السبت 6 كانون الأول (ديسمبر) 2014

الفاعلون والمفعول بهم في التحولات الاستراتيجية

السبت 6 كانون الأول (ديسمبر) 2014 par صالح عوض

في السياسة غير ما هو في العقيدة.. ففي حين تفحص المصطلحات والمفاهيم في العقيدة بكلمة صحيح او باطل، وايمان وكفر، وهدى وضلال، وهذا جميعه عقيدة لا تورث ولا يمكن تعميمها انما هي عملية فردية مبنية على قناعات خاصة.. أما في السياسة فهنا تتجلى عوامل التوحد بين المختلفين على رؤية الواقع كما هو بدون زيادة او نقصان.. في السياسة تكون المصطلحات تدور حول وعي وجهل وإحاطة وقصور وفهم وبلادة.. هنا تصبح العملية ليست حسب رغباتنا وقناعاتنا انما هي بما هو قائم.. وهنا فرق كبير بين الواقع وإرادة تغييره..

نقدم بهذا الكلام لكي لا يخلط أحد السياسة بالعقيدة ولا يذهب في تسمية الأشياء، حيث هو يريد إنما هي الأشياء كما هي.

للواقع السياسي الذي نعيشه أبعاد عديدة تتحكم فيه بتطوراتها وتبدل الأدوار لابد من الاشارة اليها لمعرفة اين تتقاطع واين تتناقض لكي نستطيع استشراف ملامح المرحلة القادمة واي دور لنا يمكن القيام به في تجنب اضرارها والتقاط منافعها.

ـ البعد الإيراني: ما نتابعه الآن من حراك في المنطقة يشير إلى تطورات في المواقف والتحالفات سيتجه بلا شك لصناعة وقائع على الأرض تغير من ملامح المرحلة والمنطقة.. فبعد أن أقال أوباما وزير دفاعه على إثر انكشاف رسالة بعث بها إلى خامنئي مرشد الثورة الإيرانية دون أن يستشير أحدا من المقربين إليه.. اختصر أوباما مكوكية المفاوضات الماراطونية في فيينا بين إيران والدول الغربية فأراد توجيه تطمينات للقادة الإيرانيين ان الإدارة الأمريكية تقر بوجود متميز لإيران في المنطقة وأنها لاعب أساسي فيها وأنه لابد من مراعاة مجالاتها الحيوية وان موقف الإدارة الأمريكية من الملف السوري لن يكون كما كان سابقا.. وان رفعا جزئيا للحصار على ايران سيمكنها من استلام مئات ملايين الدولارات، كما ان هناك أنواعا محظورة من البضائع ستجد سبيلها إلى طهران من المصانع الغربية..

وفي الحين نفسه، تأخذ السياسة الايرانية فرصتها في كسب الوقت بتمدد عمر المفاوضات من أجل تثبيت حقها في الملف النووي وصناعة الصواريخ القادرة على حمل رؤوس نووية.. وكما يفيد الوسيط العماني فإن الإدارة الأمريكية سعت إليها بإلحاح لطمأنة الايرانيين ان المفاوضات لم تفشل ودعوتهم بعدم اعلان فشلها..

ـ البعد التركي: يبدو ان الأتراك يشعرون بشيء من الضغط الأوروبي والأمريكي كما لوح بذلك بايدن، نائب الرئيس الأمريكي في زيارته الأخيرة لأنقرة، حيث ألح بمطالب عديدة لتوريط تركيا في الخطة الأمريكية في الحرب على داعش، الأمر الذي دفع اردوغان الرئيس التركي إلى اعتبار ذلك وقاحة غير مقبولة.. يأتي هذا في ظل شبه عزلة يعيشها الأتراك، فبعد ان خسر الإخوان مواقع مهمة لاسيما في مصر وخسروا علاقات مع دول الخليج العربي بسبب الاختلاف حول موضوع الإخوان والعلاقة بالنظام الجديد بمصر..

الا ان ذلك لن يغلق ابواب التحرك امام الدبلوماسية التركية، حيث فتحت بابا واسعا نحو روسيا وللعلاقة مع روسيا فوائد جمة على الاقتصاد التركي.. هذا وتوجه اتهامات لتركيا بأنها تدعم داعش وتسهل لها عمليات التدريب والتسلل إلى الأراضي السورية، يجيء هذا بعد ان ارغمت انقرة على السماح للبشمركة العراقية بالمرور لنجدة اكراد عين العرب على الحدود السورية التركية.. يعيش الموقف التركي حالة من الاضطراب بين انتماءاته المتعددة، فهل يستطيع التوازن بين كونه عضوا في الحلف الأطلسي او انه جزء من المنطقة العربية الاسلامية، وهل يستطيع التوفيق بين توجهه وخلفياته الاسلامية، وبين علمانية دولته وسطوة قوانينها.. تلك مواجهات غير مأمونة النتائج..

