الأربعاء 18 آب (أغسطس) 2010

دعوة إلى رفض «الصدقة»

الأربعاء 18 آب (أغسطس) 2010 par صقر أبو فخر

منذ نحو عشرين عاماً، والمجتمع الأهلي الفلسطيني، بمؤسساته المدنية وبناشطيه المناضلين الديموقراطيين، وبمثقفيه المسالمين الرفيعي المستوى، يجهد لإقناع اللبنانيين، بمؤسساتهم وقادتهم وسياسييهم ومثقفيهم، بأن من غير المعقول والمقبول في هذا العصر أن يبقى الفلسطينيون على هذه الحال من التهميش والاضطهاد والاستثناء. وقد احتاج الأمر الى عشرين سنة بالفعل، تخللتها كتابة آلاف المقالات ومئات الدراسات والأبحاث وعشرات الندوات والمحاضرات والاجتماعات واللجان، كي يقتنع الساسة اللبنانيون بأن من المعيب للبنان، ولسمعته وقوانينه ودولته، ألا يتمتع الفلسطينيون المقيمون على أرضه منذ اثنين وستين عاماً بأي حقوق على الإطلاق. وان الأوان قد حان لإزالة هذا الإجحاف. وكان من جراء هذا الجهد المتراكم أن تداعت بعض القوى السياسية وفي مقدمها الحزب التقدمي الاشتراكي، الى تقديم مشاريع قوانين في مجلس النواب، لتعديل النصوص التشريعية السارية. وجاءت النتيجة، في الجولة الأولى، مروّعة : دفن هذه المشاريع في متاهة المناقشات النيابية والاقتراحات المضادة. وفي أثناء المجادلات، ظهر مدى السقم والجهل والأمية بأفصح صورها، لدى بعض أعضاء البرلمان. واحد من هؤلاء، وكان يمسك ورقة بيده على طريقة المفكرين، وصف حقوق الفلسطينيين بأنها خطة «إسرائيلية» (هلاّ هلاّ على الجد... ولعله لا يعرف، ربما لصغر سنه، كيف كان منزل أسلافه وكراً لـ «الإسرائيليين»، وكيف كان أهله يخدمون «الإسرائيليين» مبتهجين والبشر يطفح من وجوههم). وبالطبع. ونائب آخر وجد «معادلة نيوتن»، فاقترح هدم المخيمات وبناء أبراج في مكانها، ثم تأجيرها للاجئين، وهذا الاقتراح حل عبقري بلا ريب لم يتمكن حتى سعيد عقل أو مي المر من ابتداعه. ونائب ذكي جداً دعا الى منح الفلسطينيين تسهيلات بدلاً من إصدار قوانين. وهكذا ظهر أن حقوق الفلسطينيين في لبنان التي طالما رفعت القوى السياسية اللبنانية عقيرتها تأييداً لها، كانت مجرد مادة يومية للنفاق السياسي والدجل الأخلاقي، فما إن وصلت الأمور الى مجلس النواب حتى ظهرت الانتهازية بجلاء ما بعده جلاء، وبلسان عربي فصيح هذه المرة، وانقلبت بعض القوى السياسية على مواقفها لتتبارى في التخويف من هذه الحقوق.

[**

تصحيح معلومات

*]

أحد النواب جعل عدد الفلسطينيين في لبنان 500 ألف شخص. وكل عاقل أو عارف أو باحث يدرك أن عددهم على الأرض اللبنانية لا يربو على 40% من هذا الرقم، لأن معظمهم هجر هذا البلد هرباً من الاضطهاد والعنصرية وفقدان الأمان، وفوق ذلك من «تفشيط» أمثال هذا النائب. وآخر فهيم قال إن الفلسطينيين إذا منحوا حق التملك فسيباشرون فوراً شراء الشقق والانتشار في المدن اللبنانية. ما هذه النباهة النادرة؟ لعل هذا المحترم لا يدرك أن أسعار المنازل في المدن اللبنانية تعصى على الأغلبية الساحقة من الفلسطينيين وتحول دون امتلاكهم حمّاماً. ولعلمه، فإن المقصود إليه من المطالبة بحق التملك، هو الحق أولاً، أي عدم الاستثناء والعدالة. ويتعلق الأمر ثانياً بهؤلاء المساكين الذين تملكوا في الماضي منزلاً هنا أو هناك، وهم اليوم ما عاد في إمكانهم أن يورّثوا منازلهم لأبنائهم جراء التعديلات التي أضفاها مجلس النواب على القوانين السابقة التي كانت تتيح للفلسطينيين حق التملك.

