الاثنين 9 شباط (فبراير) 2015

النوازع الوحشية في الأفعال والظواهر السياسية

الاثنين 9 شباط (فبراير) 2015 par د. عبد الاله بلقزيز

الانتهاز والوصولية، في السياسة أو في الثقافة أو في الحياة العامة، ليسا ظاهرة حديثة في المجتمعات المعاصرة، ولا هما مما تولَّد من الانفصال بين السياسة والأخلاق - بالمعنى الميكيافيلي - وما ترتب عليه من شيوع القيم النفعية الخالصة في المجتمع، وتسللها إلى السياسة والمعرفة . . الخ . كما أنهما ليسا ثمرة من ثمرات المجتمع الاستهلاكي والقيم المادية الصارخة التي يرسخها في نفوس الأفراد والجماعات، على ما يذهب إلى ذلك كثيرون ممن تناولوا الظاهرة بالدرس . إنهما عريقان في القدم، وانشغل بأمرهما فلاسفة وكتاب كثر، من أفلاطون حتى اليوم مروراً بابن المقفع والجاحظ والتوحيدي وابن خلدون، من دون أن يكون أحد من هؤلاء بمنجاة منهما .
هل في الوسع حسبانهما انحرافاً في السلوك الاجتماعي والسياسي؟
من المسلَّم به أن ذلك يجوز من منظور أن السياسة مأهولة بقواعد العقل لا تحيد عنها، وأنها محكومة بقيم المصلحة العامة وتكافؤ الفرص والمساواة واحترام الكفاءة . . . الخ . في مثل هذه الحال، تبدو الظاهرتان شذوذاً عن قاعدة حاكمة، وتجذيفاً ضد تيار الإرادة العامة والأخلاقية السائدة، ويبدو من يأتون فعل الانتهاز والوصول منشقين عن الجماعة، متمردين على ما تواضعت عليه من قيم، أو ما كرّسته أنظمة الدولة من مبادئ وتشريعات . واختصاراً، يبدو هؤلاء منحرفين عن نظام المجتمع والدولة، مناقضين لنواميس السياسة .
لكي يستقيم النظر إلى الظاهرتين بهذا المنظار، ينبغي أن تكون السياسة فعلاً عاقلاً حقاً، أي مجرّداً من الهوى والشطط والمنافع الخاصة، منضبطاً لخلقية عامة تتعدى مصالح الأفراد . وهذه الصورة عن السياسة افتراضية إلى حد بعيد، وهي منحدرة من نظرة فلسفية إلى الإنسان بوصفه كائناً عاقلاً، خيّراً، بطبيعته وأن التشرُّر لا يأتيه من طبعه النقي، وإنما من مجتمع يُفسده، أي يضيف إليه طباعاً نافلة ليست من طبيعته . نجد هذه العقيدة (الفلسفية) تتردد في تراث فلسفي أفلاطوني ورواقي ممتد عبر الفارابي، وسبينوزا، وجون لوك، وروسو، وإيمانويل كَنْت، حتى جون لويس، ليتغذى منها الفكر الأخلاقي والنزعات الإنسانية Humanisme وبعض الحقوقية المعاصرة .
في مقابل هذه النظرة الفلسفية المشدّدة على سلامة الفطرة الإنسانية، وعلى عاقلية الفعل الإنساني، أي محكوميته بقوانين العقل، وعلى افتراض السياسة ساحة لتجلي العقل، تنتصب رؤية فلسفية أخرى إلى الإنسان وإلى السياسة، بما هما محكومان بسطوة النوازع الحيوانية، وما لتلك النوازع من تأثير نافذ في توجيه السلوك الفردي والجماعي . أرسطو نفسه الذي عرَّف الإنسان بأنه "حيوان ناطق" و"حيوان سياسي" لم ينف عن الفعل الإنساني المنازع الحيوانية فيه . وقد أسهب ابن خلدون، ومكيافيلي، وتوماس هوبس، ومونتسكيو، في بيان أثر الطبيعة الحيوانية في الفعل الإنساني، و- بالتالي - في السياسة .
تؤدينا هذه الملاحظة الفلسفية النبيهة والواقعية إلى إعادة عيار ظاهرة الانتهازية الوصولية بميزانها (أي بميزان النظرة الفلسطينية الثانية) . إذا كانت الانتهازية فعلاً سياسياً - وهي كذلك فعل سياسي - فقد يكون وازعها حيوانياً، أعني مدفوعاً بدوافع لا يمكن عقلها، أو لا يمكن ضبطها بضابط العقل . إن الطمع والرغبة في حيازة الأشياء والكسب السريع، وإشباع الطلب الذاتي، وسوى ذلك، هي من أهواء الإنسان ومنازعه الطبيعية . وهي سابقة في الوجود للجماعة السياسية أو الدولة، أي للنظام