لتسليح المنظمات والجماعات الأصولية المتطرفة, واستمرار فتح طريق إمداداتها التسليحية عبر تركيا. كان التحذير الروسي الأبلغ (بعد مجزرة الهجوم الأميركي على الجيش السوري في دير الزور, وبعد خرق واشنطن لاتفاق الهدنة الموقع في 9 أيلول/سبتمبر الماضي, ما صرحته المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا , من أن”العدوان الأميركي المباشر” على الحكومة والجيش السوريين سيؤدي إلى “تغييرات مخيفة ومزلزلة” في الشرق الأوسط. مضيفة, أن تغيير النظام في سوريا سيؤدي إلى فراغ سياسي, وإلى امتلاء سوريا بالإرهابيين. جاء التصريح وسط اتهامات متبادلة بين واشنطن وموسكو بشأن المتسبب في انهيار الهدنة!. من الملاحظ أيضا, أن موسكو وبعد تصريح الوزير الأميركي كيري, بتعليق الاتصالات مع روسيا, صعدت من حدة لهجتها عملا وقولا, إن بنشر صواريخ إس 300 المتطورة في قاعدة طرطوس (لمواجهة صواريخ كروز الأميركية), أو في تصريح سيرجي لافروف: أن واشنطن “لم تعد قادرة على استعمال لغة القوة والتهديدات مع روسيا”, كما تصريح فيتالي تشوركين مندوب روسيا في الأمم المتحدة ,الذي تحدث في لغة حاسمة قائلاً: “موسكو لا يمكن لها أن تقبل بإجراءات أميركية أحادية الجانب في سوريا”, لافتاً في الوقت نفسه وفي لغة حاسمة, إلى أن روسيا تأمل استئناف التعاون مع واشنطن بشأن سوريا, ولا تأمل في حدوث حرب عالمية جديدة”. رد الفعل الأميركي على الحدث والتصريحات الروسية, جاء من خلال تصريح غامض, “بأنها غير جاهزة للإعلان عن خطواتها المقبلة”, وأنها تقوم حاليًّا بدراسة خطواتها”!
فهل ثمّة احتمال لمواجهة عسكرية بين القوتين الأكبر المتواجهتين الآن, في أجواء سوريا وقرب مياهها وقريباً من حدودها؟. نبرة تحدٍ روسية واضحة، وان كانت مُترافقة برغبة أيضا ,من خلال دعوة الولايات المتحدة لعدم إضاعة الفرصة الراهنة, لوقف الأعمال العدائية بين موسكو وواشنطن . وبخاصة, ومن مؤشرات عديدة, تشي بأن موسكو ستمضي قدما في عملية إنهاك, والتضييق على المسلحين في الأحياء الشرقية من مدينة حلب. وأنه ليس من سبيل لاحياء اتفاق 9 أيلول بين كيري ولافروف, سوى عودة الأول إلى طاولة المفاوضات, والتراجع عن استخدام مفردات ومصطلحات تنطوي على تهديد أوالإيحاء بأن واشنطن قد تلجأ إلى ضرب دمشق ومؤسسات الدولة السورية ,وقواعد جيشها. فهل هناك من دلالات محتملة لقيام مواجهة عسكرية أميركية – روسية؟ , وهل هناك إمكانية لتراج روسي في سوريا والمنطقة بشكل عام؟. كاتب هذه السطور يستبعد ذلك, للأسباب التالية: أولا: لا يمكن للرئيس أوباما (وهو الآن ومثلما يطلق على كل رئيس أميركي سيغادر منصبه قريبا, “بطة عرجاء”) أن يغادمر بحرب أميركية جديدة في سوريا, وبخاصة بعد تجربتين خاسرتين في أفغانستان والعراق. إضافة إلى ما صرح به لأجهزة إعلام أميركية كثيرة, من أنه يفكر مرارا ,قبل إرساله جنودا أميركيا إلى أية منطقة متوترة في العالم. يؤكد هذه السياسة, التصريح المسرب لكيري في اتصاله الهاتفي مع المعارضة السورية (كشفته نيويورك تايمز), واعترف فيه “بأن ليس لدى واشنطن خيارات لتغيير استراتيجيتها الراهنة”, كما النصائح التي قدمها لوفد المعارضة السورية , الذي التقاه مؤخراً! لذا, فإن الاحتمال الأقرب إلى المنطق, هو بقاء اوباما وادارته في مربع “السكون الإيجابي” – نقصد به تصريحات دون فعل- وعدم اتخاذ خطوات عسكرية تصعيدية, قد تؤدي إلى مواجهة عسكرية غير محسومة النتائج بالطبع. وتقديم صيد