الاثنين 4 أيار (مايو) 2015

السلطة وأنماط الشرعية

الاثنين 4 أيار (مايو) 2015 par د. عبد الاله بلقزيز

يعود إلى عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر الفضل في تقديم منطلقات فكرية، ومواد مفهومية جديدة، لبناء نظرية في شرعية - أو شرعيات - السلطة . من المعلوم - لدى كل من قرأ الفلسفة السياسية الحديثة - أن النمذجة الفيبرية لأنماط الشرعية الثلاثة تستخدم مواد نظرية من تلك الفلسفة، من نصوص جون لوك، ومونتسكيو، وجان جاك روسو، وإيمانويل كنت، وهيغل . . إلخ، لكنها تعيد صوغها - بتكثيف نظري شديد - في قالب من التنظير عرفت به كتابات فيبر . والأهم من ذلك أنه اهتدى إلى تركيب تاريخ الفكر السياسي، الوسيط والحديث، في تصنيف جديد من مدخل إشكالية الوسيط والحديث، في تضيف جديد من مدخل إشكالية الشرعية التي أنتجها - كإشكالية - من المتفرق في نصوص سابقيه . وكان فيبر نفسه أول من نبه إلى أن التفكير في الدولة والسلطة، وتحليل نظام اشتغالهما، لا يستقيم إلا من مدخل التفكير في سؤال الشرعية، والنمط الذي عليه تقوم الشرعية في هذا النموذج أو ذاك من سلطة الدولة .
تنطلق أطروحة فيبر من قاعدة نظرية تقول إن السلطة، أي سلطة، لا بد لها من أن تتمتع بقدر من الشرعية، في عيون المحكومين، يتيح لها أن تحكم . لا ينفي فيبر الطابع القهري لسلطة الدولة، لكنه - مثل فلاسفة سابقين - لا يفهم منه أنه مفروض بالقسر والإكراه على المحكومين، ومن دون رضاهم: كما تصور ذلك لينين، مثلاً، في نقده جهاز الدولة القمعي ودعوته الثورة إلى تحطيمه . غير أن فيبر استدرك على اقراره بقهرية الدولة بالتشديد على حاجة السلطة فيها إلى تحصيل المقبولية التي يتبرر بها قيامها على شؤون المجتمع العامة . ومن تلك القاعدة النظرية تأدى إلى البحث في أنواع الشرعية السياسية التي قامت في تاريخ الدول، منتهياً إلى نمذجتها وتصنيفها .
يميز فيبر بين أنماط من الشرعية ثلاثة: التقليدية، والكاريزمية، والعقلانية . تطابق كل واحدة من هذه الشرعيات مستوى تطور المجتمع والمجال السياسي فيه . وهي، عنده، متمايزة من بعضها ومنفصلة، بحيث لا مجال لافتراض أن اللاحقة منها تطور من السابقة أو نتيجة لها، فالديمقراطية ليست لحظة تطور كمي في تاريخ النظام الكاريزمي، وهذا ليس امتداداً للنظام التقليدي، إذ لكل نظام من هذه الأنظمة مصادره، وقواعده، وعلاقاته، ومنطقه الخاص . وبما أن ماكس فيبر شاء أن ينتج تصنيفه لأنواع الشرعيات على قاعدة الخبرة التاريخية للدول وأنظمة السلطة والحكم فيها، ولم يقصره على حالة أوروبا، وبما أن بعض نمذجته ينطبق على الحالة العربية والإسلامية، ماضياً وحاضراً، فسنحاول أن نستدخل في نمذجته بعض معطيات هذه الحالة: من باب التنفيل لا من باب التصويب .
لنعرض معطيات النمذجة الفيبرية في مجملاتها، من دون الدخول في تفصيلاتها، قبل أن نسوق ما لدينا من ملاحظات نقدية عليها (في مقال لاحق) .
الشرعية التقليدية، في التصنيف الفيبري، هي التي تقوم على عوامل النسب أو السلالة والدين، أي على ما يدخل في نطاق العوامل الطبيعية (القرابة في اللغة الانثروبولوجية، أو العصبية في اللغة الخلدونية)، وعلى العوامل الروحية التي تلحم الجماعات أو تمتن لحمتها الداخلية . وعلى هذا النمط من الشرعية قامت السلطة في دول العصور الوسطى، بما فيها الدول الثيوقراطية المسيحية، والدولة السلطانية (الإسلامية)، والدول الإمبراطورية الآسيوية والرومانية الغربية والشرقية (البيزنطية)، والممالك والإمارات الأوروبية إلى حدود القرن الثامن عشر . السلطة، في هذا النمط الأول، متوارثة لأن مصدر شرعيتها النسب، أو القرابة، وهي، في الوقت عينه، ملتحمة بالدين شكلاً ما من الالتحام، إما سلطةً دينيةً - كما في حالة الخلافة، وفي حالة الدولة الثيوقراطية المسيحية - أو سلطةً تشرف على الدين وتدير شؤونه: كما في حالة الإمبراطوريات الآسيوية (الإيرانية القديمة، والصينية، واليابانية، والهندية، والدولة السلطانية الإسلامية . .) . ويذهب فيبر إلى أن هذا النمط من الشرعية مايزال موجوداً ومستمراً، في أنحاء مختلفة في العالم، خارج أوروبا وأمريكا . أما تسمية هذه الشرعية بالتقليدية، فيفهم منه أنها قديمة، ومنحدرة من أزمنة سابقة للعصر الحديث، وأنها - في الوقت عينه - لا تنتمي إلى قيم الحداثة وإن استمرت وجوداً في العصر الحديث .
