السبت 17 كانون الثاني (يناير) 2015

هم لا نحن الأَوْلى بالاعتذار

السبت 17 كانون الثاني (يناير) 2015 par عبداللطيف مهنا

إنه لإحساسنا أكثر من سوانا من أمم الكون، لا سيما في مثل هذه المرحلة بالذات من تاريخنا، بأننا بتنا في موقع الأمة المقهورة والمهانة، أو المستضعفة والمستباحة، أو المعتدى بسهولة عليها… الأمة المسلوبة الحقوق والمفترى عليها، والمحرومة من حريتها والممنوعة من وحدتها، والتي يحال بينها وتلمُّس طريقها إلى النهوض والتقدم بعديد من السبل والوسائل، ومنها هندسة أنظمتها وسرقة ثرواتها وهدر إمكانياتها، إلى جانب مستدام التآمر عليها… فنحن، ولهذا، أوْلى بني البشر بأن نكون في مقدِّمة الرافضين وأصدق المواجهين لكافة أشكال ومظاهر وتجليات الظلم والعدوان على الآخر، وإدانة المعتدين بكافة تصنيفاتهم ومسمياتهم، أدولًا هم أم جماعات أم أفرادًا، والتعاطف مع المظلومين والتضامن مع المعتدى عليهم، ودولًا كانوا أم شعوبًا أم جماعات أم أشخاصًا… ولأن ما يسمى الإرهاب في نظرنا هو كل ما يُرتكب من فعل مجرم ومرهب ضد أبرياء، أو يرتكبه مستعمر أو أدواته ضد شعوب مسالمة، فنحن قبل سوانا، وقد كابدناه ونكابده أكثر من غيرنا، لا بد وأن نكون الأحرص على إدانته وشجبه ورفضه في أي زمان وأي مكان وممن كان وضد أيٍ كان…
نستحضر هذا أولًا، ونحن نتوقف أمام أمرين أعقبا جريمة صحيفة “تشارلي ايبدو” النكراء. أولهما، هو محاولة الغرب الفورية توظيفها في ابتزاز العرب والمسلمين عبر تحميلهم ظلمًا وزرها، واتخاذها ورقةً لتبرير حروبه الإرهابية على “الإرهاب” في بلادنا، أو حروبه لاستعادة وتوطيد الهيمنة الاستعمارية شبه المباشرة وشبه المكتملة عليها. واستطرادًا، حربه العنصرية على المهاجرين اللائذين بربوعه، وموالاة ديدن شيطنته للآخر الذي هو الآن نحن تحت لافتة “التطرُّف الإسلامي”، ووصمنا بالهمجية المعادية للحضارة التي يراها حصرًا متمثلة به دون سواه، أي تبرير عدوانيته التليدة تجاهنا… وثانيهما، تلكم الدونية البائسة والاستلاب المخزي الذي بدا في غير قليل من ردود الفعل العربية التي اقترب بعضها من الاعتذار عن ما ليس لنا فيه ناقةً ولا جملًا، أو كأنما نحن المسؤولون عن جريمة لم يرتكبها سوى الفرنسيين أنفسهم، أو كأنما هي ليست نتاجًا فرنسيًّا خالصًا، وأن من ارتكبها ليسو فرنسيين مولدًا وجنسيةً ولسانًا ومدرسةً، ونشأوا وترعرعوا تحت طائلة عنصرية تليدة وتهميشًا مشهودًا… إذ لو كانت الفرنسية متعلقة بزمرة دم، أو مسمى دين، لجاز والحالة هذه حسم عشرين في المئة من تعداد الفرنسيين، ولما كان من ضحايا اعتداء “تشارلي أيبدو”، التي لطالما استفزت مشاعر المسلمين، مسلمان…
