الجمعة 22 أيار (مايو) 2015

.صك المؤامرة .... الوعد النابليوني

الجمعة 22 أيار (مايو) 2015 par أحمد الدبش

كانت فرنسا أول من طرح، بشكل جدي، فكرة توطين اليهود في فلسطين. فقد أعدت حكومة الإدارة الفرنسية 1798 خطة سرية، لإقامة »كومنولث يهودي في فلسطين«. حال نجاح الحملة الفرنسية في احتلال مصر والمشرق العربي، »بما فيه فلسطين«. وذلك مقابل تقديم المموِّلين اليهود قروضًا مالية للحكومة الفرنسية، التي كانت تمر آنذاك في ضائقة اقتصادية خانقة، والمساهمة في تمويل الحملة الفرنسية، المتجهة صوب الشرق، بقيادة نابليون بونابرت، وأن يتعهد اليهود ببث الفوضى، وإشعال الفتن. وإحلال الأزمات، في المناطق التي سيرتادها الجيش الفرنسي، لتسهيل أمر احتلالها. ودعا أحد زعماء اليهود الفرنسيين إلى تكوين مجلس، يضم جميع الطوائف والفئات اليهودية، ويتخذ من باريس مقرًا له، ليعمل بالتنسيق مع حكومة الإدارة الفرنسية، من أجل »إعادة بناء وطن، يجمع شمل اليهود، وينظم حياتهم«.
مضى هذا الزعيم اليهودي في دعوته، التي تضمنها منشور أصدره، غفلاً من التوقيع، قال فيه: »إن عددنا يبلغ ستة ملايين، في أقطار العالم، وفي حوزتنا ثروات طائلة... فيجب أن نتذرع بكل ما لدينا من وسائل، لإنشاء وطن لنا.... وهذا الوطن الذي ننوي قبوله، بالاتفاق مع فرنسا، يشتمل على مصر السفلى (الوجه البحري)، ويمتد شرقاً، (منتهياً) بخط يبدأ من بلدة عكا إلى البحر الميت، ومن جنوب هذا البحر إلى البحر الأحمر؛ وموقع هذا الوطن من أنفع المواقع في العالم، ويمكِّننا من السيطرة على ملاحة البحر الأحمر، قابضين على ناصية تجارة الهند، وبلاد العرب، وأفريقيا الجنوبية، والشمالية، وأثيوبية، والحبشة، ثم إن مجاورة حلب، ودمشق لنا تسهِّل تجارتنا، وموقع بلادنا على البحر المتوسط، يمكِّننا من إقامة المواصلات، بسهولة، مع فرنسا، وإيطاليا، وإسبانيا«.
على هذا الاعتبار، تكون المسيحية الصهيونية قد بدأت، بشكلها الاستعماري الاحتلالي، أولاً، في فرنسا، وعلى يد نابليون بونابرت الذي كان مطلعًا على الاتصالات الجارية بين زعماء يهود فرنسا وحكومة الإدارة الفرنسية، واتضح له مدى الخدمات التي كان بمقدور اليهود ــ عامة ويهود فرنسا والشرق خاصة ــ تقديمها له.
فقد كان أول رجل دولة، في العصر الحديث، يقترح إقامة دولة يهودية في فلسطين، قبل »وعد بلفور« بـ 118 سنة. بل إن وايزمان وصف نابليون بأنه »أول الصهيونيين الحديثين غير اليهود«. ففي ربيع عام 1799، وبينما بونابرت على أبواب عكا، أصدر بيانًا، طلب فيه من يهود أفريقيا وآسيا أن يقاتلوا تحت لوائه، لإعادة إنشاء مملكة القدس القديمة.
جاء نداء بونابرت ليهود العالم، على أنه من القائد الأعلى للقوات المسلحة للجمهورية الفرنسية. وهذا نصه: »إن العناية الإلهية، التي أرسلتني على رأس هذا الجيش إلى هنا، قد جعلت رائدي العدل، وكفلتني. وجعلت من القدس مقري العام، وهي التي ستجعله، بعد قليل، في دمشق، التي يضيرها جوارها لبلدة داوود. «
» يا ورثة فلسطين الشرعيين! «
»إن الأمة العظيمة التي تتَّجر بالرجال، كما فعل أولئك الذين باعوا أجدادكم للشعوب، تناديكم، الآن، لا للعمل على إعادة احتلال وطنكم فحسب، وليس بغية استرجاع، ما فقد منكم بل لأجل ضمان، ومؤازرة هذه الأمة، لتحفظوها مصونة من جميع الطامعين بكم، لكي تصبحوا أسياد بلادكم الحقيقيين. «
