الخميس 20 تشرين الثاني (نوفمبر) 2014

على جبهة الصراع الفكري‮: ‬هل خُلقنا للاستبداد وخُلقوا للديمقراطية؟

الخميس 20 تشرين الثاني (نوفمبر) 2014 par سليم قلالة

المُسَلَّمة السائدة اليوم أن المسلمين هم الذين‮ ‬يرفضون الديمقراطية،‮ ‬هم‮ ‬غير القادرين على أن تكون لديهم حكومات شرعية،‮ ‬هم الذين لا‮ ‬ينفع معهم سوى الاستبداد،‮ ‬هم الذين‮ ‬يُنتِجون العنف والإرهاب‮... ‬يتم الارتكاز عليها في‮ ‬كثير من الأحيان ـ وخلطها بالإسلام ـ للتعامل مع واقعنا السياسي،‮ ‬وتكريس ودعم أنظمة استبدادية ببلادنا،‮ ‬والاعتراف بالانقلابات الديكتاتورية،‮ ‬والوقوف إلى جانب أنظمة ملكية بائدة لم‮ ‬يعد لها مثيل اليوم‮... ‬ ‬

هذه المُسَلّمة،‮ ‬بدل أن نقوم نحن بتفنيدها على جبهة الصراع الفكري،‮ ‬ترانا نميل إلى التصديق بحق أننا مثل ما‮ ‬يزعمون،‮ ‬وتتعالى من بيننا أصوات تقول‮: ‬لا حل لنا إلا في‮ ‬الاستبداد،‮ ‬وقد خُلقوا هم للديمقراطية‮...‬

قديمٌ‮ ‬هو الموقف الذي‮ ‬يرى أن الشعوب‮ ‬غير الأوروبية لا‮ ‬ينفع معها إلا الاستبداد،‮ ‬منذ أرسطو في‮ ‬القرن الرابع قبل الميلاد الذي‮ ‬تحدث عن تفوق اليونانيين على‮ ‬غيرهم من الشعوب،‮ ‬إلى فوكو‮ ‬ياما اليوم الذي‮ ‬يعتبر أن آخر ما‮ ‬يمكن أن تتوصل إليه البشرية هو الديمقراطية الليبرالية التي‮ ‬ابتكرها الغرب ولا بديل للبشرية عنها‮... ‬سلسلة الفكر السياسي‮ ‬الغربي‮ ‬تسير بهذا الاتجاه إلا استثناء عندما‮ ‬يتم الاعتراف بدور الإنسانية في‮ ‬التقدم في‮ ‬هذا العصر أو ذاك،‮ ‬أو عندما‮ ‬يتم نقد الحضارة الغربية من الداخل ويجري‮ ‬التبشير بقرب نهايتها على نموذج‮ (‬شبنلغر ـ أفول الغرب‮ )‬،‮ (‬غينون ـ أزمة العالم المعاصر‮)‬،‮ ‬وأخير على نموذج‮ "‬اللورد لوتيان‮" ‬كما بدأنا تحليل مواقفه في‮ ‬الأسبوع الماضي‮.‬

وبالرغم من الاستثناءات هذه في‮ ‬تطور الفكر السياسي‮ ‬الغربي‮ ‬التي‮ ‬نحن في‮ ‬حاجة ماسة إليها اليوم،‮ ‬لإحداث توازن ولو طفيف على جبهة الصراع الفكري،‮ ‬إلا أننا نادرا ما نوليها‮ ‬العناية الكافية ونعطيها حقها من التحليل والتعليق‮... ‬

لنعود إلى اللورد لوتيان وهو‮ ‬ينتقد الديمقراطية الغربية في‮ ‬محاضرته‮ (‬كيف فقد الغرب الشرق‮ - ‬الأوسط‮) ‬التي‮ ‬أشرنا إلى‭ ‬السياق الذي‮ ‬جاءت فيه في‮ ‬الأسبوع الماضي،‮ ‬ما الذي‮ ‬يقدمه لنا كحجج؟

ـ بداية‮ ‬يتساءل المؤلف‮: ‬لماذا‮ ‬يكرهنا العرب ولماذا‮ ‬يفرحون عند قيام عمليات إرهابية ببلادنا؟

بداية‮ ‬يتساءل المؤلف‮: ‬لماذا‮ ‬يكرهنا العرب ولماذا‮ ‬يفرحون عند قيام عمليات إرهابية ببلادنا؟ ولا‮ ‬يتردد في‮ ‬الإجابة بالقول إن العرب أكثر من‮ ‬يعرف أننا كثيراً‮ ‬ما خُنَّا الثقة التي‮ ‬وضعوها فينا‮.. ‬أننا تعاملنا مع شعوبهم باحتقار واضح وغازلنا قادتهم ثم‮ ‬قُمنا بدعمهم ثم تركناهم‮ ‬ينهارون‭.‬

