الأحد 27 أيلول (سبتمبر) 2015

هل يصعد «اليسار الجديد» في بريطانيا؟

الأحد 27 أيلول (سبتمبر) 2015 par علي بدوان

سيطرت أجواء من المُبالغات على كتابات العديد من المُحللين السياسيين والكُتاب في العالم العربي في تقييم الحَدَث البريطاني الأخير والمُتمثّل بفوز اليساري جيرمي كورين برئاسة حزب العمال البريطاني، حيث اعتبر البعض بأن بريطانيا الأرستقراطية المحافظة المتعالية والعنصرية تعيش تسونامي سياسيا، وعلى طريق حدوث نقلة نوعية كبيرة في سياساتها تجاه الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية بشكلٍ خاص. مُتناسين بأن العقبات الكبرى مازالت تَعتَرض مسار حزب العمال البريطاني، وان بوادر الانقسام تَطُلُ بنفسها داخل تيارات الحزب بين الجيل القديم من أمراء وعتاولة الحزب من المُعارضين للزعيم الجديد، وهو جيل مازال يحتفظ بسطوته وحضوره، وبين جيل الشباب الصاعد الذي جاء بالزعيم الجديد جيرمي كورين.

طبعاً، هذه ليست المرة الأولى التي تَفوز فيها شخصية خلافية بشكلٍ مفاجئ في بريطانيا في الانتخابات الداخلية الحزبية لحزبٍ كبير (حيث لم يَكُن أحد يتوقع الفوز لجيرمي كورين قبل أشهرٍ قليلة) حيث كان كورين قد صوت اكثر من 500 مرة ضد مواقف حزبه في البرلمان على امتداد ثلاثين عاماً. ولنتذكر رئيسة الوزراء السابقة وزعيمة حزب المحافظين المرأة الحديدية مارغريت تاتشر على سبيل المثال، والتي لم تَكُن أصلاً المُرشح المُقدّر له الفوز بانتخابات حزب المحافظين البريطاني عام 1975، بل صَعَدت بشكلٍ مفاجئ، من مرشّح يحمل طموحات جديدة، وشعارات طنانه على المستوى الداخلي، لتهزم رموز القيادة التقليدية التاريخية في حزب المحافظين، ولتشتق سياسات يمينية أكثر إيغالاً ممن سبقها بقيادة الحزب على المستويين الداخلي والخارجي، بل وفي خوضها غمار حرب جزر الفوكلاند مع الأرجنتين في إبريل 1982.

نحن هنا لا ننفي أهمية الحَدث بفوز النائب البريطاني اليساري المتقشف في ملبسه وطريقة حياته جيرمي كورين (الداعم للقضية الفلسطينية، ومن الداعين للاعتراف بحقوق الشعب العربي الفلسطيني الوطنية والقومية) والمنادي بالجمهورية في بريطانيا، والمتضامن مع كل المظلومين في العالم، لكننا نرى بأن هناك مُبالغة في تقييم الحدث، وفي القول إن النقلة النوعية في السياسيات البريطانية آتية لاريب فيها، فالشكوك تحيط بهذا الاعتقاد، الذي يبدو بأنه شكل من التطاير في الهواء، ومن التنظير الذي لا طائل منه باعتباره لا يمس وقائع التجربة البريطانية ذاتها.

فالصحيح، أن فوز جيرمي كورين برئاسة حزب العمال البريطاني المُعارض في الجولة الانتخابية الأولى خلال مؤتمرٍ استثنائي عقده الحزب مؤخراً، وبنسبة فاقت 59 % على منافسيه. يَعكِسُ شيئاً من حالة التغيير في المزاج العام عند الشارع البريطاني تجاه القضايا الكبرى المطروحة والمُتعلقة بالشأن البريطاني الداخلي، وبالشأن المُتعلق بالسياسات الخارجية البريطانية بالنسبة لأكثر من موضوع ساخن، بما في ذلك علاقات بريطانيا مع الولايات المتحدة، وتُهمة التذيّل لواشنطن التي لاحقت السياسات الخارجية للمملكة المتحدة منذ العام 1990. فانتخاب كوربن ووصوله اللاحق لرئاسة الحكومة في بريطانيا سيربك علاقة بريطانيا مع الولايات المتحدة، لأكثر من سبب، عدا عن مواقفه المطالبة بخروج بريطانيا من حلف شمال الأطلسي، توفيراً للأموال البريطانية المخصصة لميزانية الحلف، ووقف مشروع بناء الغواصات النووية.

ويُعَد جيرمي كورين المحسوب على تيار «اليسار الأوروبي» عند الكثيرين بـ «الموديل اليساري الجديد»، والبعض الأخر يَعتَبِرَهُ اشتراكياً، بينما يعتبره آخرون ماركسياً تروتسكياً، وهو قد يكون غَير كل ذلك، لكنه بالقطع يَحمِلُ في قناعته وفكره شيئاً جيداً من يسارية العاطفة ويسارية الحديث بلغة الـ (كلامولوجيا) عن الفلاحين والفقراء والعمال وبسطاء الناس والعدالة، فأثار في فوزه مزيجاً من الإرباك والحيوية على حدٍ سواء في المشهد السياسي البريطاني، الإرباك عند أجيال قدامى حزب العمال، والحيوية عند أجيال الشباب بشكلٍ رئيسي. كما كان فوزه خطوة اضافية الى الأمام، يُسجلها «اليسار الجديد» في بريطانيا، وهي خطوة تساعد على التخفيف (وليس القطع) بشكلٍ لا بأس به من سياسات الكيل بمكيالين التي مازالت تنتهجها بريطانيا تجاه الصراع العربي والفلسطيني مع الاحتلال «الإسرائيلي» وتجاه قضايا الشرق الأوسط.

