السبت 10 تشرين الأول (أكتوبر) 2015

سَــمّْوهـا ما شــئتم

السبت 10 تشرين الأول (أكتوبر) 2015 par عبداللطيف مهنا

سَمّْوها ما شئتم، هبَّةً جماهيريةً، بشائر انتفاضة شعبية شاملة، حراكًا شعبيًّا مواجهًا، انفجارًا في مواجهة بطش…إلخ كل هذه المسميات والتوصيفات التي هي قيد التداول الإعلامي الآن، وباتت تخلع بالجملة والمفرَّق على راهن المحطة النضالية الفلسطينية الحالية، هذه التي تجاوزت ساحات الأقصى المنتهكة، وأسوار القدس المقهورة، لتعم الضفة المستباحة، فتصل إلى المحتل المنسي من فلسطين في العام 1948، ويتردد صداها الذي له ما بعده في غزة الصامدة والمقاومِة والمحاصرة.
سَمّْوها ما شئتم، فليس هذا هو المهم بالنسبة للحظة شعب مناضل معطاء ديدنه على امتداد الصراع العربي الصهيوني، وأشدد على العربي الصهيوني، الصمود الأسطوري، والتضحيات البطولية المذهلة، وابتكار المبدع والمستجد والمتغيِّر من مختلف أشكال النضال المناسب لشتى المراحل النضالية المقاومِة، أو التي ليس بالضرورة أن تتكرر نسخها، أو تتشابه محطاتها المتوالية المستمرة، وإنما مواءمتها، وبالضرورة، لتبدُّل ظروفه الموضوعية والذاتية البالغة الصعوبة والشديدة التعقيد.
سَمّْوها ما شئتم، لكن لا تطالبوا شعبًا حيًّا وعنيدًا شديد المراس، قرر منذ لحظة الصراع الأولى أن يقاوم غزاته وأن يطردهم، أي حتى قبل أنهم لم يتركوا له خيارًا سوى أن يقاومهم ليطردهم، وأثبت ويثبت أنه في نهاية المطاف أهل لذلك، لأنه الجاهز أبدًا لأن يقدِّم ما لا تتخيلوه من أثمان للحرية والانعتاق، أو بلغة أخرى تحرير فلسطينه، ومهما بهظت…لا تطالبوه بما هو فوق طاقته، أي بما هو مهمة أمة بأسرها، ولا أن ينوب عنها في مهمتها، إذ هو ليس إلا رأس حربتها المقاومة، وما مهمته إلا إدامة الاشتباك واستمرارية المواجهة مع عدوها، بانتظار إفاقتها وعودتها لذاتها وتصحيحها لبوصلتها وقيامها بغائب دورها، هذا الذي هو أولًا وأخيرًا واجبها تجاه نفسها وحمايتها لوجودها… أمة سنظل نقول إنه إن تعثَّر راهنها فقيامها قادم لا ريب فيه…
سَمّْوها ما شئتم، لكن تذكَّروا أنكم إزاء شعب المفاجآت النضالية، والرافض أبدًا للتعايش مع عدوه، والذي لم يأخذ وهو يبتدع مختلف أشكاله النضالية المتتابعة، حين يدشِّن ثورة من ثوراته، أو هبَّة من متوالية هبَّاته، أو انتفاضة من انتفاضاته، إذنًا من أحد، وإنما كان شأنه دومًا أن يتيح لمن يلتحق به من قياداته أن يفعل. وإنه الآن، إذ يتجاوز المقاوم والمساوم والقاعد من تنظيماته، ويدفع على مدار الساعة ما تجهد وسائل الإعلام في متابعة إحصاء أعداد من يترجَّل من شهدائه وشهيداته، ومن يصاب من جرحاه، ويؤسر من مناضليه، وما يهدم من بيوته، ويشُرَّد من بنيه، فإن هذا الأبي الذي لا يركع، وكبداية فحسب، قد حقق راهنه رغم كل هذا حتى الآن ما يلي:
