الاثنين 15 حزيران (يونيو) 2015

«الدورة 26» للمؤتمر القومي العربي الميّ تكذب الغطاس

الاثنين 15 حزيران (يونيو) 2015 par معن بشور

في زمن الانقسام بأبشع صوره، والغلوّ بأخطر تعابيره، والتوحش بأقسى أشكاله، والتعصب الطائفي والمذهبي والعرقي في أقصى توتراته، لم يكن سهلاً على كيان فكري سياسي جامع وعابر لأقطار الأمّة ولتياراتها المتعدّدة، ومكوناتها المتنوعة، أن يصمد على امتداد ربع قرن ونيف، وأن يستمر محافظاً على مبدئيته في القضايا الكبرى، وعلى صلابته في الحفاظ على استقلاليته، وعلى توازنه الناضج في التعامل مع القضايا الخلافية التي تعصف بحياة الأمّة وتكاد تودي بوحدة كياناتها الوطنية بعد أن بدا لأعداء الأمة أنهم نجحوا في إبعاد الوحدة العربية عن اهتمامات الأمّة وانشغالاتها.

ولعلّ من أبرز مظاهر سلامة توجهات هذا الكيان القومي وأدائه، أن معظم الاتهامات والافتراءات التي وجهت إليه منذ انطلاقته لم تجد دليلاً واحداً يثبت صحتها، خصوصاً أنها كانت تأتي من هذه الجهة ومن تلك المناقضة لها في الوقت ذاته، فيستمر هذا الكيان في الحياة وتتساقط من حوله الأوراق اليابسة بعد أن جفّت قدرتها على الاخضرار، فتحولت مهمتها الى محاولة تشويهه أو شيطنته أو اتهامه بما هو ليس فيه، بل بما هو نقيضه.

ولم تقتصر استمرارية هذا الكيان، المؤتمر القومي العربي، عليه وحده، بل شملت أيضاً كل المؤسسات التي ساهم في إطلاقها بدءاً من مخيمات الشباب القومي العربي ومنتديات تواصلهم، وصولاً إلى المؤتمر القومي الإسلامي الذي انعقد قبل أسابيع، مروراً بالعديد من المبادرات والملتقيات والمنتديات والجمعيات المتخصصة التي تمتلأ بها حواضرنا العربية على رغم كل ما تعانيه من حصار ومضايقات وتضييق على غير مستوى.

لقد قلنا الكثير في أسباب استمرار المؤتمر القومي العربي طيلة هذه العقود، فيما غابت كيانات أخرى مماثلة في الأهداف والتطلعات، ولفتنا سابقاً إلى ميزات حصّنت هذه التجربة القومية متمثّلة باستقلاليتها، وتوازنها، وحفاظها على ديمقراطية العلاقات وشفافيتها، وعلى تطلعها نحو القضايا الكبرى في الأمّة وعدم الانجراف في الصراعات الدموية التي حذّر منها المؤتمر مبكراً، وحرصها على إبقاء المشروع النهضوي العربي وأهدافه الست ماثلة أمامها تناقشها كل عام، بل تناقش مدى اقترابنا كأمّة منها أو ابتعادنا عنها، والإقرار بأننا قد ابتعدنا أكثر مما اقتربنا من دون أن يعني هذا الإقرار أننا تنازلنا عن تفاؤل إرادتنا على رغم غيوم التشاؤم الملبّدة فوق عقولنا.

إلاّ أن أمراً رئيسياً ينبغي التركيز عليه والعمل بمقتضياته، وهو أنه ما كان ممكناً للمؤتمر القومي العربي وأمثاله الاستمرار لولا حاجة الأمّة ونخبها الحرّة المستقلّة إليه كإطار جامع على المستوى القومي، وكصيغة حوار بين آراء واجتهادات متعدّدة تحت سقف الثوابت القومية، وكإرادة عارمة، وأداة للتفاعل الخلّاق لاستنباط سبل خروج الأمّة من محنتها ودخولها مدارج النهوض الحضاري المأمول، بل حتى كمرجعية فكرية وسياسية تحتكم الأمّة إليها في اللحظات المصيرية الصعبة.

هذه الحاجة التي تزداد كل يوم مع اشتداد الزلازل والأعاصير والعواصف السياسية والاجتماعية والأمنية والعسكرية والاقتصادية من حولنا، تعزّز في كل واحد من أعضاء المؤتمر إحساسه بالمسؤولية لكنها في الوقت ذاتها تطالبنا جميعاً أن نكون أكثر استعداداً لمراجعة تجربتنا، نطوّر ما هو إيجابي ومفيد، ونتخلص مما هو سلبي ومضرّ، فنعطي بذلك مثالاً يحتذي به آخرون، أنظمة وتنظيمات فيخرجون من أسر المكابرة والإنكار في قراءة تجاربهم، ويمضون في مراجعة نقدية مستمرة مفتوحة العيون على كل تطور، ومفتوحة الآذان على كل رأي، ومفتوحة الأذهان على كل ما يهدي إلى سواء السبيل.