ـ البعد الروسي: بعد ان حسمت روسيا في محاولات التمدد الغربي على تخومها فأخمدت التمرد الجورجي وطعنت التمرد الأوكراني في خاصرته، تصاعدت حدة الخطاب الغربي لمزيد من فرض الحصار على روسيا اقتصاديا.. يأتي هذا بعد ان استطاعت مجموعة بيوتن تمتين مؤسسات الدولة والتقدم اقتصاديا وصناعيا واعادة ترميم المؤسسة العسكرية والأمنية، في الحين الذي بدأت تلوح في الأفق محاولات دءوبة من قبل الدبلوماسية الروسية لإنشاء تحالفات وعلاقات استراتيجية في مناطق حيوية ساخنة مع ايران وسوريا والعراق..

ها هي روسيا تتوجه نحو تركيا ودول الخليج العربي في وقت واحد، حيث تجد دول الخليج فرصة في علاقة صداقة مع بلد هو حليف لإيران -الخصم التقليدي لها-.. وتجد القيادة الروسية في العلاقات مع تركيا والخليج فرصة لشق جدار الحصار.. فيما هي قادرة على تقديم خدمات جليلة لتركيا ولدول الخليج..

ـ البعد الأمريكي: تمر أمريكا بمرحلة مضطربة في قدرتها على تحديد استراتيجية واضحة توحد العمل السياسي والإعلامي والميداني.. ففي الحين الذي تشن فيه الإدارة الأمريكية حربا ضروسا ضد تنظيم الدولة الاسلامية وتجيش اكثر من 80 دولة خلفها في هذه الحرب، يشير كثيرون ان امريكا لا تملك دوافع حقيقية في ذلك، اذ كيف تسكت عن تنظيمات هي امتداد للقاعدة، حيث عدوها التقليدي كالنصرة وسواها وتنصرف لضرب تنظيم الدولة الذي لم يسبق له عداوة واضحة مع الأمريكان..

ثم هذا الفشل الأمريكي في الملف العراقي، حيث دفع الأمريكان بآلاف ابنائهم ضحايا سياسة رعناء ضللها عراقيون ناقمون على صدام حسين فورطوها وكذبوا عليها وادخلوها في أتون حرب لم تجن منها الا الخسران، فيما هي كذلك فهي ترى بأم العين، كيف يدار العراق، ومن هو صاحب القرار فيه، ومن هي القوى المخبأة التي تتحكم في مفاصله.. فعادت الآن تستجدي تلك القوى والأطراف لكي لا تغيب عن المشهد.. كما ان فشلها حتى الآن في ترتيب الوضع السوري أسكن رأسها صداعا لاينفك يدعوها إلى مبادرات غير مدروسة.. ثم هذه الخيبات التي منيت بها وزارة الخارجية الأمريكية بعد الإهانات التي ألحقها بها نتنياهو رئيس حكومة الكيان الصهيوني..

وبالجملة، يبدو على الأمريكان عدم قدرة على التوازن والحفاظ على الحلفاء الفاشلين، كما انها اصبحت تتخبط في خطط تكتيكية امام ملفات متفجرة اسهمت هي بشكل او بآخر في صناعتها في اكثر من مكان.

خلاصة: الأوضاع الآن ليست هي تلك التي كانت في بداية الفوضى الخلاقة.. الآن تنسحب قوى وتضعف اخرى وتنهار مسميات وتضمحل ادوار.. في حين تتنامى فيه قوى وتستبدل تحالفات.. ولكن إلى حتى الآن يبدو ان سوريا والعراق مفعول بهما، وان الفاعلين هم دول اقليمية او دولية مع ما ينتابها من ضعف او قوة تقدم او تأخر.. المشهد في العراق وسوريا، حيث ارض التصارع والصراع يكشف تماما دور الأطراف الإقليمية والدولية وسيكون الحسم في المشهد هو اشارة لأوضاع القوى المتدخلة فيه على الصعيد الدولي.. وبناء عليه سيتحدد مصير القضية الفلسطينية.. تولانا الله برحمته.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 18 / 565798

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع صالح عوض   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010