»انهضوا وبرهنوا على أن القوة الساحقة، التي كانت لأولئك، الذين اضطهدوكم لم تفعل شيئًا، بسبب تثبُّط همة أبناء هؤلاء الأبطال، التي كانت محالفة إخوانهم، تشرف اسبارطا وروما«.
في هذا السياق، بالتحديد ظهر الخبر التالي، الذي نشرته الصحيفة الرسمية الفرنسية، »لومونيتور اينفرسيل«، في عددها الصادر بتاريخ 3 بريريال من العام السابع [للجمهورية الفرنسية] (22 مايو/ أيّار 1799): سياسية، تركيا، القسطنطينية، 28 جيرمينال (17 أبريل/ نيسان 1799)، نشر بونابرت بيانًا، دعا فيه جميع يهود آسيا وأفريقيا إلى الانضواء تحت رايته، لأجل استعادة أورشليم القديمة. وقد قام، بالفعل، بتسليح عدد كبير منهم، وكتائبهم تهدِّدُ حلب.
جرت استعادة هذا الخبر، في العدد الصادر في 9 ميسيدور (27 يونيو/ حزيران 1799): عن الاستيلاء المحتمل على الدولة العثمانية، من جانب بونابرت، نترقب تأكيد هذه الأنباء السعيدة. وإذا كانت سابقة لأوانها، إلاّ أننا نود أن نصدِّق، أنها سوف تتحقق، يومًا ما. فلم يفتح سوريا، لمجرد تسليم اليهود »أورشليمهم«.
إلا أن هنرى لورنس، ينفي ذلك الوعد، في كتابه »مسألة فلسطين، المجلد الأول (1799- 1922) اختراع الأرض المقدسة، الكتاب الأول (1798- 1914) أوروبا تصوغ العالم وشرق آخذ بالتحول«، بقوله: »على أن البحوث المختلفة في الأرشيفات الفرنسية، قد أثبتت أنه لم يوجد شيء كهذا، في مشاريع بونابرت، وأنه، في هذه الأشهر الأولى من عام 1799، لم تكن هناك اتصالات مباشرة بين جيش الشرق، وفرنسا المتروبولية. ومن المؤكد أن كُتّاباً فرنسيين قد طرحوا، بالفعل أفكارًا من هذا النوع؛ خاصة عشية الحملة، إذ كتبوا أن اليهود سوف يكون بوسعهم تكوين (قوام أمة) في فلسطين، تقوم بتنميتها، واستثمارها، وتشكل دعامة سياسية لإمبراطورية فرنسية في شرق البحر المتوسط، غير أن بونابرت الشاب، بالرغم من مسارعته إلى التفكير في مشاريع جسور وعظيمة، لم يحذُ حذو هؤلاء الكُتاب البتَّة، في هذا الدرب. وحتى في كتابات سانت هيلانه، حين يذكر هذه الأحداث، نجده يتحدث عنها بوصفها شيئًا غريبًا عنه. وإذا كان بعض الأشخاص في الأشهر الأخيرة لحكومة الإدارة، قد تسنى لهم طرح مشروع إحياء قومي يهودي، فإنّ الحكومات الأخيرة لفرنسا الثورية، لم تشجع مثل هذه الآراء. على أن الشائعات الخاصة بها قد راجت في فرنسا خلال فترة الحملة على سوريا«.
تقول المؤرخة اليهودية باربارا توخمان، في كتابها »الكتاب المقدس والسيف، الجزء الثاني«: على أن هذا الإعلان لم يعثر عليه، أبداً، وإنما بقى محتواه غير معلوم، حتى وُجدت نسخة منه، مترجمة إلى الألمانية، ووجدت طريقها إلى النور، عام 1940، في أرشيف عائلة فينيسية، ذات أصل يهودي، كانت مع نابليون، في حملته. وحتى حينه، كانت فكرة وجود الإعلان معروفة فحسب عن طريق ذكرها في (مونيتور ــ Le Moniteur )، عدد مايو 1799، وهي السجل الفرنسي الرسمي. وإذا أخذنا في الاعتبار ظروف مغامرة نابليون المستحيلة في سوريا، فقد كان الإعلان غير ذي معنى، بل محض بطولة مسرحية. ولكنها أرست نمطًا، أدى إلى ذروة بطولية أخرى، وإن كانت حقيقة، في عصرنا الحالى، حين صارت (إسرائيل) فعلاً »دولة بين الدول«، ثانية.