في ظل هذه الظروف انعقدت الدورة السادسة والعشرين للمؤتمر القومي العربي في بيروت يومي 2 و 3 حزيران 2015، بمشاركة حوالي 200 عضواً عاملاً، فيما حضر جلسة الافتتاح أيضاً ما لا يقل عن 100 ضيف من الشخصيات اللبنانية والعربية والدولية، سياسية ودبلوماسية ونقابية وثقافية واجتماعية وإعلامية في تعبير عن مدى اتساع الاهتمام بهذه الظاهرة الوحدوية في زمن تفشي روح الانقسام ومخططات التقسيم.

تميّزت الدورة الحالية للمؤتمر بحيوية نقاشاتها، وتباين الرؤى والتقويمات بين أعضائها، بما يؤكّد حرص هذه التجربة على أن تكون كالعروبة نفسها، جامعة لا تلغي الخصوصيات، ديمقراطية لا يطغى فيها فرد أو رأي على بقية الأفراد والآراء.

ولعل الجلسة الأخيرة التي شهدت مناقشة مسودة البيان الختامي أكّدت أن المؤتمر سيّد نفسه، وأن ما من جهة قادرة على فرض رأيها على الآخرين، وأن كل ما سيق من اتهامات بحق المؤتمر، عشية الدورة، تأتي الوقائع لتكذبها، كما يقول المثل الشائع: «الميّ تكذب الغطاس».

لقد أعاد المؤتمر مسودة البيان، كما في الدورة الماضية، للأمانة العامة للمؤتمر لصياغته النهائية على نحو يراعي ملاحظات الأعضاء، المتباينة أحياناً، وقد أدلى كل واحد من أعضاء هذه الأمانة التي جرى انتخابها في هذه الدورة أيضاً بملاحظاته على مسودة البيان بهدف أن يصدر البيان معبّراً عن غالبية آراء أعضاء المؤتمر، وتمّ التأكيد على ثوابت المؤتمر ومشروعه النهضوي.

ولم تكن هذه الممارسة الديمقراطية هي الوحيدة التي تحلىّ بها المؤتمر، بل تجلّت أيضاً بالإصرار على تداول المسؤوليات في كل دورة من دوراته الانتخابية كل ثلاث سنوات حيث تعاقب على منصب الأمين العام سبعة أمناء عامين من كل أقاليم الوطن العربي بالإضافة إلى الأمين العام الجديد الدكتور زياد حافظ الذي فاز بالتزكية خلفاً للأمين العام السابق للمؤتمر الأستاذ عبد الملك المخلافي الذي حالت ظروف قاهرة دون حضوره الشخصي.

وانتخاب حافظ، وهو الباحث الاستراتيجي ذو الثقافة الواسعة والموسوعية، وصاحب البعد الفكري المنفتح على تطورات العصر، والملتزم بتراث الأمّة ومخزونها الحضاري، ومردد مقولة: «أن العرب دخلوا عصور الانحطاط حين توقفوا عن إنتاج المعرفة، وأن نهضتهم مرهونة بإعادة إنتاج المعرفة»، هو رغبة عارمة من المؤتمر للتأكيد على أهمية الدور الفكري والثقافي ويعتبره مهمة مركزية له كمؤسسة، ولأعضائه كأفراد، فيعاد توجيه بوصلة الأمّة ونخبها بالاتجاه الصحيح بعد أن ضلّ الكثيرون الطريق وغلّبوا الاعتبارات التكتيكية على الرؤى الاستراتيجية، والمصالح الفئوية الضيقة على المصالح الوطنية والقومية العليا، والهويات الفرعية على الهوية الجامعة.

وعلى رغم الآراء المتباينة والرؤى المتعددة في المؤتمر، لكن برز أيضاً إجماع حول ثلاث قضايا، أولها مركزية القضية الفلسطينية في النضال العربي على رغم كل محاولات الطمس والتصفية وحرف الأنظار، وثانيها المقاومة كخيار وثقافة ونهج، وثالثها الحوار كمدخل للحلول السياسية لكل ما تواجهه أمّتنا من اضطراب واحتراب وانقسام ودمار وسفك دماء وغلو وتطرف وتعصب وتوحش، بل الحوار كمدخل لقبول الآخر، وكإقرار بأنه لا يمكن لأحد، فئة أو جماعة أو طائفة أو حزباً، أن يلغي الآخرين في الأمّة.

سألني صديقي وهو يتابع التحضيرات المهنية الدقيقة للمؤتمر: أيستحق المؤتمر كل هذا الجهد والتكاليف؟. فأجبته: «بالنسبة للتكاليف يجب أن تعلم أن كل أعضاء المؤتمر يتحملون نفقات سفرهم وإقامتهم وتنقلاتهم ويتبرعون أيضاً للمؤتمر، أما أهمية المؤتمر نفسه فيكفي أن تتابع الحصار المفروض عليه والحملات المركّزة من هذه الجهة أو تلك، لا بل «الإجراءات» المتخذة ضدّ بعض رموزه على مدى السنوات الماضية، لتدرك كم بات المؤتمر يشكّل إزعاجاً وإرباكاً لكثيرين من أعداء الأمّة ولبعض فاقدي الاستقلالية الذين يعزّ عليهم وجود كيان قومي يعتزّ بهذه الاستقلالية التي هي سرّ استمراريته المزعجة لأعداء الأمّة ومن يدور في فلكهم.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 8 / 581793

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع أعمدة الموقف  متابعة نشاط الموقع معن بشور   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010