والشرعية الكاريزمية لا تخرج، كثيراً، عن منطق الشرعية التقليدية في نظر فيبر، فهي تقوم على فكرة الزعيم الملهم الذي تنقاد إليه جموع المحكومين، ويدبر شؤونهم السياسية منفرداً، أو مع محيط صغير ضيق، مستثمراً صورته في وجدانهم الجمعي . وقد تنشأ الكاريزما من بطولات سياسية أو عسكرية أو وطنية، كأن يكون الزعيم المتمتع بها - في نظر شعبه، قائداً عسكرياً، أو محرراً للأرض، أو قائداً لثورة سياسية . . إلخ، أو من مكانة دينية معتبرة تكرسه عند الجمهور القدوة والملاذ والمرجع، وإن كان البعد المدني غير الديني - هو العمدة في تقرير السلطة الكاريزمية . ويقترن بهذه السلطة الكاريزمية - كما يؤسس لها شرعيتها - ما تنطوي عليه شخصية القائد الكاريزمي من هيبة وصدق، لدى من يقع عليهم مفعول شخصيته السحري . ولا تجتمع له هذه الصفات عبثاً في الغالب، ولا يكون جمهوره مخدوعاً فيه بالضرورة، ولكن ذلك يتأتى له من أدوار أداها فبدت للشعب أو الجمهور أدواراً بطولية . وهو ما يعني أن للسلطة الكاريزمية أساساً مادياً تستند إليه، وتبني عليه شرعيتها، وأنها ليست فعلاً من أفعال الخداع والاستغفال . غير أن هذه الشرعية الثانية (الكاريزمية) لا تختلف كثيراً، في نظر فيبر، عن الشرعية التقليدية، فهما معاً لا تقومان على أي أساس مؤسسي ولا على أي قاعدة عقلانية .
أما الشرعية العقلانية فقوامها، عند فيبر، على القانون بما هو الإطار المرجعي لممارسة السلطة وللحياة العامة، وبما هو تعبير عن إرادة الشعب والأمة . تتكون هذه الشرعية، في التعريف الفيبري، في سياق تكون الدولة الوطنية الحديثة وسلطاتها الموزعة على الهيئات توزيعاً متوازناً، على النحو الذي يجسّد مبدأها الأساس، وهو أن الشعب مصدر السلطة والسيادة . يمكن تعريف هذه الشرعية القانونية بأنها الشرعية الدستورية الديمقراطية . فهي، من وجه، تستند إلى دستور متوافق عليه يعبر عن إرادة الأمة، ويشكل النظام الأساسي للدولة، ويكرس الطابع المؤسسي فيها، ويفرض الزاميته على السلطات كافة ونصاباتها المختلفة، ومن روحيته تشتق القوانين . وهي، من وجه ثان، تقوم على المشاركة السياسية للمواطنين في إدارة سلطة الدولة، من طريق الاقتراع الحر والتداول على السلطة بما هي حق عمومي . تقطع هذه الشرعية العقلانية، في نظر فيبر، مع الشرعيات السابقة لها في الوجود، وتكرس نفسها بوصفها الشرعية المطابقة للعصر الحديث وقيمه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المؤسسة على العقل والعقلانية . ولذلك فهي لم توجد، كما يرى فيبر، سوى في أوروبا والغرب .
وأيا يكن الموقف النقدي من النمذجة الفيبرية للشرعية - وهي نمذجة تحتاج إلى نقد وتجديد بعد مرور قرابة مئة عام عليها - فإن اجرائيتها ما تزال، حتى اليوم، مناسبة إذا أمكن إعمالها في التحليل على أساس جدلي لا ميكانيكي . لكن الأهم من استمرار صلاحيتها في تحليل الاجتماع السياسي (هو) منظورها التركيبي إلى الدولة والسلطة، وتجاوزها المألوف من المقاربات الفلسفية لمسألة السياسة: منذ أفلاطون وأرسطو حتى بدايات القرن العشرين . لم يحفل فيبر بتصنيفات سابقيه لنظم الحكم إلى ملكية وجمهورية، أو إلى حكم الفرد - بنموذجيه الملكي والاستبدادي - وحكم القلة - بنموذجيه الارستقراطي والأوليغارشي - وحكم الجمهور - بنموذجيه الديمقراطي والديماغوجي . . إلخ، وإنما صنف أنظمة الحكم على قاعدة مبدأ جديد هو مقدار الشرعية الذي تتمتع به، مصنفاً إياها في ثلاثة نماذج، فاتحاً بذلك أفقاً جديداً أمام دراسات السياسة: في الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم السياسة .


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 337 / 574264

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع عبدالإله بلقزيز   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010