والجديد بالذكر أن حزب العمال البريطاني شَكَّلَ تاريخياً الإطار الحاوي لتيارات اليسار المُحافظ والذي انتهت إليه معظم المجموعات والتيارات على ألوان اليسار الأيديولوجي في إنكلترا بكافة اطيافها، بما فيها تلك المجموعات اليسارية (الماركسية) التي كان قد خَصَّها قائد الثورة البلشفية الروسية (فلاديمير ايليتش لينين) بالإنخراط في حزب العمال قبل أكثر من تسعين عاماً، باعتباره الموئل الوحيد لها في الخريطة السياسية البريطانية سنتذاك. لكن الحزب فَقَد وسطيته المعروفة، وتحوّل خلال العقدين الأخيرين الى حزبٍ تابع ومُتذيّل في سياساته لحزب المحافظين في بريطانيا، وقد ظهرت وبانت مواقف التذيّل في أكثر من محطة.

إن الهزيمة الحقيقية لحزب العمال البريطاني وعموم «اليسار الأوروبي المُحافظ» كانت قد وقعت خلال العقدين ونيف الماضيين، وكانت قد بدأت منذ مايُمكن أن نُسميه صعود الليبرالية الجديدة، وبلغة المصطلح المتداول في أوروبا «اليمين النيوليبرالي»، مُمَثلاً برئيسة الوزراء مارغريت تاتشر عام 1975 وسياساتها الأوروبية والشرق أوسطية والدولية، والتي صارت نموذجاً عند البعض من البريطانيين والأوروبيين عموماً. وقد خاضت حرب جزر الفوكلاند وجزر المالوين في المحيط الهادىء بوجه الأرجنتين ربيع العام 1982، وهي أول حربٍ طاحنة دخلتها بريطانيا بعد الحرب الكونية الثانية، ففازت مارغريت تاتشر بلقب «المرأة الحديدية»، ونالت الحضور الكبير في أوساط الجمهور البريطاني. من هنا كانت المرحلة التاتشرية فارقة في تاريخ إنجلترا والغرب الأوروبي.

وكانت تاتشر قد لخصت فحوى التوافق والإفتراق بين حزبي المحافظين والعمال في بريطانيا، حين خاضت حملتها الانتخابية عام 1975 على رؤية ايديولوجية فكرية، عبّرت عنها بقوة وجرأة، حيث اعتبرت «أن التوافق القديم بين المحافظين والعمال قد انتهى، وأن لا حلّ لبريطانيا الّا باعتماد سياسات الخصخصة والحرية الاقتصادية وتقليص الدولة». وبهذا استقطبت رؤيتها على غالبية الشارع البريطاني بعد حرب الفوكلاند، ولما عاد «اليسار الجديد المحافظ» بعد سقوط المحافظين ممثلاً بحزب العمال البريطاني الى الحكم، عاد تحت سقف تلك المعادلة وبمساعي السباق نحو الفوز في الانتخابات على أي اعتبار آخر.

إن «اليسار الجديد» في عموم أوروبا الغربية بحاجة لتعريف وتحديد المُصطلح، ونَحت المُصطلح والمُسمى الحقيقي له. فاذا كان حزب المحافظين البريطاني يدعو للرأسمالية، فحزب العمال «اليسار الجديد المحافظ» حتى تحت زعامة قائده الجديد جيرمي كورين يدعو الى «رأسمالية بوجه انساني». واذا كان المحافظون يقدّمون مُرشحين من أمراء الحزب ومن عتاولته ومن خلفيات اجتماعية أرستقراطية فإن حزب العمال يُقدِمُ جيلاً جديداً من الشباب، وبالتالي فإن إختلاط المشهد يبدو واضحاً وهو ما يدعونا للحيرة في تحديد مفهوم وتخوم «اليسار الجديد في أوروبا».

وعليه، لقد ظَهَّرَ ووضِّح، فوز جيرمي كورين وفرز اتجاهات «اليسار الجديد» المُلتبس، وبالأخص «اليسار الإنجليزي» نتيجة التخبط والأداء المُربك الذي شهده منذ صعود اليمين وظهور التاتشرية في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي وبداية الثمانينيات، حيث بتنا أمام يسار من طراز (موديل جديد) قادر على الفوز بالانتخابات والحُكم، ولكن وفق أجندة اليمين وحده دون غيره، وعلى أساس برامج وسياسات الخصخصة العميقة في بريطانيا التي كان قد بدأ بتنفيذها أصلاً وبشكلٍ عملي «يسار حزب العمال الجديد» بقيادة طوني بلير وحلفائه، حيث كان قد وَقَعَ مع الرئيس الأميركي الأسبق وليام كلينتون على معاهدة (نافتا) للتجارة الحرة.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 76 / 566518

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع علي بدوان   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010