سهل للحزب الجمهوري المنافس. وهي إن شنّت حتى غارات على قواعد الجيش السوري أو مؤسسات الدولة, فإنها لن تضمن عدم اسقاط اي من طائراتها, او اصطدام تلك الطائرات بطائرات روسية فوق الأجواء السورية, ما قد يتطور إلى مواجهة! نعتقد ان الطرفين حريصان على عدم ايصال الامور إذلى هذه النقطة. ثانيا: معروفة طبيعة الخلاف بين الحمائم والصقور في البيت الأبيض. يتمثل التيار الأخير في وزير الدفاع آشتون كارتر, وجماعة اللوبي الصهيوني, هؤلاء الذين يسوّقون للحل العسكري الأميركي في سوريا, ومنهم: خبراء في مراكز الدراسات السياسية والاستراتيجية الأميركية, ومن أبرز رموز هذا الاتجاه: اليهودي الأميركي إيليوت أبراهام, إضافة إلى مجموعة من الخبراء اليهود الأميركيين الناشطين في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى, وعلى وجه الخصوص: الخبير روبرت ساتلوف ,الخبير ديفيد شينكر والخبير أندو تابلر.بالمقابل هناك وزراء وخبراء كثيرين من أصحاب الاتجاه الحمائمي, الذين يخشون تورطا أميركيا في سوريا. ثالثا: روسيا في هذه المرحلة, صعدت من حدة تحذيراتها العلنية, كما أوقفت العمل باتفاقية “الحد من البلوتونيوم”, وهي التي تنص على التخلص من مخزونه, والقليل من هذه المادة كاف لصنع العشرات من القنابل والأسلحة النووية, ارفقت إعادة العمل بالاتفاقية, بشروط منها رفع العقوبات عنها, في الوقت الذي ابدت فيه أيضا, قلقها من قيام “بعض الدول بأعمال إرهابية في سوريا, تخالف قرارات مجلس الأمن! والإشارة واضحة, فيما قاله نائب وزير الخارجية الروسية سيرجي ريابكوف: من أن واشنطن قد تُقدِم على أي مغامرة في حال اليأس؟.هذا الذي يفهم منه, أن واشنطن في خيار صعب, فمن جهة, هي لا تريد ترك سوريا لروسيا! ومن جهة أخرى ,هي مغلولة اليدين. رابعا: يتوجب الأخذ بالحسبان العاملان المهمان في ما يجري من صراع في سوريا, وهما إيران وحزب الله. إن أي تصعيد عسكري أميركي في سوريا, سوف يحمل في طياته فتحا لعش من الدبابير جديد ,على الولايات المتحدة ومصالحها في العالم, وقد يفتح مجالا لانسحاب إيران من اتفاقها النووي مع الولايات المتحدة, وهي (أميركا) وتحديدا أوباما, الذي طالما طمح إلى توقيعه, مع الدولة التي اعتبرها “مارقة”!. خامسا: التدخل العسكري الأميركي سوف يفتح الباب واسعا لانزلاق العامل الإسرائيلي في مزيد من التدخل العسكري في الصراع في سوريا, وهو بالحتم سيؤدي إلى مواجهة بين الكيان وحزب الله في الجنوب اللبناني, وهذا ما لا يريده أوباما مطلقا, يستطيع مطلق غبي إشعال حرب, لكنه بالتأكيد لن يعرف لا نتيجتها ولا متى ستنتهي. لم يكن أوباما رجلاً ساذجاً أو مغامِراً, إذا ما دققنا في قراراته طوال السنوات الثماني الماضية. ايضا من الطبيعي أن يراهن على رغبة شخصية ,بان يُبقي على بعض إرثه( وهو الحائز على جائزة نوبل للسلام, والذي سحب الجزء الأكبر من الجيش الأميركي من العراق وأفغانستان). هذا الإرث سيتبدّد, إذا ما خضع لابتزاز صقور البنتاغون وجنرالاته, الذين أجهضوا اتفاق 9 أيلول الماضي, على ما لخصه وعمِل من اجله, رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية. لكن ذلك كله, لا يمنع (والاحتمال ضئيل) حدوث مفاجأة أميركية في وقت ما.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 6 / 574214

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع فايز رشيد   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010