إن الأولى بالاعتذار وحدهم هم ورثة الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش، ومن دشَّنوا تاريخهم غير البعيد بإبادة أمم وإزالة شعوب وطمس حضارات، والقريب بإشعال فتيل حربين كونيتين أخيرتهما حصدت وحدها ما قارب الخمسين مليونًا، أما الأقرب، فما نشهده في بلادنا وفي مقدمته جريمتهم المستمرة المتمثلة في الكيان الصهيوني، والذي، ويا للمفارقة، قد تصدر رئيس وزرائه نتنياهو، الغارق حتى أذنيه في الدم العربي الفلسطيني، مظاهرة “كلنا تشارلي”… الأولى بالاعتذار هو الغرب المسؤول قبل سواه، وبمساعدة من امتداداته المحلية، عن كل ما يسفك من قطرة دم عربية في سوريا والعراق واليمن وليبيا، وربما لاحقًا باقي الخريطة العربية من محيطها إلى خليجها، جراء سياسات ومؤامرات “الفوضى الخلَّاقة”، التي أنتجت ورعت وموَّلت وسهَّلت انتشار وباء الفتن والصراعات الطائفية البشعة، وتعهَّدت تغذية استمرارية الاحترابات الأهلية المدمِّرة، التي تحصد البشر وتذرو الحجر وتمزق المجتمعات وتفتت الأوطان… الأحرى به، والفرنسيون منه بالذات، الاعتذار من عرب الجزائر، دون أن ننسى مغاربنا العربية الأخرى وأخيرتهن ليبيا، أما الأميركان، الذين انتهزوا الحدث الفرنسي وسارعوا لتوظيفه بالدعوة إلى قمة عالمية في واشنطن الشهر القادم لعولمة حربهم الإرهابية على الإرهاب، فعليهم الاعتذار ليس للعرب والمسلمين فحسب وإنما للعالم كله، والقائمة طويلة، من هيروشيما وحتى أبو غريب وجوانتانامو…
مأساة “تشارلي ايبدو” قسَّمت أوروبا، المزيج من العنصرية والمصالح والجهل بالآخر، والمعلنة الآن النفير، إلى ثلاث: أوروبا العنصرية التليدة، التي يشحذ الآن يمينها المتنامي سكاكين عنصريته ضد العرب والمسلمين والأفارقة والأجانب بشكل عام، أو أوروبا “بيجيدا” المتنادية لمواجهة خطر “أسلمة أوروبا”، أو الخطر الذي يتهدد طريقتها في الحياة، وهي التي لم تعبأ يومًا بأفاعيلها ضد حياة الآخرين، والمؤمنة بأن معاداة السامية جريمة لا تغتفر ومعاداة العرب والمسلمين والإساءة إلى رموزهم وقيمهم المقدسة مجرد حرية رأي… والثانية، أوروبا المتعقِّلة، أو المسؤولة، التي تدرك أن الفزعة البيجيدية الراهنة تهدد أوروبا ذاتها قبل سواها، وعلى رأس ما تتهدده فيها تلكم القيم التي تزعم عادةً الدفاع عنها، أو تحرص عليها في داخل ديارها ولا تتوانى في خرقها في خارجها… من بين هذه الأصوات العقلانية الشجاعة على قلتها، ما كانتلسياسي ومثقف من طراز دومونيك دوفيلبان، رئيس الوزراء الفرنسي السابق، الذي اعتبر الإرهاب بمثابة “الطفل الوحشي لتقلُّب السياسة الغربية”، مهيبًا بغربه “الوقوف أمام الحقيقة المؤلمة التي شارك بقوة في صنعها”. كما ولعل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل قد أبدت تعقلًا أيضًا حين حرصت على المشاركة في تظاهرة للمسلمين الألمان في برلين تدعو لحرية الدين وحرية الرأي… أما أوروبا الثالثة، فهي أوروبا السياسية الواقعة في ظاهرها ما بين الاثنتين، لكنها في باطنها ليست سوى تلك التي لن توفر فرصة تسنح لتوظيف شبح “الإسلاموفوبيا”، وفزَّاعة “الذئاب المنفردة”، لتمرير وتبرير وتطوير سياساتها الاستعمارية في بلادنا…


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 14 / 565694

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع أعمدة الموقف  متابعة نشاط الموقع عبداللطيف مهنا   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010