وثمة نائب آخر خاف على اليد العاملة اللبنانية من منافسة العمال الفلسطينيين. ولإنعاش معلومات هذا النائب نشير عليه أن يعرف قبل أن يتكلم، فقوة العمل الفلسطينية لا تتجاوز 50 ألفاً اليوم، نصفهم لا يريدون «جميله» ولا «جميل» غيره، فهم يعملون في مؤسسات الأونروا المختلفة، وفي مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وفي الجمعيات الأهلية، وقليل منهم يعمل في أعمال حرفية خاصة أو في القطاعات الاقتصادية اللبنانية كالزراعة والمشاغل والخدمات. ويبقى ما بين 25 و30 ألفاً يتطلعون الى إتاحة القوانين الجديدة لهم إمكان العمل المشروع، وهؤلاء هم ثلث عدد أفراد الجالية المصرية أو السودانية أو البنغالية في لبنان. فمم يخاف الأخ العزيز؟ وقد همدر نائب آخر ودعا الى الويل والثبور وعظائم الأمور إذا صار مسموحاً للفلسطيني الاستفادة من تقديمات صندوق الضمان الصحي والاجتماعي، واعتبر ذلك كارثة كبيرة ستحل على أموال لبنان وأموال أبنائه وأموال هذا الصندوق.

لم يطالب أحد من الفلسطينيين بالاستفادة من صندوق الضمان الصحي والاجتماعي على الإطلاق. لقد انصّبت المطالبة على حق الفلسطيني الذي يعمل بصورة شرعية، ويقتطع الضمان نسبة معينة من أجره، ويسدد رب العمل عنه النسبة القانونية، في الاستفادة من تقديمات الضمان. فما المانع حينئذ من هذه الاستفادة التي تختلف تماماً عن «استفادة» اللبنانيين المهاجرين الى كندا والسويد والدانمارك وأستراليا؟ أما التقديمات التي يطالب بها الفلسطيني فهي تعويضات نهاية العمل، وتعويضات طوارئ العمل. فلماذا هذه المناحة الهاذية إذاً؟

بناء على ما تقدم، أدعو الفلسطينيين في لبنان، وممثلية منظمة التحرير الفلسطينية، والهيئات الأهلية، والمؤسسات الاجتماعية، فضلاً عن الأحزاب والقوى السياسية اللبنانية التي تقدمت بمشاريع قوانين الى مجلس النواب كالحزب التقدمي الاشتراكي والحزب السوري القومي الاجتماعي، الى رفض «الصدقة» التي صدرت عن مجلس النواب أمس ورفض أي قوانين إن لم تكن مطابقة للقوانين الدولية وللمعاهدات التي وقع عليها لبنان مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تنص المادة 17 منه على «أن لكل شخص الحق في التملك بمفرده أو بالاشتراك مع غيره، ولا يحق تجريد أحد من ملكيته تعسفاً»، ومثل معاهدة اللاجئين لسنة 1951 التي تنص على واجب الدول المضيفة للاجئين أن توفر لهم معاملة متساوية لتلك التي تعامل بها مواطنيها (المادة الرابعة)، وعلى استثناء اللاجئ من تدابير حماية العمالة المحلية (المادة 17)، وعلى معاملة اللاجئين كمعاملة المواطنين في تلقي التعليم العام (المادة 22)، وعلى الحق في المساواة مع المواطنين في تشريعات العمل والضمان الاجتماعي (المادة 24).

إن عدم إصدار التشريعات الصريحة والواضحة في هذا الميدان والاستعاضة عن ذلك بإصدار «قوانين» تتضمن تسهيلات، لن يكون أكثر من «حسنة» لا قيمة لها، أي ان عدم وجودها خير من وجودها. فقد آن الأوان للنظر الى الفلسطينيين في لبنان، لا كمجموعة بشرية تحتاج الى الإطعام والإيواء والتشغيل، بل كجزء من شعب له الحق في الكرامة الإنسانية. وفي هذا المجال على الفلسطينيين أن يكفوا عن «النق» وعن الاتصال بسياسيي لبنان وأحزابه ومؤسساته الدستورية ونقاباته وهيئاته وشخصياته الثقافية ووسائل إعلامه، وان يشرعوا في جهد متضافر لنقل مطالبهم الى جامعة الدول العربية، والى الأمم المتحدة ومؤسساتـها الرديفة، والى منظمات حقوق الإنسان في العـالم كله، والى هيئات مكافحة التمييز، وإدراج انتهاك حقوقهم في جداول أعمال هذه المؤسسات وفي تقاريرها الدورية. وسيكون ملائماً إصدار تقرير فصلي بجميع اللغات يتضمن الانتهاك المتمادي لحقوقهم في جميع البلدان، وبالتحديد في لبنان، والتشهير بهذه الممارسات.

لتبق الحال على ما هي عليه إذاً، إذا كان الحق سيتحول على أيدي ممثلي الطوائف، وهم على ما هم عليه من جريان المال ونعيم الارتهان، الى صدقة جارية.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 13 / 565499

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010