الأحد 7 كانون الأول (ديسمبر) 2014

اوفياء يوماً.. اوفياء دوماً

الأحد 7 كانون الأول (ديسمبر) 2014 par معن بشور

(إلى روح الدكتور الشهيد عبد الوهاب الكيالي بعد 33 عاماً على استشهاده)
أيّاً تكن اليد التي امتدت لتختطف من بيننا عبد الوهاب الكيالي الكاتب والمؤرخ والمناضل والعقل المتوقد والشباب الغض من بيننا، وأيّاً تكن دوافعها ، وأيّاً يكّن المحّرض وراءها، فان اغتيال كاتب “تاريخ فلسطين الحديث” وناشر “وثائق المقاومة العربية الفلسطينية ضد الاحتلال البريطاني والصهيوني” صبيحة السابع من كانون اول/ديسمبر 1981، منذ كان الاغتيال خدمة مجانية للعدو الذي امضى عبد الوهاب الكيالي عمره القصير والغني في الكفاح ضده، في فضح دعاويه، في كشف اسراره، في تعبئة شعبه وامته ضده.
لم يكن الكيالي اول شهيد من علماء فلسطين والامة ومفكريها وكتابها وباحثيها الذين امتدت يد العدو الصهيوني، بشكل مباشر أو غير مباشر، لاغتياله، ولن يكون الاخير، فقبله كانت اللائحة طويلة وبعده باتت اللائحة أطول….
لم تكن العقول المستهدفة تنتمي إلى تيار واحدٍ من تيارات الأمة، بل إلى التيارات كلها، ولم يكن الاستهداف الصهيوني دائماً يكشف عن وجهه، لكنه كان حاضراً في كل جريمة من هذه الجرائم سواء عبر تفجير سيارة أو طرد ملغوم أو كاتم صوت، بل كان دائماً قادراً على النفاذ من أي ثغرة أمنية أو سياسية لينّفذ مخططاته، بل ليستخدم الصراعات الأهلية في بلادنا، وما أكثرها، ليحيط جرائمه بدخان كثيف.
ألم يستخدم الحرب على العراق وتداعياتها المؤلمة لينقّض على الاف العلماء العراقيين طيلة السنوات العشر الماضية، ألم يستخدم المحنة السورية بكل وجوهها ليطال العشرات من خيرة العقول السورية بنيران غادره، ألم يستخدم الصراع في لبنان بكل مراحله ليغيّب وجوهاً مبدعة من أبناء هذا الوطن الصغير، أعطت لهذا الوطن اشعاعه في العلوم والآداب، في الفلسفة والصحافة، وكان شعارها دائماً أقتلوا الفكر والابداع في الأمة تقتلون الأمة كلها، إذ لا نهوض لامم إذا لم يكن الفكر محّركها، والعلم مخزونها، والابداع روحها واجمل تجلياتها.
واغتيال قائد فلسطيني وعروبي كبير كعبد الوهاب الكيالي، لم يكن مجّرد اغتيال لركن من أركان النضال الفلسطيني المعاصر، ولا لداعية من دعاة العروبة الحضارية الانسانية المضيئة فحسب، بل كان كذلك اغتيال للكتاب نفسه الذي هو جسر الانتقال إلى المعرفة، وخزان تراث الأمة الروحي والحضاري والعلمي.
ان اغتيال رئيس تحرير الموسوعة السياسية، والمشرف على الموسوعة العسكرية، خلال ايام معرض الكتاب العربي في بيروت وهو المعرض الذي كان احد مظاهر مقاومتنا للحرب التي فرضت على لبنان ، وفيما كان اللبنانيون ومعهم العرب، يرون في اصرار النادي الثقافي العربي على تنظيم هذا المعرض إمارة اصرار لبنان على الاحتفاظ بريادته الثقافية ودوره الحضاري، هو اغتيال لم يكن يريد قتل الانسان في هذا الوطن فحسب، بل قتل العقل والفكر والكلمة فيه أيضاً.
لقد وصل الكيالي في المواقع السياسية والحزبية إلى اعلى المراتب، فكان عضواً في اعلى قيادة لحزب البعث الذي انتمى اليه، وفي اعلى قيادة لمنظمة التحرير الفلسطينية، ولكنه انسحب من كل تلك المواقع لينصرف إلى الكتاب والكتابة والنشر عبر (المؤسسة العربية للدراسات والنشر)، والتي حّولها وبسرعة في سبعينات القرن الماضي إلى واحة لتفاعل كبار المفكرين والمثقفين والباحثين على امتداد الأمة كلها، وسط صحراء التناحر والتنابذ والغاء الاخر فكرياً كان أم سياسياً أم حتى لو حمل رأياً مخالفاً. فحاول صاحب المؤلفات العديدة ان يحقق بالثقافة وحدة لم يتمكن من تحقيقها بالسياسة، وأن يسهم في تحرير العقل والارادة كمقدمة ضرورية لتحرير الارض الغالية عليه.
لم تسمح النكبة للكيالي ان يسكن في مدينته يافا، ولكن يافا سكنت وجدانه وعقله، وكل خلية من خلاياه، وكل يوم من ايام عمره القصير، كما لم تسمح الصراعات العربية المستمرة لعبد الوهاب الكيالي ان يرى حلمه في وحدة امته يتحقق، لكن هذه الوحدة بقيت حاضرة في كل مشاريعه الثقافية على خلفية ادراكه الناضج ان للوحدة ابواب عّدة، المهم ان تقرع احدها وتدخل منه إلى رحاب الحلم الكبير….
لقد ارادوا باغتيال الكيالي اغتيال كل هذه المعاني الجميلة والقيم المنيرة كلها، اغتيال فلسطين ووحدة الأمة، واغتيال لبنان ودوره الحضاري، واغتيال العقول التي تشيد جسوراً بين الاجيال بين الاقطار وبين الافكار، بين الماضي والمستقبل، بين الحلم والحقيقة.
لذلك حين نجتمع (الثلاثاء) في (دار الندوة)، وبعد ثلاثة وثلاثين سنة على استشهاد عبد الوهاب الكيالي، فلكي نقول ان الاحلام لا تنطفئ، وان الاقلام لا تنكسر، وان الافكار لا تموت، وان الاحرار لا يغيبون…
أوفياء يوماً… أوفياء دوماً… ألم يكن ذلك شعارك في وفائك لفلسطين والامة، بل لفلسطين التي كنت تصفها بالاسم الحركي للامة العربية، بل في وفائك لمبادئك التي رفضت تزييفها، ولرفاقك واصدقائك الذين رفضت ان تبيعهم بعشرة من الفضة.
لقد ثأر لك اطفال فلسطين في ذكرى استشهادك السادسة، فكانت انتفاضة الحجارة التي اثبتت ان رهانك على شعبك لن يخيب، وها هم اطفال الامس، رجال اليوم ونساؤه، يجدّدون المقاومة في غزة والانتفاضة في القدس وصولا إلى يافا التي لن تغادر روحك ابداً.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 15 / 575041

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع أعمدة الموقف  متابعة نشاط الموقع معن بشور   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010