تستطرد توخمان: فحلم بنفسه [نابليون] اسكندرًا جديدًا، يعيد بناء دولة الإسكندر، من الإسكندرية إلى الهند، أو حتى إلى بلاد التتار، ويحفر »قناة سويس« جديدة، تحوِّل البحر المتوسط إلى بحيرة فرنسية، وتحوِّل كل تجارة الهند والشرق إلى يد فرنسا؛ ورأى في مصر نقطة حصينة، يمكن منها تدمير بريطانيا، وكانت أوروبا أضيق من تكوين إمبراطورية، ولا يتسنى ذلك، إلا في الشرق، باتساعه، وثرائه، وتعداده. وكان الشرق هو ميدان المجد والملحمة؛ حيث صُنعت أمجاد لا يطويها التاريخ. ولم يكن نابليون متعطشًا فقط للتجارة، أو الثراء أو حتى السلطة؛ وإنما للخلود، خلود الإسكندر وقيصر، أيضاً. فقد قال لمؤرخه الأمين، بوريان: »كل شيء، هنا [يقصد أوروبا] يُنسى، حتى مجدي ينحسر«؛ ولم يكن قد أتم الثلاثين، حينها: »إن هذا الركن من أوروبا صغير جدًا، ولا يكفى للإمداد، يجب أن نذهب شرقًا. فقد اكتسب كل عظماء العالم شهرتهم هناك«.
في الثلاثين من عمره ــ نفس عمر الإسكندر ــ رحل إلى مصر، وفتح القاهرة، وحتى هزيمة أسطوله، أمام الإنجليزي نلسون، فقد تظاهر بأن شيئًا لم يحدث، وبأنه لا يزال بإمكانه هزيمة سوريا، ثم تركيا وفارس، والهند، ثم يعود إلى أوروبا، بإمبراطورية جديدة، ليكون سيد العالم. وفي شباط/ فبراير 1799 استولى على العريش، في شبه جزيرة سيناء، بين مصر وفلسطين، وغزا فلسطين، بعدها بعدة أيام، وأوقع يافا، في السابع من آذار/ مارس، ووصل إلى أسوار عكا، في الثامن عشر من آذار/ مارس. وقال: »إن مصير الشرق رهن بأسوار عكا«، فإذا ما أوقعها، زحف على دمشق، ثم حلب، والقسطنطينية. ثم يطيح بالسلطة العثمانية، ويؤسس إمبراطورية جديدة عظيمة، في الشرق، تخلده للأبد. ولم يستطع، أبدًا، التنازل عن هذا الحلم. وبعد ذلك بعشرين عامًا، حين كان يملي مذكراته، بين أحجار سانت هيلانا، قال، مجددًا: »حين أستولي على عكا... أكون قد وصلت إلى القسطنطينية، والهند. وأكون قد غيَّرت وجه العالم«.
بأحلام العظمة هذه، تتزاحم على مخيلته، عسكر نابليون، في رام الله، على بعد 25 ميلاً من أورشليم، وأصدر إعلانه لليهود. وماذا يمكن أن يكون أفضل من ذلك؟: »أن يعيد رجل الأقدار بناء عرش داود، بجرة قلم، أو ضربة سيف، وكانت جاذبية المكان والزمان لا تقاوم، وأوحت الظروف لنابليون بأنه سيدخل أورشليم، بالفعل«.
تفكك حصاره أمام دفاع المماليك المخيفين، مؤيدين بسرية بحرية، تحت قيادة السير الإنجليزي سيدنى سميث. ولكن في السادس عشر من نيسان/ إبريل، حقق نابليون نصرًا عظيمًا، على جبل طبرية، حين دمر جيشًا عثمانيًا قادمًا من دمشق، لنجدة عكا. وفي الحال، رأى في خياله عكا، تستسلم وفلسطين تقع بين يديه، وهو يدخل أورشليم، مظفرًا بالنصر.
تضيف توخمان: لقد كان شديد الثقة [نابليون]، إلى أنه أرسل وفدًا رسميًا إلى فرنسا، بتاريخ السابع عشر من نيسان/ إبريل (كما ورد في مونيتور، 22 مايو)، قائلاً: »....نابليون إعلانه... ويدعو بموجبه كل يهود آسيا وأفريقيا أن يذهبوا، تحت لوائه، لإقامة دولة أورشليم القديمة«. وصدر الإعلان، فعلاً، في التاسع عشر من نيسان/ إبريل، كما لو كان من قاعدة أركان أورشليم، حيث كان يحلم أن يكون في ذلك اليوم. ولكن نابليون لم يطأ، يومًا، أورشليم، ولا حتى عكا؛ حيث إن عينه كانت معمية بآمال النصر والمجد والخلود.
تصل توخمان إلى الاستنتاج التالي: »وربما يكون قد مزق النص الأصلي لوعده العظيم لليهود، في خضم مرارته، وبلا شك فقد حاول أن يغطي الموضوع كله، لرفضه أن يذكِّره شيء بالمغامرة المهينة


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 263 / 565233

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع أحمد الدبش   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010