الأحد 15 آب (أغسطس) 2010

فلسطين.. تسوية مؤجلة أم تصفية سريعة؟!

الأحد 15 آب (أغسطس) 2010 par جلال عارف

عندما يتحدث «أبو مازن» عن الضغوط التي لا تحتمل (من جانب الولايات المتحدة الأميركية أساساً) لكي يدخل في عملية التفاوض المباشر مع حكومة نتنياهو فعلينا أن ندرك خطورة الوضع حين يكون هذا هو موقف الرجل الذي لم يخف منذ سنوات طويلة إيمانه بأنه لا مكان للمقاومة المسلحة في حل الصراع، ولا مجال للتفاوض، والذي تقول مراجع «إسرائيلية» لها وزنها لحكومتها : إذا لم تتفقوا مع هذا الرجل، فمع من يمكن أن تصلوا إلى اتفاق؟!

وعندما يترافق حديث «الضغوط التي لا تحتمل» مع الكشف عن «الرسالة الإنذار» التي وجهها أوباما لـ «الرئيس الفلسطيني» بالدخول الفوري في المباحثات المباشرة أو القبول برفع الغطاء الأميركي لسلطته والامتناع عن مساعدتها أو دعمها وتحمل مسؤولية فشل الجهود الأميركية للوصول إلى تسوية..

ثم عندما يترافق ذلك أيضاً مع الرفض الأميركي لتقديم أي تعهدات بوقف الاستيطان أو إعلان المرجعية التي تستند إليها عملية التفاوض، فلابد من التساؤل حول البديل الذي تراه الإدارة الأميركية كافياً لإعادة الطرف الفلسطيني إلى مائدة التفاوض بعد 18 سنة من التفاوض في ظل أوسلو لم تثمر شيئاً على الإطلاق، ومع حكومة «إسرائيلية» يعرف العالم كله أنها غير مؤهلة لصنع السلام أو الوصول لتسوية.

لقد أطلق الرئيس أوباما آمالاً كبيرة حين تحدث عن تسوية الصراع العربي «الإسرائيلي» باعتباره «مصلحة قومية لأميركا» وحين طالب بالوقف الفوري والشامل لعمليات الاستيطان وهو ما تراجع عنه بعد ذلك في إعلان عن هزيمته أمام اللوبي الصهيوني في أميركا الذي نجح نتنياهو في تجنيده لدعم موقفه.

ومع ذلك استمر أوباما في جهده من أجل إطلاق عملية التفاوض حول التسوية التي مازال يعتبرها «مصلحة قومية لأميركا» سواء لإتمام الانسحاب من العراق ثم أفغانستان، أو للتعامل مع الملف النووي الإيراني، أو لعدم انفجار الموقف في المنطقة بصورة تضر بمصالح أميركا.. ومصالح «إسرائيل» بالطبع!!

وهكذا تحولت الضغوط الأميركية من القاتل إلى القتيل، وتحول طلب التنازلات إلى الذين يقاسون من الاحتلال وليس من الذين يسرقون الأرض ويمارسون كل صنوف القهر اعتماداً على الدعم الأميركي الذي لم ولن يتوقف لهم.

وعاد أبو مازن (بموافقة عربية) للتفاوض غير المباشر عبر المبعوث الأميركي ميتشيل وقدمت «السلطة الفلسطينية» موقفها من كل قضايا الحل النهائي (الحدود والقدس واللاجئين والمياه والأرض وغيرها) ورفض نتنياهو أن يقدم للمبعوث الأميركي أي رد «إسرائيلي» رغم أن عبّاس (وفقاً لتصريحات صائب عريقات) قدم في هذه المواقف تنازلات أكبر مما قدمها لرئيس الوزراء «الإسرائيلي» السابق أولمرت!