ولا‮ ‬يترد د في‮ ‬الإجابة بالقول أن العرب أكثر من‮ ‬يعرف أننا كثيرا ما خُنَّا الثقة التي‮ ‬وضعوها فينا‮..‬،‮ ‬أننا تعاملنا مع شعوبهم باحتقار واضح وغازلنا قادتهم،‮ ‬ثم قُمنا بدعمهم،‮ ‬ثم تركناهم‮ ‬ينهارون‮ (‬ص57‮)‬،‮ ‬إننا لم نميز بين الإسلام والإسلاموية،‮ ‬ولم نُدرك مفهوم الأمة لديهم،‮ ‬كما لم نُدرك أنهم قَبلونا بعد الحرب العالمية الأولى ليس حُبًّا فينا إنما اعتقادا منهم أننا سنكون أفضل من الأتراك،‮ ‬فإذا بنا نخونهم،‮ ‬حيث بعد أن تمت مغازلتهم في‮ ‬هذه الحرب للوقوف إلى جانب الحلفاء في‮ ‬آسيا الوسطى وشبه الجزيرة العربية لتحطيم سكة حديد الحجاز والمساعدة على السيطرة على دمشق،‮ ‬دشن الغرب وبالتحديد فرنسا وبريطانيا حقبة ما بعد الإمبراطورية بمزيد من العجرفة والرغبة في‮ ‬التوسع تجاههم‮... ‬بدل التعاون والاعتراف بالحقوق،‮ ‬كان التخطيط منذ البداية ضدهم من خلال ما‮ ‬قام به كل من سايكس الإنجليزي‮ ‬وبيكو الفرنسي‮ ‬بإبرام اتفاقية تقسيم العالم العربي‮ (‬التي‮ ‬عرفت باتفاقية سايكس ـ بيكو‮)‬،‮ ‬ومن خلال إعلان بلفور الإنجليزي‮ ‬وعده المشؤوم لليهود بإقامة كيان سياسي‮ ‬لهم في‮ ‬فلسطين‮... ‬تلك كانت المكافأة والدليل على الخيانة‮..‬

وقد استمرت تلك المنهجية إلى اليوم،‮ ‬يضيف اللورد لوتيان،‮ ‬إلى أن وصلنا مع ما سُمي‮ ‬بالربيع العربي‮ ‬إلى حقبة سايكس بيكو جديدة،‭ ‬حيث‮ ‬يجري‮ ‬تقسيم‭ ‬العالم العربي‮ ‬سرا وعلانية إلى مناطق نفوذ جديدة بعد الإطاحة بصدام حسين في‮ ‬العراق وبالعقيد القذافي‮ ‬في‮ ‬ليبيا ومحمد مرسي‮ ‬في‮ ‬مصر والسعي‮ ‬إلى إحداث ذات الشيء في‮ ‬باقي‮ ‬البلاد العربية‮...‬

لماذا نكرر الخطأ؟‮ ‬يتساءل المؤلف‮..‬

ويجيب‮: ‬إننا لم نرد أن نحفظ الدرس الذي‮ ‬قدَّمه لنا التاريخ‮: ‬أن القوى العظمى لم تتمكن أبدا من فرض تقاليدها ومعتقداتها على شعوب أخرى،‮ ‬من السلم الروماني‮ ‬إلى السلم البريطاني‮ ‬إلى الخلافة الإسلامية العالمية إلى السلم الأمريكي،‮ ‬جميعها لم تتمكن من طبع نظامها الجيني‮ ‬على الشعوب التي‮ ‬سيطرت عليها‮ (‬ص63‮)‬،‮ ‬فكيف بالغرب‮ ‬يستطيع ذلك وهو الذي‮ ‬أضاع الفرصة حقيقة بعد سقوط الخلافة،‮ ‬وبدل أن‮ ‬يُصبح صديقا حقيقيا للأمة العربية وقوة حقيقية للخير والتقدم لكل المنطقة،‮ ‬قام بتفجيرها من البداية،‮ ‬وها هو اليوم‮ ‬يدفع الثمن؟ كيف أخطأنا لهذه الدرجة سواء في‮ ‬إدراك الحقيقة،‮ ‬أم في‮ ‬الواقع؟ السبب بسيط‮ ‬يقول‮: "‬إنما هي‮ ‬العجرفة،‮ ‬الاحتقار،‮ ‬الخيانة،‮ ‬الطمع،‮ ‬الأحكام المسبقة،‮ ‬الخطأ في‮ ‬التقدير،‮ ‬عدم القدرة على التعلم من أخطائنا‮"...‬

هل صحيح أن المشكلة تكمن في‮ ‬الغرب وأن تلك المسلمة التي‮ ‬تقول بأننا لسنا أهلا للحرية والديمقراطية وما نحن إلا شعوب عنف وقابلية للاستعباد والاستبداد،‮ ‬هي‮ ‬مُسلّمة كاذبة‮.. ‬ومن قام بتكذيبها؟ هل نحن،‮ ‬أم الغربيون أنفسهم؟

