الاثنين 27 نيسان (أبريل) 2015

درس الفلسفة.. قبل كل الدروس!

الاثنين 27 نيسان (أبريل) 2015 par خالد الحروب

كأن ليس ثمة مكان يليق بـ"أم العلوم" في عالم عرب اليوم، لا في المدارس ولا الجامعات، وكذا في دور النشر، أو الصحف، فضلا عن الإعلام المهجوس بسرعة التغطية والركض وراء الربح. "أم العلوم" لا مكان يليق بها في عالم الأصوليات والطوائف، لا في كتابات التحريض والقتل، ولا في خطابات الإقصاء والفصم والفصل، فضلا عن بيانات زعماء التطرف وعرابيه، سواء أقادوا تنظيمات أم دولا.
في زمن قريب لكنه شبه انقضى في هذه المنطقة انكب باحثوها ورواد فكرها على الفلسفة وأموها بكونها نقطة الانطلاق. ذهبوا بعيدا وقرأوا ودرسوا ونقدوا النصوص المؤسسة فيها من زمن سقراط ومن سبقه، ثم أفلاطون وأرسطو، وتوقفوا ملياً عن التفلسف الإسلامي وعلاقته بالفلسفة اليونانية، ثم نقدوا الفلسفة الغربية باهتمام وتقدير.
كانت أسئلة التنوير والتحديث والنهضة تقع في قلب هذا الاهتمام، وفرد كثيرون منهم فصول كتب كثيرة في مواجهة السؤال الثقيل: لماذا تخلفنا وتقدم الآخرون؟، لا يعني ذلك أن كل ما كان وما يجب أن يُدرس قد دُرس أو أنه أيضاً اختبر بكامل الموضوعية والنزاهة.
كانت هناك انحيازات، وكانت هناك قفزات في "التغطية"، أهمها إهمال الفلسفات التي قامت وتطورت وتأملت في جغرافيات بعيدة عن الغرب، كالصينية والهندية والإفريقية، والانجرار إلى ركاب المركزية الغربية في التفلسف، قبولا أو نقداً.
لكن وبكل الأحوال احتل اهتمام مفكري العرب ومثقفيهم بالفلسفة في العصر الحديث ومنذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر موقعا مركزيا في سياق انشغالهم بالنهضة والنهوض.
خبا ذلك الاهتمام ومُنتجه الفكري والفلسفي في العقود الأخيرة، حيث استبيح المشهد الفكري والثقافي من قبل ثقافات سطحية وأصوليات متوترة جلها يحوم حول نفي الآخر والإجهاز عليه، وليس التأمل في الجذر الإنساني المشترك، أو البحث في المآلات الغامضة والأسئلة الكبيرة.
في سياق غافل كهذا يُلفت الاهتمام إعادة إصدار كتابين من الكتب العربية الكلاسيكية الحديثة في الفلسفة، ضمن سلسلة "طي الذاكرة" الصادرة عن المركز العربي للأبحاث في الدوحة، هما "تاريخ فلاسفة الإسلام في المشرق والمغرب" للمثقف والمتفلسف المصري محمد لطفي جمعة، والذي صدر في أول طبعة له سنة 1927، والثاني هو "العرب واليونان وأوروبا: قراءة في الفلسفة"، الذي صدرت طبعته الأولى سنة 1944.
يتيح صدور هذين الكتابين فرصة جديدة للانتصار للفلسفة وللتوكيد على ضرورة تدريسها وإدراجها في المناهج التعليمية وإعادة اعتبار "أموميتها" للعلوم.
دون أن يتحلى الطالب والمعلم بقدر عميق من الفلسفة فإنهما يظلان يجدفان في نهر لا ماء فيه. وربما هذا ما كان قد انتبه إليه المؤرخ والمثقف اللبناني الكلاسيكي الكبير عمر فروخ في كتابه المذكور. فروخ أولى اهتماما مركزيا لكتابة المناهج المدرسية الثانوية وغيرها، لأنه كان على يقين كبير بأهمية الفلسفة في تكوين النشء. بعد كتابه عن الفلسفة اليونانية أبحر بعيدا في الفلسفة العربية وكتب "عبقرية العرب في العلم والفلسفة" في أواسط الأربعينيات من القرن الماضي، والذي يقول عنه رضوان السيد إنه "كتاب صغير.. تضخم عبر ثلاثة عقود حتى وقع في آخر نشراته في سبعمائة صفحة". ولا يوازي هذا الكتاب في أهميته الموسوعية إلا السفر الثاني الذي سطره فروخ حول "تاريخ الفكر العربي إلى أيام ابن خلدون".