أعلن عن وحدة إنسانه وترابه الأزلية. أشهرها في تردد أصداء ما يترى في قدسه في جنبات الخليل ونابلس وجنين وطول كرم وبيت لحم والناصرة ويافا وغزة والمنافي. وهو إذ فعل، أربك عدوه وأفقده صوابه وأرعبه… أزرى بفرية القدس عاصمةً أبديةً للغزاة، وسخر من سياسة “إدارة الصراع” النتنياهوية، فأخرج أعداءه عن طورهم…فماذا هم فاعلون؟!
ليس في جعبتهم مزيد من أساليب القمع والبطش وفنون التنكيل لم يجرِّبوها، بحيث لم يجدوا ما يزيدوه سوى تكثيفها وتسريعها والمبالغة فيها، والذي إن كشف عن شيء، فعن هشاشتهم ورعبهم من مجرَّد تصوُّرهم لإمكانية خروج الأمور في فلسطين المغتصبة عن السيطرة تمامًا… أو هذا المطلوب الآن، والآن قبل غد، من شعب المفاجآت والابتكارات النضالية… المطلوب هو أن تخرج الأمور عن سيطرة العدو وتحكُّم أمن سلطة “اوسلوستان”، وعندها فقط تقلب الطاولة ويكون ساعتئذٍ جديدنا النضالي المنتظر…
وإذ هذا هو ما في جعبتهم، هدد نتنياهو بحرب على الفلسطينيين لا هوادة فيها كان يمارسها من ذي قبل، وزاد فهدد بـ”سور واق2″، أو ما سبق وأن فعله سلفه شارون…هو هنا لا يهدد شعبًا بما لم يتبقَّ لديه مما لم يهدده به، أو بما لم يفعله، كما أن شتى صنوف أسواره الواقية وغير الواقية لم تتوقف ضد هذا الشعب، وإنما يتوعَّد بسوره الملوَّح به سلطة “أوسلوستان” إن هي لم تقم بالدور الذي يرى أن عليها القيام به في كبح جماح شعبها… لم تني رسالته وإن وصلت، إذ دعا رئيس السلطة أجهزته الأمنية إلى “اليقظة والحذر وتفويت الفرصة”… على ماذا؟! على احتمالات “تصعيد الوضع وجره إلى مربع العنف”، وحث حكومة المحتل المتوعِّد على أن “تتوقف وتقبل اليد الممدودة لها”، مكررًا ذات لازمته التليدة، “نريد الوصول إلى حل سياسي بالطرق السلمية وليس بغيرها إطلاقًا”!!!
ولأنه “ليس بغيرها إطلاقًا”، يتحدث الصهاينة عن تنسيق أمني ميداني مستمر وعلى أرفع المستويات مع أجهزة السلطة ويصفونه بالجيد، ويقولون إنه من ساعدهم على السرعة القياسية في اكتشاف خلية فدائيي عملية مستعمرة “ايتمار” البطولية بالقرب من نابلس واعتقال أبطالها الخمسة… من طرائف السلطة أن اللواء الضميري، الناطق باسم أجهزتها الأمنية، يتهم الصهاينة بـ”دعم المستوطنين”، غافلًا عن كون كيانهم هو أصلًا كيان استعماري استيطاني إحلالي، وأن أُس سياساته العملية التهويدية، والتي بفضل من “اتفاقية أوسلو” وفي ظلها زرعت سبعمئة ألف مستعمر في الضفة وتزمع زيادتهم إلى المليون في الأعوام القليلة القادمة!!!
…ونعود للقول سَمُّوها ما شئتم، لكن لا تنسوا أنها واحدة مما يتسم به ديدن شعب مكافح وأبي ولا ينكسر، ومن عادته إن حلكت غاشيات المنعطفات المصيرية مفاجأة عدوه وصديقه بمبدع ابتكاراته النضالية ومستجدها، والتي على اختلافها تقول: إما فلسطين أو فلسطين.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 141 / 574729

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع أعمدة الموقف  متابعة نشاط الموقع عبداللطيف مهنا   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010