وكان الموقف «الإسرائيلي» أنها لن تناقش شيئاً إلا في المفاوضات المباشرة التي ينبغي أن تبدأ دون شروط مسبقة.. وهو ما يعني عند «إسرائيل» «دون أي التزامات حتى بما سبق الاتفاق عليه لتبدأ المباحثات من الصفر، وتستمر 18 عاماً آخر، وتنتهي إلى لا شيء»!!

ولم يكن الغريب هو موقف نتنياهو وحكومته، بل موقف الإدارة الأميركية التي تضغط بكل قواها على «السلطة الفلسطينية» لاستئناف التفاوض، ثم ترفض أي التزام بمرجعية للتفاوض تتفق مع قرارات الشرعية الدولية!!

ويقال الآن إن هناك انفتاحاً أميركياً على إعلان يصدر عن اللجنة الرباعية الدولية التي تضم إلى جانب أميركا.. الأمم المتحدة وأوروبا وروسيا، يرتكز على بيان سابق صادر في مارس الماضي يؤكد على أن «التسوية المطلوبة من عملية التفاوض ينبغي أن تتم خلال 24 شهراً، وأن تنهي الاحتلال الذي بدأ عام 67 وتسفر عن إقامة دولة فلسطينية مستقلة».. كما دعا إلى تجميد كامل للاستيطان والتوقف عن عمليات إزالة مساكن العرب في القدس المحتلة.

ولا أظن أن نتنياهو يمكن أن يقبل التفاوض على هذه الأسس ولا أن يعتمد رعاية الرباعية بدلاً من دفء الرعاية الأميركية وانحيازها الكامل لـ «إسرائيل». وبالتالي فإذا صدر بيان جديد عن الرباعية ليكون مدخلاً للتفاوض فلن تكون له علاقة ببيان مارس ولا بأسس التفاوض التي حددها!!

لكن الأخطر أنه بعد الحديث الطويل عن تفاوض لعامين يمكن أن ترى الدولة الفلسطينية الموعودة النور في نهايتها (وهو أمر مشكوك فيه تماماً مع حكومة نتنياهو) بدأ الحديث عن حل سريع خلال بضعة شهور!!

ورغم أن هذا ممكن باعتبار أن معظم عناصر الاتفاق موجودة إذا تم البناء على ما سبق من تفاوض وخاصة في نهاية عهد كلينتون، إلا أن الواقع يقول إن ذلك مستحيل في ظل الأوضاع الحالية على الساحتين الفلسطينية و«الإسرائيلية» وظروف الانتخابات الأميركية وتمسك نتنياهو ببدء التفاوض من نقطة الصفر!!

ومن هنا تأتي المخاوف من أن يكون الحديث عن حل سريع يعني الحديث عن التسوية الجزئية التي تحدث عنها كثيرون في الفترة الأخيرة (ومنهم يوسي بيلين السياسي «الإسرائيلي» المعروف) والتي تتضمن خطة لانسحاب جزئي من مساحة ما بين 20 إلى 40% من الضفة، وإخلاء رمزي لعدد قليل من المستوطنين، وإقامة دولة فلسطينية في حدود مؤقتة تعترف بها «إسرائيل» لأنها تحقق لها كل المطلوب.. ترفع عنها الضغوط الدولية، وتحقق لها الأمن، وتطلق يدها في الاستيطان والتهويد، وتكرس الانفصال بين غزة والضفة، وتترك كل القضايا الأساسية للزمن وللأمر الواقع، وتعطي للإدارة الأميركية ما تعتبره انجازاً على طريق السلام..

الذي يراد أن يتم اختصاره بين تفاوض لثمانية عشر عاماً أخرى بلا مرجعية ولا نتيجة.. أو مباحثات لشهور وربما لأسابيع تنتهي بهذا المسخ الذي لا يعني إلا تصفية القضية الفلسطينية حتى لو شملت التصفية كياناً هزلياً ومحاصراً ومؤقتاً، يقولون لنا وللعالم إنه : الدولة الموعودة!!


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 12 / 565500

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010