الجمعة 23 كانون الثاني (يناير) 2015

مأساة العمل في المشروعات “الإسرائيلية”

الجمعة 23 كانون الثاني (يناير) 2015 par عوني فرسخ

غلب لدى صناع القرار الصهيوني في أعقاب عدوان 1967 القائلون بعدم الانسحاب من الأراضي المحتلة . ولقد اعتمدوا منذ 1968 استغلال فائض العمالة متدنية الأجر في الأراضي المحتلة في تنمية الاقتصاد "الإسرائيلي" ومشروعات التوسع الاستيطاني في الضفة والقطاع . وذلك باستغلال الضائقة الاقتصادية، وتدني فرص العمل فيهما، وقدرتهما على استيعاب التزايد الطردي في الأيدي الباحثة عن العمل، وتزامن ذلك مع التراجع المتزايد في فرص العمل في أقطار النفط العربية . ما أدى إلى تزايد طردي في تدفق العمال، خاصة غير المؤهلين، للعمل في المصانع والمزارع "الإسرائيلية"، والخدمة في الفنادق والحدائق العامة، وكناسة الشوارع . وكذلك في بناء المستوطنات، إذ صار المستوطنون يعتمدون بشكل متزايد على العمال العرب في بناء مساكنهم وفي مزارعهم ومستنبتاتهم الزراعية . بل إن البدو المقتلعين من أراضيهم في النقب سنة 1974 عملوا حراساً للمستوطنات التي أقيمت عليها .
وبموجب القانون "إسرائيلي" كان يستقطع من أجور العمال العرب 30% للضرائب، والتأمين الوطني، والضمان الاحتماعي . ولأن القانون غير نافذ في الضفة والقطاع اقتصرت حقوق أؤلئك العمال على الضمان الصحي . فيما حرموا من الراتب التقاعدي، وضمان البطالة، والإجازات المرضية، وضمان حوادث الطرق . وكانت سلطة الاحتلال قد أنشأت سنة 1970 صندوقاً لحسومات العمال، حاول الهستدروت "اتحاد عمال إسرائيل" الاستيلاء على ما تجمع فيه . غير أن الحكومة "الإسرائيلية" هي التي استولت على حصيلة استقطاعات العمال العرب .
وكان محظوراً على أغلبية العاملين في "إسرائيل" المبيت في مواقع العمل ما لم يكن لديهم ترخيص بذلك . حيث إن معظمهم كانوا مضطرين للعودة يومياً للضفة والقطاع، متحملين أجور الانتقال والوقت المستغرق في الذهاب والإياب . وفي سنة 1977 كان يعمل في منطقة تل أبيب وضواحيها نحو 70 ألف عامل من الضفة والقطاع، يعمل أغلبيتهم وكأنهم عبيد . ولأن تراخيص المبيت في مواقع العمل كانت محدودة للغاية، اضطر آلاف العمال للمغامرة بالمبيت في مشغل مغلق عليهم، أو ينحشرون في بعض الغرف المزدحمة بأمثالهم في يافا، برغم تعرضهم لخطر الاعتقال . كما يذكر الصحفي البريطاني جيفري اورنسون في كتاب "سياسة الأمر الواقع في الضفة الغربية" .
وبعد تفجر انتفاضة أطفال الحجارة سنة 1987 اتخذت "إسرائيل" جملة إجراءات تلزم المتوجهين للعمل في السوق "الإسرائيلية" حمل بطاقات ممغنطة تعطي حاملها شهادة "حسن سلوك" أمنية . وقد واجهت القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة معضلة العمالة في "إسرائيل" والمشروعات الاستيطانية في الضفة والقطاع . وكان شباب الانتفاضة في محاولتهم التصدي لذلك قد رفعوا شعاراً يقول إن من يعمل في مصنع "إسرائيلي" يقوم مقام جندي يهودي على الجبهة، مطالبين بمقاطعة العمل في "إسرائيل" والمشروعات الاستيطانية، ولكن الاستجابة كانت ضعيفة للغاية بسبب تدني فرص العمل في الضفة والقطاع والمحيط العربي، وعدم استطاعة القيادة الوطنية الموحدة تأمين البديل لعمل مائة وعشرين ألفاً لا يملكون فرص إعاشة عائلاتهم من دون العمل في تنمية الاقتصاد "الإسرائيلي" والمشروعات الاستيطانية .
