الخميس 12 آب (أغسطس) 2010

في بؤس التناقض العربي

الخميس 12 آب (أغسطس) 2010 par فهمي هويدي

أستغرب موقف بعض الصحف العربية والمصرية بوجه أخص من المؤتمر الصحفي الذي عقده السيد حسن نصر الله الأمين العام لـ «حزب الله» مساء الاثنين الماضي 9/8 الذي عرض فيه مجموعة من المعلومات المثيرة التي تتهم «إسرائيل» بالضلوع في قتل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري. فقد لاحظت أن قسماً منها تجاهل المؤتمر بالكامل ولم يأت له على ذكر، وأدهشني أن صحفاً أخرى أبرزت رد الفعل «الإسرائيلي» على تصريحات نصر الله وادعاء المتحدث باسم حكومتها أنه «كلام سخيف مثير للسخرية».

أدري أن تلك الصحف المعبرة عن الحكومات «المعتدلة» والقريبة منها لها موقفها المخاصم والمتهم للسيد حسن ولـ «حزب الله» لأسباب مختلفة، لكنني لم أتصور أن تلك الخصومة بلغت حداً يجعلها تتبنى الموقف «الإسرائيلي» حين يكون الرجل مشتبكاً معها، الأمر الذي يعبر عن مدى البؤس الذي وصل إليه التناقض العربي العربي. وهو ليس بؤساً فقط، بل إنه فجور أيضاً، لأنه بات يتم الجهر به أمام الملأ بجرأة خلت من أي حياء. وهذا التحيز لوجهة النظر «الإسرائيلية» لا نجده في بعض الصحف المصرية فحسب، وإنما نلمحه أيضاً في بعض الصحف العربية الصادرة في لندن. وهي التي باتت تقول صراحة إن العدو لم يعد «إسرائيل»، ولكنه إيران، ويتحدثون نفس اللغة التي يعبر عنها غلاة المحافظين اليمينيين في الولايات المتحدة الأمريكية.

السيد نصر الله في المؤتمر الصحفي قدم مجموعة متكاملة من اعترافات الجواسيس الذين ذكر أحدهم أنه اقترب من الدائرة الأمنية للرئيس الحريري واستطاع إقناعه بأنه مستهدف من قبل «حزب الله». في الوقت ذاته كانت طائرات الاستطلاع «الإسرائيلية» تراقب بيت الحريري وترصد خط سيره من بيته إلى مكتبه أو إلى المنتجع الذي يقضى فيه عطلاته. كما كانت تراقب بيت شقيقه، وتتبع الأماكن التي يتردد عليها أنصاره وجماعة 14 آذار. وهو ما يثير شكوكاً كثيرة حول القصد من كل ذلك، سواء فيما خص الرئيس الحريري نفسه أو ما خص جماعة 14 آذار، الذين أرادت «إسرائيل» أن تنال منهم لكي تتجه أصابع الاتهام مباشرة إلى «حزب الله» وحلفائه في تجمع الثاني من آذار.

مما ذكره السيد نصر الله أيضاً أن جاسوساً لبنانياً من الذين جندتهم «إسرائيل» كان في موقع اغتيال الحريري قبل 24 ساعة من حدوث التفجير الذي أودى بحياته، وأن طائرة إواكس «إسرائيلية» حلقت في سماء لبنان يوم الحادث، كذلك تم رصد نشاط كثيف للطيران «الإسرائيلي» في اليوم ذاته. وأثناء استعراضه للشهادات عرض نماذج من صور الأقمار الصناعية التي نجح «حزب الله» في استقبالها بعد اختراق الرسائل التي كانت تبعث بها طائرات الاستطلاع «الإسرائيلية». في السياق ذاته قال «السيد» إن الرئيس الراحل حافظ الأسد أخبره بأن قائداً عربياً نقل إليه في دمشق رسالة أميركية خلاصتها أن واشنطن مستعدة لاستمرار الدور السوري في لبنان إذا ما استجاب لشرطين اثنين هما : نزع سلاح «حزب الله»، ونزع سلاح المخيمات الفلسطينية. وهو العرض الذي رفضه الرئيس السوري آنذاك.

أبدى الأمين العام لـ «حزب الله» دهشته من أن اعترافات عملاء «إسرائيل» بما احتوته من إشارات ودلالات مهمة لم تأبه بها لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الحريري، في حين رحبت بمعلومات أخرى أدلى بها بعض شهود الزور، مما أدى إلى سجن أربعة من كبار الضباط لمدة أربع سنوات، قبل أن تثبت براءتهم ويطلق سراحهم. وهو موقف دال على أن تسييس القضية له بوادره من البداية. إزاء ذلك فلا يستبعد أن تكون اللجنة قد أعرضت عن مساءلة الجواسيس «الإسرائيليين» أو الضباط الذين استخدموهم من جهاز «الموساد»، حتى تظل «إسرائيل» بعيدة عن الشبهات. وليس أدل على ذلك من أن المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية. لويس مورينو أوكامبو، رفض التحقيق في العدوان «الإسرائيلي» على غزة، لاقتناعه بأن ذلك العدوان لا يشكل جريمة حرب، رغم أن تقرير القاضي الدولي جولدستون أدان موقف «إسرائيل» وطلب التحقيق فيما ارتكبته «إسرائيل» من جرائم خلال تلك الحرب.

إن أهمية تسليط الضوء على احتمالات ضلوع «إسرائيل» في اغتيال الحريري، تكمن في كونه يشكل أحد مفاتيح التعرف على الحقيقة في تلك الجريمة، فضلاً عن أنه يشكل خيطاً يمكن من خلاله التعرف على المسؤولين عن ارتكاب العديد من جرائم القتل الأخرى التي ارتكبت في لبنان، وأريد بها إثارة الفرقاء وإشعال نار الفتنة بينهم. ولا يقل أهمية عن هذا وذاك أن الكشف عن تلك المعلومات يتيح لنا أن نتعرف على طبيعة الأنشطة الاستخباراتية والتآمرية التي تمارسها «إسرائيل» في مختلف الدول العربية، منتهزة فرصة بلاهة البعض منا الذين صدقوا أن إيران هي الخطر وهي العدو.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 11 / 565693

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010