السبت 23 نيسان (أبريل) 2016

عن «الشعبية» وأزمتها مع الرئاسة

السبت 23 نيسان (أبريل) 2016 par عوني صادق

كثر الحديث في السنوات الأخيرة عن المال وتدخله في السياسة، وعن كونه عامل فساد وإفساد للحياة السياسية للمجتمعات بعامة. وقد أظهرت الوثائق التي تم تسريبها أو الكشف عنها مؤخراً، أنه يكاد لا يوجد في العالم نظام سياسي، أو منظمة سياسية، أو حكام لم يفسدهم المال، أو لا يقعون تحت سلطته المفسدة. لكن عندما يصل الأمر إلى الثورات وحركات التحرر الوطنية، عندها يكون الملح قد فسد، والوضع الفلسطيني مثال واضح فاضح يؤكد صحة الزعم السابق. فالثورة الفلسطينية المعاصرة التي انطلقت في مطلع 1965، بدأ تخليها عن معظم مبادئها عندما قبلت أن تعتمد على أموال الخارج، وقبل أن تقبل (اتفاق أوسلو) والتنازلات التي قدمتها له، بل يمكن القول إن (اتفاق أوسلو) لم يكن إلا إحدى نتائج قبول ذلك المال باسم (مساعدة الثورة)، عربيا في البداية ثم دولياً بعد ذلك، إذ إن «المساعدة» الوحيدة التي قدمها المال كانت في إطار «إقناع» قيادات الثورة بالتنازل عما تنازلت عنه.
أزمة الجبهتين، الشعبية والديمقراطية، الأخيرة مع السلطة الفلسطينية تشرح ذلك بوضوح. ولن أتوقف عند مواقف الجبهة الديمقراطية، فهذه كانت عراب «برنامج النقاط العشر»، وصارت «المنظر الإيديولوجي» لبرنامج حركة (فتح)، وكلها كانت مقدمات لما أصبح (اتفاق أوسلو). وقد كانت «الشعبية» مستهدفة دائما لأنها كانت تمثل الحاضنة الحقيقية للموقف الوطني المتقدم والمتمسك بهدف تحرير فلسطين عبر الكفاح المسلح. وقد جاء الاستهداف من اليمين واليسار، من (فتح) و «الديمقراطية»، ما أنتج في النهاية «تيارا» داخل «الشعبية» عرف في البداية بـ«التيار العرفاتي»، التقت مواقفه مع «برنامج أوسلو»، وكان سبباً لإرباك «الجبهة» وجعل مواقفها تراوح بين صعود وهبوط. وللأسف لم يستطع وجود تيار أكثر تمسكا بالمنطلقات بقيادة جورج حبش وأبو علي مصطفى وأحمد سعدات وأبو أحمد فؤاد وصابر محي الدين وليلى خالد، أن يمنع تلك المراوحة في المواقف بعد توقيع (اتفاق أوسلو).
وكان للاجتياح «الإسرائيلي» للبنان وترحيل المقاومة الفلسطينية منه، نتيجة خطيرة تمثلت في تحويل مقاتلي الثورة إلى جيش من العاطلين بحاجة إلى من يصرف عليه ويقيم أوده، فبرزت أهمية المال كما لم تبرز من قبل، وهي التي كانت في غاية الأهمية منذ ما بعد 1968 على وجه التحديد، حيث صار معروفا أن من يملك «المال والأجهزة الأمنية» يتحكم في القرار الفلسطيني. وبعد أوسلو وإنشاء السلطة الفلسطينية، واغتيال ياسر عرفات، آل «السلاحان» للرئيس محمود عباس، الذي ألغى من الناحية العملية منظمة التحرير وكل المؤسسات التابعة لها، المجلس الوطني والمجلس المركزي، والمجلس التشريعي، وجعل منها أشكالاً فارغة من المضمون ولا تزيد عن «ختم» يوضع على قرارات الرئاسة إن لزم الأمر، أو تجاهله عند اللزوم.
في الإطار السياسي العام، لم توافق الجبهة الشعبية على (اتفاق أوسلو)، لكنها اتبعت سياسة تسايره تحت شعارين: «الوحدة الوطنية» و«المشاركة في المنظمات الشعبية». ولم تزد النتيجة، عن بيانات الشجب والتنديد في معظم الحالات لتذكر الناس بمواقفها القديمة، التي لم تعد تجد ترجمة لها إلا ما ندر وقل . والمقابل حصتها من الصندوق القومي التي صارت تمنع عنها كلما صدر عنها موقف لا ترضى عنه رئاسة السلطة. ومن حيث المبدأ والقانون، ليست أموال الصندوق القومي ملكاً لرئيس السلطة أو غيره، وليس من صلاحياته المنح أو المنع، لكنها فعلياً بين يديه وتحت تصرفه، وهي كما يقال دائماً أموال الشعب الفلسطيني، لكنها في الواقع صارت «ثمن القضية الوطنية» التي تم التنازل عنها، بعد أن أصبحت الوظائف والحصص هي الأهم، حتى حركة (حماس) التي ليست حتى الآن ضمن المنظمات المنضوية تحت مظلة منظمة التحرير، أصبحت تتعامل مع الموضوع بالمفهوم نفسه، وقد اعترفت أكثر من مرة أن إحدى العقبات الرئيسية في طريق «المصالحة» تمثلت في موضوع الموظفين ورواتبهم في غزة.
آخر أخبار «الأزمة» بين «الشعبية» والرئاسة، تحدثت عن اتصالات جارية عبر الوسطاء لتحقيق الصلح، ولإعادة المياه إلى مجاريها، أما الموقف المنتظر من الجبهة الشعبية، فهو العودة إلى تاريخها الذي تتفاخر به، ومعها قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني، هو الانسحاب نهائياً من منظمة التحرير، وإحياء مواقفها الوطنية التي بفضلها كانت «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين».
والأمل كبير أن تكون الأزمة الحالية مناسبة لتعيد قيادة الجبهة الشعبية النظر في مواقفها الحالية، من أجل عودة حقيقية إلى الأصول.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 10 / 581635

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع عوني صادق   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010