ولقد كان من نتائج التراجع المتزايد لفرص عمل خريجي الجامعات في الضفة والقطاع وفي دول النفط العربية تزايد إقدام الآباء قاصري الوعي والطموح، الطامعين في كسب مادي آني، لمجاراة التطلع الاستهلاكي المتزايد، لإخراج أبنائهم من مدارسهم قبل إتمام دراستهم الثانوية والدفع بهم لسوق العمل "الإسرائيلي"، من دون التنبه لآثار ذلك على فتيان صغار السن محدودي المعرفة والخبرة . وما كانوا يتعرضون له من برامج إفساد صهيونية متعمدة تشجع على تعاطي المسكرات والمخدرات وممارسة الجنس مع مومسات "إسرائيل"، واحتمالات الوقوع في شباك أجهزة الاستخبارات "الإسرائيلية" .
وليس ينكر أنه كان، ولا يزال، دور أساسي لقصور الوعي السياسي، ولتخلف الشعور بالمسؤولية الوطنية، ولثقافة الهزيمة التي شاعت بعد نكسة ،1967 في عدم التنبه للمخاطر الوطنية والاجتماعية للعمل في المشروعات "الإسرائيلية" . إلا أن الضائقة الاقتصادية في الأرض المحتلة، كانت ولا تزال، العامل الأول والأساسي في توجه من ضاقت بهم سبل العيش في الأرض العربية للعمل في المشروعات "الإسرائيلية" . ولم يكن العجز المدعى به قدراً محتوماً بقدر ما كان نتاج واقع عربي عام وفلسطيني منه خاص .
فمن جهة أولى ترتب على عدم تحقيق الحد الأدنى من التكامل العربي عدم اعتماد أفضلية العمالة العربية، ما أتاح فرصاً واسعة للعمالة الآسيوية رخيصة الأجور، الطيعة وسلسة القياد، ما رفع بالتبعية مستوى المنافسة . بحيث ضاقت كثيراً فرص العمل للعربي غير المتميز مهنياً وإدارياً وقدرة على التكيف . ومن الجهة الثانية غلب القصور والتقصير على ممارسات النخب الفلسطينية محتكرة القرار السياسي، والقطاع الأغلب من رجال الأعمال .
فالثابت أن قيادات فصائل المقاومة، وبالذات قيادة فتح بزعامة عرفات، أُغُرقت بعطايا البترودولار، غير أنها لم تحسن استثمار المال السهل الذي جاءها باسم فلسطين وشعب فلسطين . إذ لم توظف قسطاً يذكر منه في تلبية احتياجات شعبها، سواء بتطوير البنى التحتية في الضفة والقطاع، أو مشروعات إسكان، وما هو مستطاع من المشروعات الإنتاجية والخدمية ومشروعات البلديات والمجالس القروية . بما كان يوفر فرصاً غير يسيرة لخريجي جامعات الضفة والقطاع وغير المؤهلين من عمالها . كما أنها لم تقم مراكز تدريب مهني تحقق مستوى متميز من الكفاءة المهنية والإدارية يؤهل للمنافسة في أسواق عمل الأقطار النفطية العربية . ولا هي وظفت علاقاتها، زمن صعود التأييد الرسمي للعمل الفدائي، في تأمين نسبة ملحوظة من فرص العمل لأبناء الضفة والقطاع . في حين المجمع عليه بين المراقبين، عرباً وأجانب، أن تاريخ حركات التحرر الوطني في العصر الحديث لم يعرف قيادة وطنية عاشت في ترف، وشاركت كبار الأثرياء في البذخ وهدر المال كالقيادة المحتكرة، ومازالت، القرار السياسي الفلسطيني .
وليس من شك في أن القوى راعية المشروع الصهيوني تتخذ موقف العداء الشديد لكل عمل وطني فلسطيني، ولها تأثيرها الذي لا ينكر في حرية تصرف رجال الأعمال الفلسطينيين بأموالهم، حتى للمشاريع الخيرية . ولكن ظروف أغلبية شعب فلسطين تستدعي من رجال الأعمال المرموقين تقديم أكثر كثيراً مما قدمه بعضهم للحد من مأساة العاملين في المشروعات "الإسرائيلية" .


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 15 / 566124

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع عوني فرسخ   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010