السبت 4 تموز (يوليو) 2015

حياة بدائية وثورة

السبت 4 تموز (يوليو) 2015 par د.احمد جميل عزم

يعيش قطاع غزة أزمة، قد توقف شركات الهاتف والإنترنت عن العمل فيه. إلى ذاك، تكوّن في فلسطين، أو ما يعرف بالضفة الغربية فيها، وبموجب تقسيم اتفاقيات أوسلو، مناطق تسمى "ب" و"ج"، يحظر على قوات الأمن الفلسطينية العمل فيها، بل حتى إنّ المناطق المسموح لها بالعمل فيها، المنطقة "أ"، لا يسمح بإنفاذ القانون هناك ضد الجميع؛ فمثلا مخالفة سيارة تحمل لوحات إسرائيلية (صفراء اللون)، يعتبر أمرا معقدا ومستبعداً، حتى إن كان سائقها فلسطينيا.
محدودية خدمات أساسية في غزة، مثل المجاري والكهرباء، يضاف لها الآن الخلاف بين شركات الاتصالات وحركة "حماس" التي أغلقت مكاتب للشركات، واحتجت شركات أخرى بإغلاق مكاتبها، بسبب خلاف حول دفع "ضرائب"، تهدد باختفاء واحد من مظاهر الحياة الحديثة والإنسانية (الاتصالات، وشبكات التواصل الاجتماعي).
كان الجدل حول طبيعة الإنسان، وما يزال، أساس الكثير من الفلسفات ونظريات العلوم الإنسانية. فقد اتفق فلاسفة، مثل توماس هوبز (القرن السادس عشر) وجون لوك (القرن السابع عشر) وجان جاك روسو (القرن الثامن عشر)، على تخيل الحالة الطبيعية (أي قبل أن يكون هناك دولة ومجتمع)، لكنهم اختلفوا بشأن ما إذا كان الناس على وفاق، وهل هم أشرار أم خيرون. وكانت إحدى طرق حل معضلة استكشاف طبيعة الإنسان الأولى، هي الذهاب إلى مجتمعات بدائية بقيت ووجدت في بعض الأماكن، مثل أفريقيا، فلم تصلها الحضارة، لمحاولة رؤية كيف يعيش الإنسان قبل التوصل لأشكال الدولة والسلطة والقانون.
كلما مررت بمنطقة قلنديا، ومناطق أخرى في وسط الضفة الغربية، خطر لي أنّ هناك حالة فريدة، هي العودة إلى بعض مظاهر البدائية، حيث لا يوجد قانون.
تختلف هذه الحالة عن بلدان أخرى، شهدت حروبا أهلية وتراجع القانون، ففي فلسطين لا يوجد عنف منظم بين مجموعات فلسطينية متقاتلة، كل منها يحاول فرض سلطته، كما في حالات الحروب الأهلية، بل يوجد مدنيون يعيشون حياتهم. وبطبيعة الحال، تجد عصابات من لصوص وتجار مخدرات، ملجأً في هذه المناطق الخارجة عن القانون. لكن بعيداً عن هذا، فإنّ من أكثر تجليات حالة الفوضى هي اختفاء قواعد السير، بدءا من السيارات غير المرخصة حتى السير بسرعة في الاتجاه المعاكس. وهناك حالات أشخاص يأخذون حقوق غيرهم في ملكية الأراضي والعقارات، وحتى يحاولون فرض "خاوات".
في إحدى الحالات، قام سائق سيارة أجرة بالسير بعكس الاتجاه، فوجد من يتحداه بعدم السماح له بالمرور، وبصراخ عدة سائقين عليه بكلمات مثل "أليس عيباً؟"، "ألسنا بشراً؟". كان هجوما قيميا أخلاقيا، ووجد السائق نفسه محرجاً، وتعبيرات وجهه كمن يقول: هل هذه المعايير ما تزال مستخدمة؟
الفوضويوية، أو "Anarchism"، هي فلسفة ترفض الدولة ووجودها، وتعتبرها أمرا غير أخلاقي.
ربما تشكل بعض الحالات الفلسطينية مختبراً لدراسة المجتمع الحديث من دون قانون، وأين تسود أخلاق وتفاهم وتعاون، وأين يسود اللجوء إلى القوة والخداع. ربما تشكل حالة نتمنى أن لا تحصل في غزة؛ من انعدام الاتصالات أو تراجعها، مجالا لفهم كيف يمكن أن يعود الإنسان الحديث إلى عصر ماض؟
تعيش مجتمعات أخرى في المنطقة العربية مرحلة الموت المستمر. وأصبح الحديث عن الموت بفعل الإرهاب و"داعش" قصة يومية، ترددها ألسنة الصغار والكبار. وهو وضع يذكر بما قاله هوبز يوماً بأنّ حياة الإنسان هي "حرب الكل ضد الكل"، وأن الإنسان يتنازل عن حريته وكثيرا من حقوقه، لصالح حاكم قوي يمنع هذه الحالة، حتى لو فعل هذا بنوع من البطش، أي إن بعض أنحاء المنطقة تعود للحالة الطبيعية بأسوأ أشكالها المتخيلة، والبعض يحلم أن يؤدي هذا إلى قبول أي حاكم مهما كان بطشه.
لم تبلغ الحالة الفلسطينية الداخلية حالة انفلات كامل، وحديث الموت هو حديث الاستشهاد بسبب الاحتلال، ولكن إلى أي مدى يمكن احتمال الوضع الحالي؛ حيث السلطة بلا سلطة، وحيث الخدمات ومتطلبات الحياة التي تنحسر؟
بوجود الاحتلال، ومن دون امتداد السلطة، فإنّ المنطقي هو ظهور سلطة ثورية تفرض الإيقاع على الأرض، كما حدث في انتفاضة العام 1987، فهل يحدث هذا؟ هل نجد حالة ثورية لتجاوز الفوضى وصراع القوة، فتكون هذه حالة إنسانية جديدة؟


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 6 / 565197

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع احمد جميل عزم   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010