الثلاثاء 13 كانون الثاني (يناير) 2015

الاعتداء على الصحيفة الفرنسية

الثلاثاء 13 كانون الثاني (يناير) 2015 par د.رحيل محمد غرايبة

الاعتداء الذي قام به مجموعة من الشباب الناقمين على الصحيفة الفرنسية التي اشتهرت بنشر بعض الإساءات للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، لن يحقق أي نصر للإسلام ولن يجلب أي فائدة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ولا لكل المؤمنين به، ولن يكون هذا الحدث رادعاً للآخرين الذين يفكرون بالإساءة مستقبلا ، بل أعتقد جازماً أن الضرر أكبر بكثير من النفع ان كان هناك نفع، وأعتقد جازماً أيضاً أن أكثر المستفيدين من هذا الحدث هم الصهاينة الحاقدون ومن في حلفهم، وأشد الناس غبطة بهذا الاعتداء هو «نتن ياهو»، وذلك بسبب أنهم يسعون جاهدين لإلصاق صفة «الإرهاب» والتطرف بالإسلاميين والمسلمين عموماً، ويتحقق هدفهم بإقناع الأروبيين والغربيين عموماً بأن الإسلام دين التطرف والإرهاب والعنف، من أجل إعادة تحويل الرأي العام الغربي، والرأي العام العالمي نحو التعاطف مع الكيان الصهيوني الذي يعيش في بحر من التطرف والتعصب والكراهية حسب زعمهم، وأنهم معذورون باستخدام القوة ضد هؤلاء «المتخلفين»!!
الاعتداء على الصحيفة حوّل هؤلاء المسيئين إلى النبي بفجاجة إلى ضحايا وأبطال وشهداء لحرية الرأي والكلمة، وجلب لهم التعاطف من كل أنحاء العالم، بينما لم يكن عقلاء العالم ابتداءً مع أسلوبهم بالإساءة ،والتعبير عن حرية الرأي بهذه الطريقة قبل العدوان، ولو تم تركهم لكانت أعمالهم ورسوماتهم محل ازدراء وتقزز.
استنكار الاعتداء الذي قام به الشباب الغاضب، ورفض هذا الأسلوب المتبع في الدفاع عن الإسلام ومقدساته، لا يعني الموافقة على ما قامت به الصحيفة ولا يعني الدفاع عن إساءاتهم المشينة، بل يعني بكل وضوح أن هذا الأسلوب أخرق ويلحق الضرر بالمسلمين عامة،والنشطاء الاسلاميين خاصة وسوف يؤدي إلى مزيد من التضييق على حركة أتباع هذا الدين، ومزيد من إلحاق الاذى ،وسوف يصبح العرب وكل من يحمل سمات شرق أوسطية محل اتهام ورقابة وتضييق في المطارات وفي كل مفارز الحدود وفي كل دول العالم.
إن التعبير عن الغضب الذي يشتعل في صدور الشباب المتحمس لدينه وأمته،جراء هذه الاساءات عبر هذا الأسلوب العنيف، وعبر استخدام القوة والقتل والتفجير لن يكون أسلوباً ناجحاً في وقف الحرب على الاسلام كما يتخيلون، بل سوف يزيد حدة الهجوم، وسوف يزيد من مساحات العداء، وسوف يسهم إسهاماً كبيراً في تشويه الدين وفي الصد عن سبيل الله، خاصة في ظل الآلة الإعلامية المعادية الكاسحة القادرة على الاستثمار في هذا الحدث والقادرة على إظهار الوجه البشع لما حدث، في مقابل ضعف الآلة الإعلامية المتعاطفة معهم، والعاجزة عن توضيح الحقائق بإنصاف.
ومن الناحية الشرعية الفقهية يجب أن يعلم هؤلاء الشباب أنهم لا يملكون الحق باستخدام القوة على هذا النحو، ولو كانوا يملكون الحق ينبغي الموازنة بين ما يترتب على هذا الأمر من مفاسد ومحاسن، ولذلك يجب أن نتوقف على حادثة امتناع الرسول صلى الله عليه وسلم عن قتل المنافقين -الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر- في مجتمع المسلمين عندما يلحقون به الضرر، وذلك من باب الموازنة بين الاثار المترتبة على هذا الحدث ،والنظر في مآلات الأمور، فقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله: لا، حتى لا يقال محمد يقتل أصحابه، وهنالك أمثلة كثيرة تؤيد هذا المنهج العاقل الراشد.
والمسألة الأخرى التي يجب أن نقف عليها في شرعنة و تسويغ استخدام القوة لأي مجموعة من الشباب ترى أنها على حق، وعندما تلجأ الى استخدام العنف لنصرة أفكارها، فهذا خطر شديد يهدد المجتمعات العربية والإسلامية، حيث سيتحول المجتمع إلى عصابات مسلحة، وكل عصابة تسعى لفرض نفسها عبر العنف والقوة والرعب ،فالمجتمع عندئذ يسير في طريق الفناء والصراع الابدي، لأن من يسوغ لنفسه استخدام القوة، فهذا يعني تسويغ استخدام القوة للآخر وللمخالف، لأن كل طرف يعتقد أنه على الحق، ولا طريق للوصول والتمكين حسب اعتقاده الاّ بإفناء الآخر أو إخفائه من الوجود،او اخضاعه قهراً وإذلالاً،مما يجعلنا في حلقة مفرغة ابدية.
هذا الأسلوب سوف يكون حاجزاً منيعاً أمام فهم الإسلام فهماً صحيحاً، وسوف يؤدي إلى الفتنة، والفتنة أشد من القتل.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 96 / 582115

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع رحيل محمد غرايبة   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010