يبدو أنه علينا أن نتوقف ولو للحظة عند هذا الحد بالذات،‮ ‬عن اعتبار الآخر دوما متفوقا ويعرف ما‮ ‬يريد،‮ ‬في‮ ‬حين نسير نحن باستمرار على‮ ‬غير هدى لا نعرف أين‮.‬

كيف بالغرب‮ ‬يستطيع ذلك وهو الذي‮ ‬أضاع الفرصة حقيقة بعد سقوط الخلافة،‮ ‬وبدل أن‮ ‬يُصبح صديقا حقيقيا للأمة العربية وقوة حقيقية للخير والتقدم لكل المنطقة،‮ ‬قام بتفجيرها من البداية وها هو اليوم‮ ‬يدفع الثمن‮..

إن رفض اتجاهات فكرية للديمقراطية في‮ ‬بلادنا لا‮ ‬يمكن أن نعتبره‮ ‬غير مبرر تماما،‮ ‬وها هو أحد الساسة الغربيين المرموقين‮ ‬يتساءل بنفسه‮: ‬كيف للمسلمين أن‮ ‬يقبلوا بالديمقراطية وهم الذين رأوا كيف تمت الإطاحة بأول نظام‮ ‬منتخب ديمقراطيا في‮ ‬العالم الإسلامي‮ ‬في‮ ‬عهد مصدق سنة‮ ‬1952‮ ‬بإيران،‮ ‬وتم استبداله بحكم شاهنشاهي‮ ‬دكتاتوري‮ ‬خدم مصالح الغرب بكل الوسائل إلى أن أطاحت به الثورة الإسلامية سنة‮ ‬1979؟ كيف بهؤلاء أن‮ ‬يقبلوا بالديمقراطية‮ ‬وقد أيدوا الإطاحة بالإسلاميين في‮ ‬الجزائر في‮ ‬انتخابات‮ ‬1992؟ كيف‮ ‬يقبلوا بها وهم‮ ‬يرون كيف تمت الإطاحة بالأمس القريب بالرئيس المنتخب ديمقراطيا في‮ ‬مصر محمد مرسي،‮ ‬وتأييد حكم عسكري‮ ‬انقلابي‮ ‬بديلا عنه بحجة أن الرئيس المنتخب من الإخوان المسلمين؟ كيف للمسلمين أن لا‮ ‬يرفضوا هذه الديمقراطية التي‮ ‬ينبغي‮ ‬أن تكون على مقاس معين وتحقق أهدافا معينة أو‮ ‬يتم الانقلاب عليها؟ بل كيف‮ ‬يقبل المسلمون بهذه الديمقراطية التي‮ ‬تضع رئيسا على رأس أكبر دولة ديمقراطية في‮ ‬العالم عن طريق التزوير المفضوح؟ ألم تمنع المحكمة الفدرالية الأمريكية بعد‮ ‬36‮ ‬يوما من الانتخاب إعادة فرز الأوراق الانتخابية في‮ ‬فلوريدا في‮ ‬انتخابات‮ ‬07‮ ‬نوفمبر‮ ‬2000‮ ‬لتمكين بوش الابن من الفوز على آلغور من خلال التزوير رغم أن هذا الأخير كان متقدما على بوش الابن بـ337000‮ ‬صوت على مستوى كل الولايات المتحدة الأمريكية؟

ألا‮ ‬يكفي‮ ‬هذا لتغذية شعور لدى المسلمين برفض الديمقراطية؟

وعندما‮ ‬يضاف إلى كل هذا ذلك الشعور بأن الغرب لا‮ ‬يعير أية أهمية لحياتهم في‮ ‬كل بلاد دخلتها قواته،‮ ‬في‮ ‬العراق أو أفغانستان أو ليبيا أو اليمن أو سورية،‮ ‬وكيف تستخدم‮ ‬الطائرات بدون طيار لقتل الأرواح البريئة بحجة مكافحة الإرهاب كما كشف ذلك إدوارد مانينغ‮ ‬لويكيليكس في‮ ‬21‮ ‬أوت‮ ‬2013‮ ‬من خلال فيديو لغارة أمريكية في‮ ‬12‮ ‬جويلية‮ ‬2007؟ أو كما تفعل الطائرات الأمريكية بدون طيار اليوم في‮ ‬اليمن وسورية وشمال العراق؟

ألا‮ ‬يؤدي‮ ‬ذلك إلى تغذية جبهة الصراع الفكري‮ ‬بعوامل هي‮ ‬أبدا ليست من صنع المسلمين تضاف إلى تلك العوامل التاريخية التي‮ ‬صنعها الغرب‮. ‬أليست مُسلَّمة الإسلام والمسلمين أصل الداء خاطئة بالأساس بشهادة شاهد من أهلها؟

أظن أنها تلك هي‮ ‬الحقيقة‮... ‬


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 18 / 581949

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع سليم قلالة   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010