الاثنين 8 كانون الأول (ديسمبر) 2014

نتنياهو والهروب إلى الأمام

الاثنين 8 كانون الأول (ديسمبر) 2014 par معن بشور

هذه المرة لم يكن هدف الغارات الصهيونية على مناطق قريبة من مطار دمشق الدولي وفي الديماس، مجرد رفع معنويات للمجموعات المسلحة في ظل تطورات ميدانية لمصلحة الدولة السورية، كما كان الأمر في غارات سابقة لا سيما خلال العام الفائت، بل يبدو أن لهذه الغارات هدفاً آخر موجهاً إلى داخل الكيان نفسه.

حيث يتداعى وبسرعة موقع نتنياهو الحكومي والسياسي.

فتل أبيب التي اختارت في السنوات الأولى للأزمة السورية موقف الترقب والتوريث في ظل رهانات بسقوط الدولة السورية – العدو الأكثر عناداً للمشروع الصهيوني – وفي ضوء تحليلات أن تدخلها العلني سيضعف من موقف القوى المحلية والإقليمية والدولية المنخرطة في مشروع إسقاط الدولة السورية، لكنها مع الصمود السوري المتواصل عبر السنوات، أخذت تغير في تكتيكاتها وتبدأ ما أسمته تدخلاً إنسانياً، على غرار ما جرى في «الجدار الطيب» في جنوب لبنان عام 1976 وتطوره إلى تدخل أمني وسياسي وعسكري مباشر يهدف إلى إقامة «منطقة عازلة» بينها وبين سورية على غرار الشريط الحدودي في جنوب لبنان أيضاً، وبدا وكان المخطط الصهيوني نجح في تأمين تغطية عسكرية «إسرائيلية» لتمدد المجموعات السورية في مناطق فصل القوات التي كانت تقيم فيها قوات «الاندوف» الدولية.

وكان «الإسرائيليون» في كل غاراتهم يعتمدون مواقيت متزامنة مع نكسات عسكرية تصيب الجماعات المسلحة في أكثر من منطقة سورية، وكان الرأي يومها أن الهدف الصهيوني كان يسعى إلى رفع معنويات هذه الجماعات لا سيّما بعد سقوط رهانها على تدخل عسكري أميركي، كما إلى ضرب منشآت عسكرية سورية نوعية، كما إلى محاولة منع أي إمداد عسكري سوري للمقاومة في لبنان…

لكن الهدف الصهيوني من غارات الأحد، الذي يصادف الذكرى السابعة والعشرين لانطلاقة انتفاضة الحجارة التي تركت آثاراً سياسية هامة على الكيان الغاصب في الداخل والخارج، كان مختلفاً هذه المرة.

فقد جاءت هذه الغارة في ظل ارتباك داخلي متفاقم داخل الائتلاف الحاكم في تل أبيب تمثل بإقالة وزيرين رئيسيين في حكومة نتنياهو اللذين سرعان ما أعلنا رغبة حزبيهما، مع أحزاب أخرى بتشكيل ائتلاف مناهض لنتنياهو يسعى عبر الانتخابات المبكرة، أو بعدها، إلى إخراج «الملك» وهو اللقب الذي يطلق على رئيس الحكومة «الإسرائيلية» – من مملكته التي بدأت تهتز بعد الهزيمة في غزة، وانتفاضة الطعن والدهس في القدس والخليل وعموم الضفة الغربية.

وما زاد من مخاوف نتنياهو أن الوزيرين المقالين ليفني ولابيد، قد اجتمعا في واشنطن لإعلان تحالفهما التي لا يخفي رئيسها امتعاضه من سياسة نتنياهو ويرى فيها خطراً على مستقبل الكيان والمشروع الصهيوني نفسه، مما يعطي لهذه الخطوة أبعاداً دولية يدرك نتنياهو أكثر من غيره مخاطرها، خصوصاً أنها تتزامن مع ما يمكن تسميته «بانتفاضة أوروبية» ضد سياساته الاستيطانية والعدوانية والتي تمثلت مؤخراً في تتالي توصيات البرلمانات البريطانية والفرنسية والإسبانية، والبلجيكية قريباً، بالاعتراف بدولة فلسطين بالإضافة إلى الاعتراف الفعلي من حكومة السويد، على رغم كل ما يمكن أن يثار حول هذه الاعترافات من ملاحظات مبدئية.

إزاء هذا الارتباك الداخلي المتفاقم، والعزلة الدولية المتزايدة، والصمود السوري الأسطوري، وتنامي قدرات المقاومة في شمال فلسطين وجنوبها، لم يعد أمام نتنياهو سوى اعتماد استراتيجية «الهروب إلى الأمام»، لعلها تعيد فتح أبواب داخلية وخارجية أمام حكومة مأزومة وكيان مهتز.

إلاّ أن السؤال الأهم، هل تقرأ الدول العربية والإسلامية في المنطقة والإقليم الرسالة «الإسرائيلية» بدقة، وتدرك أنّ أمنها القومي مهدّد، كما أمن سورية، مثلما بدأت تدرك أن أمنها الداخلي بات مهدداً مع ما تشهده الساحتان السورية والعراقية من تداعيات عمل المجموعات الإرهابية.

الأنظار هنا تتجه في شكل خاص إلى مصر المؤهلة على رغم ما تواجهه من صعوبات وربما بسبب ما تواجهه من تحديات لأن تلعب دوراً في إطلاق مناخ جديد في العلاقات العربية وتقنع من ما زال أسير أحقاده بإجراء مراجعات ضرورية لسياساته عموماً، ولمشاريعه في سورية خصوصاً.

كما تتجه الأنظار أيضاً إلى موسكو وطهران لا لاستمرارهما في دعم الصمود السوري على المستويات كافة فقط، بل أيضاً «لإقناع» أنقرة إلى الإقلاع عن سياساتها التدميرية تجاه سورية، وهي سياسات لم تلحق أضراراً بالغة ببلد عربي مسلم هام فحسب، بل ستلحق أفدح الأضرار بتركيا ذاتها، وقد جرتها سياسات أردوغان وداود أوغلو إلى مخاطر كبرى.

بالتأكيد لن يؤثر العدوان الصهيوني الجديد وفي موقف سورية وموقعها وصمودها، مثلما لم تؤثر الاعتداءات السابقة، ولكن من مصلحة كل الدول العربية والإسلامية أن تتجاوز كل ما يعيق انتصارها لسورية في مواجهة العدوان والفتنة التدميرية في آن معاً.

في الستينات تعرضت سفينة سعودية لاعتداء من نظام شاه إيران، فخرج جمال عبد الناصر من قلب صراعه الدموي مع حكام الرياض في اليمن يومها، وأعلن رفضه لأي عدوان يمسّ الأمن القومي لأي دولة عربية، حتى ولو كان بينهما حرب أو خصام، وفتح موقف جمال عبد الناصر صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين، بل أعطى درساً جديداً لعدم الخلط بين الأولويات.

فهل يكرر التاريخ نفسه؟!


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 15 / 565694

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع أعمدة الموقف  متابعة نشاط الموقع معن بشور   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010