الخميس 5 آب (أغسطس) 2010

عن فشل عسكري يصعب حجبه

الخميس 5 آب (أغسطس) 2010 par فيصل جلول

مستفيداً من تفجيرات 11 سبتمبر/ أيلول 2001 حاول الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش أن يغير «الشرق الأوسط»، بحيث يصبح على الصورة التي تناسب «إسرائيل» والغرب. وشن لهذه الغاية حملة عسكرية قلبت نظامين للحكم في أفغانستان والعراق، وكان يأمل أن تشكل هذه الحملة رأس جسر لقوى محلية مؤيدة للغرب تقلب حكومات بلدانها وتستقبل ما سماه بوش الابن «رياح الحرية» الوافدة إلى «الشرق الاوسط»، مع عرباته المدرعة وصواريخه وبوارجه الحربية.

وبادرت «إسرائيل» استكمالاً للحملة العسكرية «البوشية» إلى شن حربين خاطفتين : الأولى أخفقت في لبنان عام 2006 في القضاء على المقاومة اللبنانية، إحدى أهم قلاع الممانعة في «الشرق الأوسط»، وحرب أخرى خاطفة على قطاع غزة علّها تقفل الثغرة الفلسطينية التي افتتحتها «حماس» عبر صناديق الاقتراع أولاً، وحافظت عليها من بعد بالقوة المسلحة. وفي غزة فشلت «إسرائيل» كما في جنوب لبنان، مع فارق مهم في حجم الفشل ناجم عن الفارق الكبير بين حجم وقوة المقاومة اللبنانية وطبيعة الأرض التي شملها القتال، بالقياس إلى قوة وحجم المقاومة الفلسطينية وطبيعة الأرض الغزاوية المقفلة والمحاصرة من كل صوب.

لقد بات معلوماً أن حملة بوش «الشرق أوسطية» انتهت إلى فشل ذريع، وذلك باعتراف ضمني ورد في تقرير «بيكر - هاملتون» الشهير الذي أوصى بوضع حد لهذه الحملة وبالتحاور مع أعدائها. وبات معلوماً أيضاً أن الدول التي كانت مرشحة للسقوط، إيران وسوريا بخاصة، خرجت أكثر قوة من هذه الحملة، وهي اليوم اللاعب المحلي الأهم في «الشرق الأوسط»، بالإضافة إلى تركيا التي رفضت الاشتراك في هذه الحملة منذ انطلاقها، كما اعترضت بقوة على حربي لبنان وغزة وصولاً إلى انتهاج دبلوماسية الصوت العالي في مواجهة «الدولة العبرية».

اصطفت قوى كثيرة ومتعددة للحؤول دون تحويل الفشل الأمريكي إلى انتصار كاسح لمن منعوا قوى أحلام الغرب في تكوين «شرق أوسط جديد» خاضع وذليل ومطيع بكل مكوناته للإرادة الغربية، ومتناسب مع البيئة الأمنية التي تحلم «الدولة العبرية» ببنائها في هذه المنطقة. والاصطفاف وصل إلى تشكيل مظلة لمفاوضات استبقها وزير الخارجية «الإسرائيلي» بالقول إنها لن تتوج بدولة فلسطينية في المدى المنظور.

والاصطفاف يشمل أيضاً فرض تعتيم شامل على أعمال المقاومة العراقية والأفغانية خارج مسرح العمليات، كما يشمل تشويه هذه المقاومة عبر دعم بعض أجهزة المخابرات لإعمال إجرامية وطائفية تنسب إلى المقاومة وتطعن بشرفها وبوطنيتها، وبالتالي الامتناع عن الاصطفاف معها.

والراجح أنه لولا هذا الاصطفاف لتحجيم الفشل الأمريكي وحصر تأثيره في «الشرق الأوسط» في حدود معينة، ولولا الفتن والحرق الطائفية التي اشعلتها المخابرات الأمريكية حول المقاومين والممانعين، لولا ذلك كله لما تمكنت أمريكا من سحب حوالي مائة ألف جندي أمريكي من العراق في عام واحد، وسط صمت كثيف، كأن حرباً لم تقع أو كان العراق لم يدمر ولم تفكك دولة ولم ترجع إلى العصر الحجري كما وعد «اليانكي» من قبل.

أما الكلام المعسول الذي أطلقه أوباما حول الحضارة الإسلامية في جامعة القاهرة، فهو واحد من قذائف دخانية كثيرة أطلقت من أجل تغطية الانسحاب الأمريكي من «الشرق الأوسط»، من دون تكلفة سياسية باهظة، وبالتالي التعاطي مع الهزيمة الأمريكية والغربية في المنطقة كأنها هزيمة لبوش وليس للغرب والقوة الأعظم في العالم.

وحتى يستكمل الانسحاب الأمريكي من العراق وأفغانستان يرجح أن تواصل واشنطن سياستها الخارجية الراهنة القائمة على الحفاظ على «الستاتيكو»، فلا شيء يتغير حتى لا يبدو كأنه تغير جراء الفشل الأمريكي في المنطقة، ولا شيء يتغير على الصعيد الفلسطيني حتى لا تبدو «إسرائيل» كأنها مضطرة للتخلي عن الأراضي الفلسطينية المحتلة جراء الفشل الصهيوني في حربي لبنان وغزة من جهة، والفشل الغربي في حربي أفغانستان والعراق من جهة أخرى.

يبقى القول إن «الستاتيكو» هو سلاح ذو حدين، فإن كان مفيداً للحملة الأمريكية الفاشلة على «مركز العالم» ومحوره التاريخي فإنه يتيح لمناهضيها ترتيب صفوفهم وتدعيم أسلحتهم وتكثيف استعداداتهم للمزيد من المجابهة، وخصوصاً ردع الكيان الصهيوني فلا يتغطرس بعد اليوم ولا يستبيح أراضي العرب وأجواءهم وبحارهم، ولعل الاشتباكات الأخيرة على الحدود اللبنانية بين الجيش اللبناني والصهاينة تلقي الضوء على هشاشة «الستاتيكو»، وتؤكد مرة أخرى أن الفشل الأمريكي والغربي في تغيير «الشرق الأوسط» لن يمر مرور الكرام، تماماً كالفشل «الاسرائيلي» في حربي غزة ولبنان، ولعل حاصل جمع الفشلين يؤدي عاجلاً أم أجلاً إلى تغيير وجه «الشرق الأوسط»، ولربما النظام الدولي بأسره.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 17 / 565798

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010