الاجتماعي والسياسي المحكوم بشرع . مثلما هي سابقة للدين بما هو منظومة تعاليم موجهة لتأسيس خلقية عليا للجماعة (التي يتوجه إليها وتعتنقه)، وضبطها بنص (شرع) ملزم . وحين ننظر إليها من هذه الزاوية - زاوية اتصالها بالفطرة والطبيعة - يرتفع الإبهام عن فهم استمرارها في الحياة السياسية والاجتماعية، ويصبح النظر إليها كانحراف نظراً مشدوداً إلى معيارية نموذجية لسلوك إنساني قويم عاقل أو محكوم بالعقل، أي لسلوك افتراضي قد يوجد عليه دليل في حالات إنسانية، وقد لا يوجد عليه دليل في حالات أخرى، إن لم نقُل في أكثر الحالات .
ليس في ما قلناه تبرير للانتهازية والوصولية بقدر ما فيه محاولة لفهم الظاهرة بعيداً عن فرضية الإنسان الخير فطرة، وفرضية السياسة القائمة على العقل، ونحن، في ما قلناه، لم نحد - على الأقل - عن اعتبار الظاهرة فعلاً حيوانياً شريراً وغير عاقل، كما لن نحيد عن نقد كل فعل سياسي من هذا القبيل، عملاً بمبدأ أرسطي يقول إن الدولة لم تقم، في تاريخ الإنسان، من أجل إشباع حاجات الناس، وتحقيق الاكتفاء الذاتي لهم الذي يعجزون كأفراد منعزلين عن تحقيقه - فحسب، وإنما قامت من أجل تحقيق الخير والسعادة للجميع . وهذا مبدأ أشمل من مبدأ الكفاية الذاتية العادي (= الحيواني)، لأنه يتطلب ما يجاوز حيوانية الإنسان إلى إنسانيته، وجوهرها العقل .
إذا أمكننا أن نفهم الظاهرة من هذا المدخل الذي يراجع الفرضيات الفلسفية والأخلاقية التقليدية، حول الإنسان وحول السياسة، أمكننا أن نفهم لماذا بات الإلحاح العلمي المعاصر شديداً على توسُّل العوامل غير العاقلة - لنقل الحيوانية - في تفسير الظواهر التاريخية والاجتماعية، وفي جملتها الظواهر السياسية . الأمثلة على ذلك عديدة، وهي تشكل منظومة من الحالات القابلة للتفسير بما هي من ثمرات تدخل المنازع الحيوانية في توجيه الفعل الإنساني، الحرب، مثلاً، ظاهرة في التاريخ الإنساني تقبل التفسير على هذا المقتضى . صحيح أن للحروب أسبابها السياسية والاقتصادية الدافعة إلى نشوبها (صراعات المصالح، نزاعات الحدود، التوسع للسيطرة على الأراضي والموارد . . .) ولكن، من قال إنها ليست فعلاً من أفعال الشرّ، سلوكاً وحشياً مدفوعاً بنزعة الافتراس والإفناء؟ من يجادل في ذلك يكفيه أن يطلع على يوميات الحروب، المدونة أو المصورة، ليعاين ذلك المقدار الخرافي من أفعال الشر البشعة التي يرتكبها "الإنسان" في حق "الإنسان" باسم مبدأ أخلاقي أو ديني أسمى . إنها، بهذا الحسبان، تعبير عن وحشية الإنسان الدفينة، وتجسيد لاستمرارية مفاعيلها في وجدانه وسلوكه وأخلاقه .
استغلال قوة العمل، مثلاً، وهو جوهر النظام الرأسمالي الأسُّ الذي يقوم عليه الاستحواذ على فائض القيمة، ميكانيزم اقتصادي وإنتاجي قد يبدو طبيعياً - أي موضوعياً - في سياق تسليع العمل واتساع نطاق استثمار الرأسمال (في الصناعة أو في الزراعة) . ولكن، من قال إنه لا يجسد أخلاق الجشع الناشئة من منزع حيواني إلى الاستحواذ والاستئثار والطمع المتأصل في حيازة الأشياء؟
يمكن التكثير من الأمثلة في هذا الباب، لكنها تقول الشيء عينه: ليست أفعال البشر عاقلة وخيّرة بالضرورة، ولا السياسة - وهي من أفعال البشر - كذلك . إلى جانب العقل ثمة لا عقل، وهذا يتجسد في الخديعة، والافتراس، والطمع، والخوف، ونداء الغريزة .


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 10 / 566252

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع عبدالإله بلقزيز   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010