السبت 30 نيسان (أبريل) 2016

دمع جدران العالم المسطّح

السبت 30 نيسان (أبريل) 2016 par د.احمد جميل عزم

زار الكاتب الأميركي توماس فريدمان مدينة بنغالور الهندية، العام 2004، باعتبارها عاصمة تكنولوجيا المعلومات الهندية، والمتميزة بتعهد الأعمال من مصانع وشركات ومستشفيات حول العالم؛ فتصوير الأشعة قد يكون في الولايات المتحدة لكن من يقرؤها ويكتب التقرير في الهند، أو قد تشتري جهاز كمبيوتر في اسكتلندا ثم تتصل لتسأل عن حل مشكلة، فيرد شاب من بنغالور، أو حتى تتصل لتطلب ساندويش من المطعم بجانبك في أميركا الشمالية فترد صبية هندية في بلدها تدربت على نطق الإنجليزية بلهجة منطقتك. وقال رجل أعمال هندي لفريدمان: "إنّ الأرض استوت"، وكتب فريدمان كتابه الشهير "عالم مسطح" أو مستو (بحسب بعض الترجمات)، مستوحياً الفكرة، ليوضح كيف انهارت الحدود أمام التواصل كما لو أن الأرض لم تعد كروية.
أتيح لي مؤخرا المشاركة بشكل قصير في إدارة ورشة عمل تدريبية من رام الله، لكن نصف المشاركين والمشاركات موجودون في غزة، وبعضهم يأتون من أراضي الاحتلال الأول (1948). وكانت الدورة قد قطعت شوطاً عندما جاء موعد مساهمتي، وأخبرني المنظمون أنّ المشاركين مقسمون لمجموعات عمل مسبقاً. وعندما أعطيتهم تدريباً للعمل عليه كمجموعات كما هو معتاد، فوجئت أنه بدل أن يتحرك المشاركون للجلوس في حلقات، وتبدأ الجلبة، ران الصمت الشديد، وبدأت المجموعات تتواصل إلكترونيا كتابة، في غزة ورام الله. وعندما جاء موعد تقديم "الواجب"، كانوا قد اختاروا أيضاً بصمت من سيجيب. أكثر من ذلك أن أفراد إحدى المجموعات فاجأوني أثناء النقاش بأنهم تواصلوا من دون أن أشعر؛ كل بحاسوبه وهاتفه الذكي، وغيروا الإجابات، بل وغيروا موضوع التدريب.
شعرت نفسي غريباً عن المشهد، وتذكرت فريدمان. ففكرة الدورة التدريبية أن تكسر الحواجز بين المناطق المحتلة العام 1948 والمحتلة العام 1967 (ومستقبلا مع الشتات) باستخدام تكنولوجيا الاتصال. لكن ما كان يحدث أيضاً أن مجموعات اتصال تحدث من دون أن يشعر المحيطون. تخيلت "سكايب" يخترق الجدار من جهة، لكن أنفاقاً تمتد كذلك تحت الأرض. وبقدر ما يُوجِد هذا تشبيكاً مع البعيد، فإنّه منفصل عن المحيط (ليس بالضرورة في هذه الدورة، ولكن بشكل عام).
بعد قليل، جاءت الاستراحة. كان أحد المنظمين قد وصل غزة، حاملا كعكاً أعدته صبية من الناصرة بمناسبة عيد الفصح، وأصدافاً من بحر حيفا ويافا، ومجسمات خشبية لخريطة فلسطين عليها أسماء قرى ومدن المشاركين، وأكثر من نصفهم لاجئون. ارتفعت الضحكات، وحامل الهدايا يروي كيف اتسعت عينا جندي الاحتلال على حدود غزة، وهو يرى الصدف، ويسأل: "صدف إلى غزة؟!"، كأنه يسأل: "هل أنت مجنون؟! تأتي بالصدف من الجبل للبحر!"، من دون أن يدرك القصة. ثم انقلب الجو مجددا، بدموع تنهمر من عيني مشاركةٍ في غزة، تشم الصدف من حيث لجأ أهلها يوماً، ومن حيث لم تزر يوماً. ثم زادت؛ تشم الكعك، وتخاطب صديقتها، عبر الشاشة، وأتخيلكِ في بيتك ويديك تعجن.
بقدر ما كسرت الشبكة حواجز وسمحت بالعمل معاً علمياً وتعليمياً، وأوجدت تواصلا بشرياً، بقدر ما زادت الشعور بالحاجز والحرمان.
صار تبادل صور منطقة سكن كل شخص مع شرح عنها، للمحرومين من الوصول إليها، شاغلاً؛ مشاهد بحر غزة، ونزهة صبيتين في البحر تغنيان "يا بحرية"، وشاب في الناصرة يمشي في زقاق المدينة القديمة، ويرسل صورة جدار حجري كتب عليه "بغداد، بيروت، دمشق، عدن، يافا، غزة".
يخبرني صديقي المهندس والمصوّر طارق البكري، أنّ تصويره لمناطق فلسطين، وبثها عبر شبكة الإنترنت، حولاه تدريجياً ليصبح وضعه كما لو كان "ما يطلبه اللاجئون"؛ فقد صار اللاجئون في الشتات يرسلون له راجين تصوير قراهم وبيوتهم التي لا يستطيعون الوصول إليها.
بقدر ما سهّل الإنترنت التواصل لدرجة الحديث عن عالم مسطح، بقدر ما خلق شبكات وقنوات وأقنية ممتدة طويلا جداً، ولكنها منعزلة وخفية عن محيطها؛ تعمّق الهوية القائمة على الاهتمامات، والمصالح، والتخصصات والمشاعر والوطن العابر للقارات، متحدياً سيطرة الجغرافيا على الإنسان. وبقدر ما أصبح التواصل سهلا، بقدر ما صارت صعوبة الوصول للجغرافيا الممنوعة أكثر ألماً. وبقدر ما كانت روايات الجدات والآباء عن الوطن السليب فاتحة لخيالات الفردوس المفقود، صار هناك أصدقاء وصور ومشاهد تجعل الكثيرين يعيشونها عن بعد، بكل انجذاب... وألم.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 17 / 566669

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع احمد جميل عزم   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010