يكتب فروخ كيف انتقلت الفلسفة اليونانية إلى العربية عن طريق نصارى الشام الذين كانوا قد نقلوها أولا إلى السريانية، لعدم معرفتهم بالعربية، ثم من السريانية ترجمت عبر غيرهم إلى العربية.
ويشير إلى أن هذه المسيرة عبر عدة لغات ومتأثرة بعدة نوازع أنتجت ترجمات عربية غير دقيقة للفلسفة اليونانية، وبعضها كان بسبب حمية النصارى الذين، إما حذفوا ما لم يتناسب مع الدين من وجهة نظرهم، أو حرفوه.
كان لابد من مضي قرون عدة حتى يأتي جيل آخر من الفلاسفة العرب ويطلعوا على الترجمات وينقحوها ويقربوها من الأصل اليوناني. ثم ينخرط فروخ في الجدل التقليدي حول أصلانية الفلسفة العربية أم تقليدها ونسخها لما جاء في سابقتها اليونانية، وينكر زعم أرنست رينان الذي قال إن الفلسفة العربية هي الفلسفة اليونانية مكتوبة بأحرف عربية.
ينتفض فروخ ويقول: "لا شك في أن هذا مزعم تافه، إذا كان رينان يعني أن العرب لم يعالجوا من الأمور إلا ما عالجه اليونان، فيحق لنا حينئذ أن نقول: إن الفلسفة الأوروبية ليست إلا الفلسفة اليونانية مكتوبة بالحرف اللاتيني، وأن الفلسفة اليونانية نفسها فلسفة مصرية أو بابلية مكتوبة بالحرف الإغريقي. إن الحضارات والثقافات تطور، واعتماد حضارة أو ثقافة على حضارة أو ثقافة سابقة لا ينزع عنها قيمتها ولا قدر الرسالة التي أدتها".
أما كتاب محمد لطفي جمعة الذي درس في الإسكندرية ولبنان وفرنسا، فيبحث في أفكار وفلسفات وإيضاحات اثني عشر فيلسوفا يمكن اعتبارهم أهم فلاسفة الإسلام، وهم: الكندي، الفارابي، ابن سينا، الغزالي، ابن باجة، ابن طفيل، ابن رشد، ابن خلدون، إخوان الصفا، ابن الهيثم، محيي الدين بن عربي، ابن مسكويه. وهم قد رافقوا المؤلف أكثر من عشرين سنة كما يذكر، وصاروا أصدقاءه الحميمين، بل ويتخيلهم حتى بلباسهم"... كل بالقباء أو المرقعة أو المسو أو الدراعة أو الجبة التي تليق به... (وهم) الذين عاشوا وتأملوا وفسروا الكون، وعللوا الحوادث قبل كانت، ونيتشه، وشوبنهور، وسبنسر، وستوارت ميل، وأوجست كومت، ورينان.
ليست هذه المطالعة الموجزة مراجعة نقدية للكتابين، بل هي تعريف بهما في وارد محاولة التشديد على أهمية استعادة الدرس الفلسفي في المشهد العربي التعليمي والتنظيري والسياسي. لكن يجوز ختمها بإشارة لطفي جمعة التي يقول فيها إنه لولا الجهد العربي والإسلامي الريادي والمركزي لضاعت تلك العلوم. ويقول مخاطبا أولئك الفلاسفة: "إنه لولاكم أيها الفلاسفة الأعزة! من الكندي، إلى ابن رشد، لم يكن لفيلسوف أوروبي حديث أن يظهر في عالم الوجود، وأنكم أنتم الذين حفظتم تلك الشعلة المُقدسة التي خلفها سقراط وأفلاطون وأرسطو، في مغاور الماضي السحيق، وزودتموها نارا حتى أسلمتموها مضيئة وهاجة إلى فلاسفة أوروبا المحدثين، وكنتم لتلك الشعلة الإلهية كراماً حافظين".


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 517 / 566415

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع خالد الحروب   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010