الجمعة 20 أيار (مايو) 2016

كلوفيس مقصود... عالمية العروبة

الجمعة 20 أيار (مايو) 2016 par معن بشور

في زيارتي "اليتيمة" إلى واشنطن في خريف عام 1995، كان من الطبيعي أن أسعى للقاء الدكتور كلوفيس مقصود وزوجته الرائعة الراحلة الدكتورة هالة مالك سلام وقد جمعتنا بهما أحلام ونضالات ومظاهرات من أجل فلسطين وقضايا الأمّة.
وفي ذلك اللقاء كان "شيخ العروبة"، كما سماه يوماً جمال عبد الناصر، في قمّة السعادة وهو يصطحبني إلى مكتبه في الجامعة الأمريكية في واشنطن ليعلمني عن افتتاح "مركز الجنوب" في الجامعة برئاسته، فبادرته مازحاً: "بعد المشرق حيث أمضيت سنوات في الهند، وبعد الغرب حيث تمضي سنوات في الولايات المتحدة الأمريكية، جاء اليوم دور الجنوب"..
لم يشاركني المزاح الأخ الكبير المولع بالتعليقات الساخرة بل قال لي بصوت فيه الكثير من العزم والحزم معاًً: "أنني أسعى عبر هذا المركز المخصص للبلدان النامية، أي لبلدان ما يسمونه بالعالم الثالث من أجل أن أستكمل رسالة الحركة القومية العربية المعاصرة يوم وجد جمال عبد الناصر ورفاقه أنفسهم يخوضون معارك ثلاث في آن معاً، معركة الاستقلال الوطني المصري، ومعركة الوحدة العربية، ومعركة التحرر العالمي التي انطلقت من باندونغ في أندونيسيا (1955) لتتواصل في بلغراد - يوغوسلافيا 1960، ولتتحول إلى كتلة عالمية باسم "عدم الإنحياز".
"عالمية العروبة" إذن هي ما كان يشغل بال كلوفيس مقصود يومها، وهو الذي يدرك تلازم الوطنية الحقة مع العروبة الحقة مع الإنسانية الحقة، وقد تكرّس لديه هذا التلازم حين عاش في أوائل ستينيات القرن الماضي أعظم لحظات انطلاق كتلة عام الانحياز وأعمدتها الثلاث مصر بقيادة ناصر، الهند بقيادة نهرو، يوغسلافيا بقيادة جوزف بروز تيتو، دون أن ننسى شوان لاي في الصين، وسوكارنو في أندونيسيا، وسيكوتوري في غينيا، وكاسترو في كوبا، ولومومبا في الكونغو، ومودييو كيتا في مالي...
قد يكون "للبنانية" كلوفيس مقصود الغنية بالتنوع والانفتاح دوراً هاماً في هذا الاهتمام "بالعالم الثالث" أو "بالجنوب" في مصطلحات هذا العصر... وقد يكون لعلاقته "الخاصة" بالشهيد كمال جنبلاط أيضاً دوراً في الخروج من التقوقع والانكفاء، وقد يكون لخاله اليساري العريق جورج حنا دوراً في تعزيز النزعة الأممية لدى هذا اللبناني الحائر والحالم بمجد لأمّته يستعيد معه الأمجاد الغابرة...
لكن بالتأكيد أيضاً كان "للعروبة التقدمية" التي آمن بها كلوفيس وعمل لها طيلة حياته، الدور الأكبر في هذا الانحياز لعالم "عدم الانحياز"، فكما تأبى العروبة التي يفهمها مقصود وجيله أن تتعالى عن خصوصيات مكونات الأمّة وكياناتها الوطنية، بل ترى في نفسها تكاملاً بين هذه الخصوصية والكيانات، فأنه أيضاً أبى أن يرى العروبة أسيرة عرق دموي، أو نزعة عنصرية، أو انغلاق شوفيني، فالعروبة التي خرجت من أرضها معظم الرسالات السماوية، أما أن تكون إنسانية عالمية، أو لا تكون...
وإذا كان التاريخ يشكّل جزءاً مهماً من مكونات العروبة كهوية ثقافية وحضارية جامعة، فإن النظرة المستقبلية للحركة العربية هي شرط وجودها، فلا مستقبل لعروبة لا تتطلع نحو المستقبل...
وبهذا المعنى لم تكن عالمية العروبة عند كلوفيس مقصود مجرد حنين أو "نوستالجيا" لزمن الأمجاد القومية مع جمال عبد الناصر والحركة القومية العربية فقط، بل كانت أيضاً وليدة إدراك عميق لقانون التلازم بين حركة التحرر العربية وحركة التحرر في العالم، خصوصاً أن أحد ركائز المشروع الصهيوني قامت على التعبئة العالمية لصالح الكيان العنصري الغاصب...
واليوم، ومع ما نراه في أمريكا الجنوبية، وفي جنوب إفريقيا، وفي جنوب آسيا وشرقها، من تململ واضح من نظام الهيمنة الأحادية الاستعمارية، وما نراه من انفضاض شرائح واسعة من الغرب الأمريكي والأوروبي عن مساندة الكيان الصهيوني، نكتشف كم كانت نظرة كلوفيس مقصود وأبناء جيله ثاقبة حين رأوا أن معركتهم في العالم لا تقل أهمية عن معركتهم في بلادهم، وإن كانت المعركة في بلادهم هي التي تحسم مستقبل معركتهم في العالم...
يوم التقيت العزيزين هالة وكلوفيس واستمعت منهما إلى ما يقومان به في "جمعية مناهضة التمييز العنصري" التي ترأستها هالة سلام لسنوات، وفي "مركز الجنوب" للدراسات في الجامعة الأمريكية في واشنطن الذي ترأسه كلوفيس مقصود، تذكرت قول الشاعر...
"أتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر"


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 5 / 574809

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع أعمدة الموقف  متابعة نشاط الموقع معن بشور   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010